اسم الكتاب: العنف والسلام
ـ المداراة والرحمة:
محاسبة الناس على كلّ صغيرة وكبيرة.. نتيجتُه المتوقعة أن لا يبقى أحدٌ لديك لا تحاسبه.. إغماض العين عن بعض العيوب والأخطاء.. تلطّف في الصحبة والمعاشرة.. هو مداراة.. ومخالفة، أي التعامل مع الآخر بخلق حسن.. أن تتكلّم مع الشخص الذي تختلف معه بمودّة أو برفق، ودون انفعال وتشنّج.. ضمان لك في أن تجتذبه إليك.. وتكسبه إلى صفّك.. الموقف المعاكس.. يسبِّب خسائر كبيرة.. عدم تقدير الحالة التي عليها الآخر كثيراً ما كان السبب فى نشوب معارك كلامية أو يدوية.. يقول أحد العلماء المربّين: إذا سمعتُ شخصاً يسبّني ولم يرني.. أختبئ.. حتى إذا انتهى جئتهُ فصافحته!! المعارك الكبيرة عادةً تبدأ من كلمة صغيرة.. من شرارة.. يقول الشاعر: «وإن معظم النار من مستصغر الشرير»! هل عرفت الآن لماذا مداراة الناس؟ في الحديث: «دارِ الناس تأمن غوائلهم (شرورهم) وتسلم من مكائدهم». هذه قاعدة في التعامل الاجتماعي مستخلصة من معرفة بطبائع الناس، ومن معرفة بما يدفع كيدهم ويرفع أذاهم. الشاعر الذي يقول: ليس الغبيّ بسيِّد في قومهِ***لكنّ سيِّدَ قومهِ المتغابن لا يدعو إلى (الغباء)، بل يدعو إلى (المداراة)، فقد تحتاج أحياناً أن تكون أطرشاً وأخرساً وأعمى حتى لا تتوقف عند كلّ كلمة أو حركة أو اشارة.. المداراة.. تغسل الضغينة من قلب الآخر.. تكنس سخام الحقد في نفسه.. إلقه بوجه منبسط مبتسم.. سَلِّم عليه.. سلامُك سكنٌ له.. في المرّة الأولى قد ينظر إليك بارتياب.. في المرّة الثانية قد يحسبك أخطأت الهدف.. في المرّات القادمة سيعرف أنّك صادق معه! إنّ ثوبك الثمين إذا تفتق.. خطته من جديد حتى لا يتمزّق، لأنّه غال وعزيز عليك.. سيارتك الغالية إذا عطلت صلّحتها لأنّها كلّفتك مالاً كثيراً.. أخوك أثمن من ثوبك وسيارتك.. أصلحه بالمداراة. القاعدة الذهبية تقول: «ارحم.. تُرحم»! كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول، بل ويتعامل أيضاً بما يقول: «مَن لا يرحم مَن في الأرض لا يرحمه مَن في السماء».. رحمة برحمة أوسع منها.. فالله تعالى يرحم من عباده الرحماء.. بل رحمته وسعت كلّ شيء وكلّ الناس: البرّ والفاجر.. ومن جميل ما عُبِّر عنه في ذلك، قول الشاعر: ارحم أخي عبادَ الله كلَّهم***وانظر إليهم بعينِ العطفِ والشفقة وقِّر كبيرَهم وارحم صغيرَهم***وراع في كلّ خلق وجهَ من خلَقه! لأنّنا أمهلنا قاعدة: العطف على الصغير واحترام الكبير.. نشبت العداوات بيننا!
|
|