اسم الكتاب: العنف والسلام
3 ـ الرفق واللين:
بطبعنا ـ كبشر ـ نميلُ إلى النسمة العذبة الليّنة الرخيّة.. ونهرب من الريح العاتية العاصفة التي تقتلع البيوت والأشجار.. ونأنس بماء النهر الوديع.. ونفرّ من هجوم الفيضان الكاسح الذي ينقضّ على الأرواح والممتلكات.. وبطبعنا أيضاً.. نُقبل على الكلمة الهادئة الهادية، الطيِّبة الحسنة، وننفر من الكلمات الخشنة الفظّة البذيئة التي تترك في النفس ندوباً وجروحاً وكسوراً.. ربّ كلمة لم يتورّع مطلقُها، ولم يحتط، ولم يتحسّب لنتائجها وآثارها.. أحدثت جروحاً نفسية عميقة.. قد لا تندمل.. يقول أحد الشعراء: لطِّف حديثَكَ فالنفوسُ مريضةٌ***ومن الكلام محنّنٌ ومجنّنُ! نحن دائماً نبحث عن «السرّ» في عظمة الشخصية العظيمة، وكيف استطاعت أن تجتذب قلوب الناس إليها.. هل سألت نفسَكَ عن السرّ في استقطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقلوب أصعب الناس.. القرآن يجيبك: (فبما رحمة من الله لنتَ لهم ولو كنتَ فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك ) (آل عمران/ 159). الرفق والترفّق، واللطف والتلطّف في القول والمعاملة «فنّ» يمكن اكتسابه.. وحريّ بي وبك وبكلّ واحد منّا أن يسعى للحصول عليه بالتمرين والممارسة لأنّ الرفق لم يوضع على شيء إلاّ زانه، ولم ينزع من شيء إلاّ شانه.. والله يعطي على الرفق ـ كما في الحديث ـ ما لا يعطي على غيره.. حتى قيل: «لو كان الرفق خلقاً يُرى، ما كان ممّا خلق الله عزّوجلّ شيء أحسن منه». أجملْ خلق الله الرفق.. فالله رفيق يحبّ الرفق.. وهو رشحة من رشحات الإيمان بالله.. وطهارة القلب.. وعلامة على حسن السلوك.. تأمّل في القاعدة النفسيّة ـ الاجتماعية التالية(()): «مَن كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس»! الرفق ـ وفق هذه القاعدة ـ مفتاح سحريّ تُفتح به العقول والقلوب على السواء.. ففي الأمثال: «الكلمة الليّنة تُخرج الحيّة من جُحرها».. وهي أيضاً التي تليّن القلوب القاسية.. وتحرِّك العقول الراكدة. جرّبنا العنف والخشونة والقسوة فأتت بنتائج سلبية وعكسيّة في أكثر الأحيان.. وبنتائج لا بأس بها في حالات محدودة. وجرّبنا اللطف والرفق والملاينة ـ في أغلب الأحيان ـ فكان التوفيق حليفنا في أغلب الأحيان.. انظر القاعدة التالية: «الرفق يؤدِّي إلى السلم». في عالم السياسة، قد يلجأ المتحاربان بعد عنف وقتال وخسائر إلى المفاوضات والحلول السلمية ليفضّا النزاع بينهما، في حين كان يمكن تفادي ذلك باعتماد (الحل السلميّ) وهو هنا (الرفق) لحقن الدماء في وقت مبكر.. وفي واقع الحياة.. المسألة لا تختلف، لذلك فليس اعتباطاً القول: «مَن لانَ عودُهُ كثُفت أغصانه». ومن وصايا لقمان الحكيم ومواعظه: «إنّ من الكلام ما هو أشدّ من الحجر، وأنفذ من وخز الأبر، وأمرّ من الصبر، وأحرّ من الجمر.. وإنّ من القلوب مزارع فازرع فيها الكلمة الطيِّبة، فإن لم تنبت كلّها ينبت بعضها»!
|
|