اسم الكتاب: العنف والسلام
4 ـ الحلم والصبر:
يُسمعك أحدهم كلمة جارحة.. ردّ الفعل الأوليّ.. ربّما يكون كلمة جارحة مماثلة أو أفظع منها.. على اعتبار: مَن عاب عيب.. ومَن شتم أُجيب.. ولكن.. إذا قدرت على ردّها بمثلها أو بأسوأ منها.. وسكت.. فأنت حليم. وقد يصفعك آخر فيغلي الدم في عروقك.. فإذا رددتها إليه فأنت غاضب.. وإذا عفوت فأنت حليم. «الحلم» تبريد وليس تصعيداً.. ترفّع وليس تنزّلاً.. بامكانك أن تفعل ولكنك لم تفعل.. هذه قدرة على ضبط الأعصاب من الانفلات، وهي تحتاج إلى ترويض.. نعم.. صعبة ولكن ليست مستحيلة بدليل وجود الحلماء بيننا.. المكافأة المجزية على الصبر والحلم ربّما كانت عاملاً مساعداً على الحلم أو التحلّم. «أولُ عوضِ الحليم عن حلمه أنّ الناس أنصارُه على الجاهل». هل المكافأة ليست مجزية؟ أتريد أكبر منها.. خذ عن نبيّك (صلى الله عليه وآله وسلم) : «مَن كظم غيضاً، وهو يستطيع أن ينفّذه، رعاهُ الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيِّره في أيّ الحور يشاء»!! مهرُ الحوريّة.. حلمُك.. قد يبدو غالياً.. لكنّها الحوريّة.. هي غالية أيضاً.. يقول حكيم وحليمٌ مجرّب(()): «وجدتُ الحلم والاحتمال أنصرَ لي من شجعان الرجال»!! ومن تجربته أيضاً: «مَن غاظك بقبح السفه عليك، فغظهُ بحسن الحلم عنه». هو.. يغيظك بالسفاهة والجهل والحمق.. وأنت.. تغيظه بالحلم والصبر والاحتمال.. فإذا شبّهنا (الإغاضة) بالصفعة فإن صفعتك أشدّ وأوجع، مع أنّك لم تبسط يدك إليه لتصفعه.. كان (الأحنف) كثير العفو والحلم.. وكان يقول: «ما آذاني أحد إلاّ أخذت في أمره باحدى ثلاث: إذا كان فوقي عرفتُ له فضله، وإن كان مثلي تفضّلتُ عليه، وإن كان دوني أكرمتُ نفسي عنه»! التفتْ إلى أسلوبه في التعامل مع الأصناف الثلاثة.. انّه يتعامل مع الكبير والمساوي والصغير بالعفو.. ويطفئ جمرة الأذى بالحلم. قال رجلٌ لرجل بعدما شتمه: إيّاك أعني! فأجابه: وعنك أعرض!! وفي ذلك يقول الشاعر: يخاطبني السفيهُ بكلّ قبح***وأكرهُ أن أكونَ له مُجيبا يزيدُ سفاهةً وأزيد حلماً***كعود زاده الإحراقُ طيبا(()) النفوسُ الكبيرة هي التي تعفو وتصفح عمّن أساء إليها.. هذا من شيمها وخصالها الحميدة.. وسبب من أسباب سموّها وإكبارها.. إنّها لا تقابل الثأر بالثأر.. والانتقام بالانتقام.. والإساءة بالإساءة.. لأنّها لا تريد أن تهبط إلى مستوى الحقد والكراهية، بل تتعالى إلى مستوى العفو والمغفرة والإحسان: (والكاظمين الغيظ والعافّين عن الناس والله يحبّ المحسنين )(آل عمران/ 134). يقع إبريق ماء من يد جارية على رأس الإمام علي بن الحسين (عليه السلام).. فترتعد فرائصها خوفاً من غضبه وعقابه.. فتسارع إلى القول: ـ (والكاظمين الغيظ ) فيسارع إلى الردّ: «كظمتُ غيطي»! وتردفُ: ـ (والعافّين عن الناس ) فيردفُ: «عفوتُ عنك» وتُكملُ له عذرها: (والله يحبّ المحسنين ). فيُكملُ لها لطفه: «إذهبي.. فأنت حرّة لوجه الله»!! قارن بين هذا الموقف.. وبين موقف التأنيب والتعنيف والتوبيخ وقطع الراتب والضرب ربّما.. ومع أنّ الصفح جميل بذاته وطبعه، إلاّ أنّ الله يصفه بالجميل لأنّ هناك صفحاً أقلٌ جمالاً وآخر أكثر جمالاً: (فاصفح الصفح الجميل ) (الحجر/ 85). فقد يكون صفح مع ملامة وعتاب.. أمّا الخالي منهما فهو الجميل.. أي العفو من غير معاتبة.. يقول أحد الشعراء: إنّ المسيء إذا جاريتُه أبداً***بفعله زدته في غيّه شططا العفوُ أحسنُ ما يُجزى المُسيءُ به***يُهنيهُ أو يريه أنّه سقطا! وتأمّل في الموازنة التالية: «لئن أندم على العفو خيرٌ من أن أندم على العقوبة»(). نَدَمان هما.. ولكن أيسرهما وأقلّهما الندم على العفو فيما إذا أضرّ العفو بالمعفوّ عنه فساء مرّة أخرى.. (المهاتما غاندي) صاحب مدرسة سلميّة اسمها «اللاّ عنف».. من مبادئه: «نحنُ لا نعادي الأشخاص، بل أخطاءهم» وهي نظرة اسلامية أيضاً، لأنّك إذا عاديت الآخر تعذّر عليك أن تهديه إلى الصواب. ومن مبادئ مدرسته أيضاً: «إذا قابلتَ الإساءة بالإساءة، فمتى تنتهي الإساءة ؟! ». اقطع دابرها إذاً من اللحظة الأولى.. السيِّد المسيح (عليه السلام) مثال التسامح وأنموذجه العالي.. يقول: «إذا قرّب أحدكم قربانه ليذبحه، فذكر نّ أخاه واجدٌ (غاضب) عليه فليترك قربانه، وليذهب إلى أخيه فليُرضه، ثمّ يرجع إلى قربانه». ماذا يعني هذا؟ الصلح خيرٌ من العبادة المجرّدة.. لأن غاية العبادة أن تسود العلاقات روح التفاهم والانسجام والمحبّة.. هذا في الدار المؤقتة.. أمّا في دار الاقامة الدائمة (الآخرة): «إذا وقف العباد نادى مناد: ليقم مَن أجره على الله (وهو أعظم الأجر لأنّه لم يحدّد ولا يعلمه إلاّ الله) وليدخل الجنّة. قيل: مَن ذا الذي أجرهُ على الله؟! قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : العافّون عن الناس»!!
|
|