اسم الكتاب: كيف نسـتثمر أوقات الفـراغ ؟
أهمّية الوقت :
لو بحثنا عن خير من يقيّم لنا الوقت ، هل نجد غير صانع الوقت نفسه وهو الله سبحانه وتعالى ؟! فهذا التقسيم الدقيق للثواني والدقائق والساعات والأيّام والأسابيع والشهور والسنوات هو أشبه شيء بألواح محروثة في حقل ، والفلاّح هو أنا وأنت ، وبقدر همّة كل فلاح يأتي المحصول ، وعند الحصاد يفرح الفلاح المجدّ النشيط، ويخسأ الفلاح الخامل البليد، ولذا جاء في الحديث: «الدُّنيا مزرعة الآخرة» ، فمن يزرع تفّاحاً يحصد تفّاحاً ، ومن يزرع بصلاً يحصد بصلاً ، ومن يزرع ورداً يجني ورداً ، ومن يزرع شوكاً يحصد شوكاً ، ومن يزرع الكسل يحصد الندامة . إنّ الله العزيز وهو يقسم بالفجر وبالعصر وبالنهار وبالليل، إنّما ليلفت أنظارنا إلى أنّ الشيء المقسوم به هو على غاية كبرى من الأهمّية ، فهذه المفردات المتعدّدة في قياس الزمن إن هي إلاّ أوان صغيرة ضمن إناء العمر الكبير ، وقد تودّعك اللحظة التي أنت فيها فتدخل في قائمة حسابك عملاً مدخراً ، وقد تفارقك لتقرض من ذلك الحساب ، وما يدرينا فقد يأتي يوم على أحدنا يردّنا فيه صاحب المصرف خاسئين خائبين أن لا شيء البتة في دفتر حسابنا ! يومها لا يكون البدء من جديد ممكناً ، لأنّ الفرصة تكون قد فاتت بل وماتت . فهل نرضى أن نعود مفلسين تقضمنا أنياب الملامة وتنهش فينا مخالبُ الحسرة والندامة ؟ أم ترانا نعمل على أن نضيف للرصيد رصيداً آخر عملاً بشعار «إدخر قرشك الأبيض ليومك الأسود» الذي يمكن أن يكون : إدخر عملك الصالح ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم . إنّنا لا نجد في القرآن تعبيراً عن أهمّية الوقت أبلغ من قوله تعالى : (ومَن يَعملُ مِثـقالَ ذرّة خيراً يَرَه * ومَن يَعمل مِثقالَ ذرّة شرّاً يَرَه ). ( الزلزلة / 7 ـ 8 ) فلو تساءلنا : كم هو مثقال الذرّة في ميزان الزمن ؟ هل هو الثانية أو أدنى منها ؟ أيّاً كان حسابُها فهي وحدة قياسية غاية في الصغر ، وهذا يعني أنّ في الصغير أو القليل من الخير الذي قد لا يكترث له أحدنا ، منجاة حينما يلفّ الناس الطوفان ، وأنّ في الصغير الضئيل من الشرّ ، مهلكة حيث ينجو المحسنون . إنّ الوقت هو نعمة الله الموهوبة للناس كلّهم ، وهو الصفحات البيضاء التي يكتبون فيها إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، وهم مسؤولون عن هذه النعمة يوم القيامة ، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتّى يُسأل عن خمس : عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وماذا عمل فيما علم» . والملاحظ هنا أنّ السؤال عن العمر يتكرّر مرّتين : عن العمر بصفة عامّة ، وعن الشباب بصفة خاصّة لما لمرحلة الشباب من أهمّية باعتبارها مرحلة البذل والعطاء . وحين يعلم التلميذ علم اليقين أنّ سؤالاً ما سيأتي ضمن أسئلة الامتحان القادم، فإنّه حتماً سيهيِّئ نفسه للإجابة عنه ، وإلاّ عُدّ مهملاً مضيّعاً لفرصة ثمينة لا تعوّض . السؤال ـ يوم القيامة ـ واضح وصريح وسيأتي في الامتحان لا محالة : عمرك فيما أفنيته ؟ وشبابك فيما أبليته ؟ سؤال متروك لكلّ واحد منّا الإجابة عليه .
|
|