منتدى الشباب

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الشّـباب تطلّع نحو المسؤوليّة


إنسان بلا مسؤوليات :

نقِّل بصرك في أرجاء هذا الكون الفسيح ..
هل ترى من شيء إلاّ وله مسؤولية أو عدّة مسؤوليات يمارسها ؟
الشمس والقمر مسؤولان عن إنارة الأرض والسّماء في النهار وفي اللّيل .. ولولا هذا السراج وهذا المصباح لغرق الكون في ظلام دامس مخيف .. ولهما أعمال أخرى ..
والليل والنهار مسؤولان في تعاقبهما عن هذا التقسيم الزمنيّ لليوم .. فنهارٌ للنشاط والمعاش وليلٌ للنوم والسبات ، ولولا هذا التنظيم الوقتي الدقيق لاختلّ نظام الحياة في نهار طويل لا ليل بعده ، أو ليل طويل لا نهار ينسلخ عنه .
وهذه النسائم التي تحلّق بأجنحتها الرخيّة هنا وهناك .. لو لم تهبّ علينا لتنقل لنا أنفاس الحياة .. لكنّا أصبنا بحالة اختناق لا نجاة منه .
وهذا الماء العذب الرقراق الذي يسيل أنهاراً وينابيع وعيوناً .. فيسقي الزرع ويروي عطش الإنسان والحيوان .. والبحر المالح الذي يحمل على صدره السفن الماخرة .. وفي بطنه تعيش ملايين الأسماك ..
وهذه الطيـور السـابحة في الجوّ .. والتي تدرج على الأرض .. والماشية والنحل والنملُ ، بل حتى الحيوانات المفترسة في الغابة .. كلّ له دوره ووظائفه .
فما بالك بالإنسان وهو أشرف هذه المخلوقات وأكرمها وأعظمها عند الله سبحانه وتعالى ؟
منذ بداية الخلق حدّد الله له مسؤوليته: (قالَ إنِّي جاعِل في الأرض خلِيفة )(1) . ومنذ ذلك الحين عرف الإنسان طبيعة مسـؤوليته : (إنّا عرضنا الأمانة على السّـموات والأرض والجِبال فأبين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الإنسان )(2) أي حمل مسؤولية إعمار الأرض وفقاً لإرادة الله الذي استخلفه .
الكون كلّه إذاً مسؤول .. من أصغر شيء حتى أكبر شيء فيه ، فلا تكاد ترى شيئاً إلاّ وله مسؤولية قد تكون معلومة بالنسبة لنا وقد لا تكون .. وإذا كانت الكائنـات الأخرى مسـيّرة لما خلقت له ، أي تمضي في القيام بواجباتها حسب نظام كوني قدّره الله لها ، فإنّ الكائن الوحيد المختار ذا الإرادة هو الإنسان.. إنّه ـ بحسب طبيعة خلقته أيضاً ـ عليه أن يعمل بمسؤولياته ، ويمكنه أيضاً أن يتخلّى عنها . وعلى حسب اختياره ـ عملاً وتخلياً ـ تترتب النتائج فوزاً وخسارة .
فلقد شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى أن تكون الحياة الدنيا ورشة عمل كبيرة ، وساحة سباق وتنافس في الخيرات (هو الّذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أ يّكم أحسن عملا )(3) . حتى إذا انتهت هذه الرحلة الأرضـية منذ أبينا آدم (عليه السلام) وحتى آخر مخلوق ، أقبلنا على الساحة الثانية (المحشر والقيامة) التي يعلو فيها النداء : (وقِفوهُم إنّهُم مَسؤولون )(4) .
هناك تتوالى الأسئلة : ماذا فعلتم بمسؤولياتكم ؟ هل أدّيتموها كما يجب ؟ لماذا أنجزتم بعضها وأهملتم البعض الآخر ؟ هل قمتم بها إبتغاء مرضاة الله أم لأغراض دنيوية وشخصية بحتة ؟ .. إلخ .
وبإختصار شديد ، فإنّ الله سبحانه وتعالى خلق كلّ مخلوق لغاية معيّنة ، ولمسؤولية معيّنة ، وقد هداه إلى كيفية ممارستها ضمن ما آتاه من إمكانات تتناسب وأداء هذه المسؤولية . ولا يوجد مخلوق على هذه الأرض لا يعرف ما هي المسؤولية أو المسؤوليات التي خُلِق من أجلها . فالكون الفسيح الذي يحيطنا في أرضه ومائه وسمائه مصمّم على أساس المسؤولية التي تهدف إلى خدمة الإنسان ، والإنسان مزوّد بطاقات مسـؤولة عن أعمار وإصلاح وازدهار هذا الكـون ، فلا عبث ولا سدى (أفحسـبتُم أنّما خلقناكم عبـثا )(5) ، (أحسب الإنسان أن يُترك سدى )(6) .
هل فكّرت مرّة بإنسان بلا مسؤوليات ؟ هل يمكن أن تتصوّر نفسك في حلّ من أيّة مسؤولية في الحياة ؟ كيف يكون شكل الحياة حينئذ ؟
إنّ حياة خالية من المسؤوليات هي أشبه شيء بمدرسة بلا وظائف وتكاليف ، لا يشعر فيها التلاميذ بأيّة التزامات ، كيف تسير عملية الدراسة فيها ؟ وكيف يمكن تحقيق النتائج المرجوّة ؟ كيف يمكن تمييز العامل من الخامل والمنتج من المتـقاعس ؟ فمـجرّد التفـكير بالحـياة الفارغة التي لا يجد فيها الإنسان إنسانيته من خلال كونه مسؤولاً يجعلنا نشعر بالدوار والعبث والفراغ الهائل ، لأ نّها تصبح عند ذاك حياة الغرائز المنفلتة .
انّك حين تعيش المسؤولية في البيت فإنّك تعيش الالتزام الأخلاقي إزاء الأسرة ، فللأب مسؤولياته تجاه أولاده وزوجته ، وللزوجة مسؤوليات إزاء زوجها وأولادها ، وللأولاد مسؤولياتهم إزاء الأبوين وإزاء بعضهم البعض، وإذا تحلّلنا من ذلك وتنصّلنا عنه تزعزعت أركان الأسرة
وتصدّعت ، فلا يعود هناك أب يهتم بشؤون أسرته ولا أُم ترعى مصالح أبنائها ، ولا أبناء يشعرون بوجوب الإحسان للوالدين .
عالم بلا مسؤوليات هو عالم مهدّد بالفساد والخراب وبالحروب الضارية وبالتنازع والفشل والخصومات التي لا حدود لها .. إنّه انهيار كلِّي شامل ، فمثل المسؤول كمثل ربّان السفينة إذا ترك سفينته في مهبّ الريح وبيد الأمواج المتصارعة فإنّه يكون قد أسلمها وأسلم ركّابها وحمولتها إلى الخطر الداهم والغرق المحقق .
ولذلك ، فإنّ من بين ملامح الجمال والحكمة في هذا العالم هي هذه المسؤوليات التي تناط بنا ، ونتنافس على أدائها بأفضل وجه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com