اسم الكتاب: الشّـباب تطلّع نحو المسؤوليّة
نماذج قرآنية :
على شاشـة القرآن الكريم ، يمكن مشـاهدة العديد من النماذج والعينات الشبابية التي عرفت مسؤوليتها بعمق وتحملتها بشرف ، فقدّمت بذلك المثال الذي يحتذى لكل شاب أو شابّة يريدان أن ينهضا بمسؤولياتهما في هذه الحياة . ففي عالم الأنبيـاء (عليهم السلام) نلتقي بـ (الفتى إبراهيم) في مرحلة تفتّح شبابه لنطالع وجهاً ينضح بالفتوّة ويطفح بالثقة ، هازئاً بما يعبد الآباء من الأصنام ، حتى أ نّه يغافل قومه المشركين فيحطّم أصنامهم بفؤوس أصنامهم ، وذلك عندما يعلّق الفأس التي كسّر بها الأصنام في رقبة الصنم الكبير ليجعله في موضع اتهام ومساءلة ، وقد عرف قومه ذلك من خلال مواقفه الهازئة المستخفّة بعبادة ما لا يضرّ ولا ينفع (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يُقال له إبراهيم )(11) . إنّ فتوة إبراهيم (عليه السلام) المسخّرة في إلفات نظر قومه إلى ضرورة عبادة الله الواحد الأحد ، سواء من خلال محاورة النجوم ، أو محاورة الحاكم الطاغية (نمرود) أو في دعوة أبيه إلى الهدى ، وصبره ومقاومته في تحمّل نتائج مسـؤوليته ، ترسـم لنا صـورة الفتـوّة الإبراهيمـية المسؤولة التي يراد لنا أن نقتدي بها (لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والّذين معه )(12) . ثمّ يطل علينا وجه الغـلام (إسماعيل) الذي شرب من نهر أبيه إبراهيم (عليه السلام) ماء الفتـوّة المطيعة لله سـبحانه وتعالى ، وكيف أبدى استعداداً عالياً للتضحية بنفسه من أجل تنفيذ إرادة الله سبحانه وتعالى، ثمّ وهو يساعد أباه في مهمّة بناء الكعبة المشرّفة . وعلى مثل هذه الفتـوّة المطيعـة لله ، المعـينة على البرِّ والإحسان (وصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب قال يا بني إنّ الله اصطفى لكم الدِّين فلا تموتنّ إلاّ وأنتم مسلمون )(13) . ويشرق على شاشة القرآن وجه الفتى (داود) الذي يوظّف فتوّته اليافعة في مقاومة الظالمين وإدهاشهم بالروح الاستشهادية من أجل الحقّ . وأمّا فتوّة الشاب الجميل النبيل (يوسف) (عليه السلام) فكانت مسؤولة عن ضرب المثل الرائع للشاب العفيف الذي يربأ بنفسـه أن يقع في أحضان الرذيلة ، والشاب الذي يمارس الدعوة إلى توحيد الله حتى وهو في السجن . وتتجلّى فتوّة (موسى) (عليه السلام) في استقامته على الإيمان رغم أ نّه نشأ وترعرع في الأجواء الكافرة ، وفي (مدين) حينما يسقي للفتاتين بكلّ شهامة وحياء إيماني ، وفيما يجابه من غطرسة فرعون وجبروته . ثمّ يطلّ علينا وجه الفتى (عيسى) (عليه السلام) برّاً بوالدته ولم يكن جباراً عصياً ، فلقد حمل مسؤوليته منذ نعومة أظفاره في رسم منهج أخلاقي لقومه يربطهم من خلاله بعبادة الله تعالى وحده . وأمّا (محمّد) (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّنا لم نقرأ في القرآن شيئاً عن مسؤولياته في شبابه ، ولكنّنا عرفنا من خلال سيرته المطهّرة كيف أ نّه كان ينصرف عن الترّهات والخرافات والأوهام ليتعبّد في (غار حراء) .. وكيف بنى شخصيته التي اتسمت بالصدق وطبعت بالأمانة حتى صارت مضرب الأمثال بين قريش . وعلى غير صعيد الأنبياء (عليهم السلام) يطالعنا على الشاشة القرآنية ، التي تعرض لنا صوراً عن الفتوّة المسؤولة ، (الفتية أصحاب الكهف) الذين شعروا أن مسؤوليتهم هي في اجتناب التعامل مع الحاكم الظالم ، وعدم الانخراط في مشاريعه الإفسادية . وتتألق صورة الشابة المسؤولة (مريم بنت عمران) (عليها السلام) في مثل أعلى من الحياء والعفاف والصون والعبادة يحـتذى ، و (أخت موسى) التي تلعب دوراً مسؤولاً في إنقاذ أخيها من الموت جوعاً بعدما حرّم الله عليه المراضع ، والعمل على إنفاذ وعد الله لأمِّه في عودته سالماً كي تقرّ به عيناً . هذه المشاهد القرآنية للشباب المسؤول تريد أن تقول : الأنبياء (عليهم السلام) والمؤمنون كانوا جميعاً مسـؤولين في شبابهم .. وهم قدوات وأسوات حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .. فخذوا من شبابهم لشبابكم .. ومن عطائهم لعطائكم .. إن كنتم تريدون معرفة : ما هي المسؤولية في الإسلام ؟!
|
|