اسم الكتاب: الشّـباب تطلّع نحو المسؤوليّة
4 ـ مسؤولية العلم والمعرفة :
كان العلم والمعرفة منذ البدء وسيبقيان سلاحين في معركة الإنسان ضدّ الجهل والكـفر والتخلّـف .. فالفرق كبـير بين (مَن يعلم) و (مَن لا يعلم) .. الأوّل في نور والثاني في ظلمات .. الأوّل قوي والثاني ضعيف .. الأوّل غني والثاني معدم . والعلم والمعرفة ليسا مجرّد عملية تخزين أو تكديس للمعلومات ، فالمعرفة في الإسلام مسؤولية «من عرف دلته معرفته على العمل» . ومن هنا فلا بدّ من العمل على تنويع وتوظيف معارفنا وعلومنا في خدمة أمّتنا والإنسانية كلّها . والعلم والمعرفة ليسا قراءة في الكتب فقط ، وإنّما هما تأمّل وتفكّر وتجريب ، ولا يعني ذلك الإعراض عن قراءة الكتب والتزوّد بزادها الذي يمثِّل تراث الأجيال وملكيتها الفكرية المشتركة . ثمّ أنّ مسؤولية المعرفة هي أن تكون حائزاً على قسط وافر منها ، وأن تعمل على نشرها بين الناس ، ولذا قيل : «زكاة العلم أن تعلِّمه مَن لا يعلمه» فلا تخشى نفاداً أو شحة ، فالعلم من الأرصدة التي لا تنتهي بل تزيد مع الإنفاق «العلم يزكو على الإنفاق» . ومسؤولية العلم لا تجوّز لك أن تكتم علمك أو تحجبه أو تخفيه عمّن هم بحاجة إليه فذلك أخطر من أن تحتكر غذاء ، ذلك أنّ العلم الذي حصلت عليه بالدراسة ، أو من خلال تجارب الحياة الواسـعة ، أو بالمساعي الشخصية من خلال تنمية المواهب والمهارات هو مسؤوليتك أمام الله : هل أعطيته لمن يحتاجه ؟ هل جعلته في طريق الدمار والتخريب ؟ هل سخرته في المصالح الحيوية النافعة التي تغني الحياة وتطورها ؟ هل أودعته في صناديق مقفلة ؟ ... إلخ . إنّ العلم للجميع ومن بخل بعلمه سلبه الله إيّاه . وفي عصر موصوف بأ نّه (عصر العلم) نحتاج إلى معرفة الكثير مما يبحثه وينتجه هذا العلم «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس» . وأن نربط عجلة المعهد أو الجامعة بحركة المجتمع ، فعربة الحياة لا تسير إلاّ بهذين الحصانين ، وأن نتعلم أوليات وأسس البحث العلمي والتخصص في مجالاته المتنوعة ، ذلك أنّ المسؤولية الشرعية تقتضي أن يكون لدى المسلمين الكم الكافي من الطاقات والاختصاصات التي تسد حاجات المسلمين في شؤون العلم والمعرفة كلّها ((17)) . إنّ مسؤولية العلم تتطلب كذلك عدم الإستسلام للواقع العلمي الموجود فلا يصح أن نراه نهائياً أو على غاية من الكمال ، بل علينا أن نعمل كشباب ـ كل حسب طاقته ـ على مزيد من الابتكار والابداع والتجديد ، فكما لغيرنا عقول تفكر وتتأمل وتنتج ، فإن لنا عقولنا التي تفعل ذلك أيضاً ، فليست عقول الآخرين من ذهب وعقولنا من حديد أو أن عقولهم من حديد وعقولنا من تراب ، إلاّ انّ ذلك لا يكون إلاّ من خلال منهج في التفكير يعتمد السؤال والاستشارة والتنافس والحوار ، وشمولية في التفكير بأن نلم بالموضوع من جوانبه كلّها ، ولا يتناقض ذلك مع التركيز في البحث على مشكلة محددة حتى لا نضيع في شعاب البحـث . ولا بدّ أيضاً من تربية الحس النقـدي الذي يرفض الخطأ والباطل والانحراف والتحريف من أيّة جهة صدر . مسؤوليتنا العلمية تقتضي أيضاً الاسـتزادة من المعارف القديمة والعـصرية (وقُل ربِّ زدني علماً )(18) . فالقوي اليوم هو الأكثر علماً ، والمؤمن القوي هو المؤمن العالم العامل ، وهو بالتأكيد خير من مائة مؤمن ضعيف . على أن هذه المسؤولية تتطلب اجتناب الغرور العلمي الذي يصد عن اكتساب المزيد من المعرفة «الإعجاب يمنع الازدياد» ، واجتناب الترف الفكري وهو العلم الذي لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه ، وتجاوز حالة التناقض الفكري بين ما هو أصيل وما هو دخيل ، والانفصام بين العلم والعمل . وان تساهم بما حباك الله من طاقات عقلية باضافة ولو لبنة واحدة في بناء الحضارة الإسلامية .
|
|