اسم الكتاب: العلاقة مع الجنس الآخر
التبكير في الزواج وتأخيره :
لا شكّ أنّ الزواج البكر ـ إذا توافرت إمكاناته ـ نافع في حماية الشاب والفتاة من الانحراف والقلق النفسي ، فهو يحضنهما من الكثير من المزالق والمخالفات الشرعية . فقد ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أيّما شاب تزوّج في حداثة سنّه بحّح الشيطان : يا وَلِه عصم منِّي دينه» . وعن علي (عليه السلام) قال : «لم يكن أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يتزوّج إلاّ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كمل دينه» . وكلمة «كمل دينه» تعني أنّ الزواج بما يوفّر له من استقرار نفسي سيعينه في الحفاظ على سلامة أخلاقه وعفافه ، وهل الدين إلاّ الأخلاق ؟ . لكن ظروف الحياة اليوم وما دخل في أعراف الناس وتقاليدهم عقّد مسألة الزواج ، وهي من المسائل التي لا ينبغي فيها التعقيد ، لدرجة تعذر الزواج المبكر نتيجة لتكاليف الزواج الباهضة وارتفاع المهور والحفلات الباذخة والموائد العاقرة والأثاث الفخم وما إلى ذلك مما يراد به وجه الناس وكسب إعجابهم ، وكم أثقل ذلك كاهل العروسين الشابين ، وربّما أغرقهما في ديـون يعانيان من مشكلة تسديدها وهما في مستهل حياتهما الزوجية . فلقد أصمّ الناس أسماعهم عن قول رسـول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «أفضل نساء أمّتي أحسـنهنّ وجهاً وأقلّهـنّ مهـراً» . وجاء أيضاً : «خير الصداق((11)) أيسره» ، وكذلك : «وشؤم المرأة كثرة مهرها» . وتواجه الشباب أيضاً مشكلة تأخير الزواج حين استكمال الشروط اللازمة ، والمقصود بالشروط اللازمة تهيئة البيت والمورد المالي المناسب والسيارة والأثاث الفخم والكثير من الكماليات التي تعسّر ولا تيسّر ، بالاضافة إلى توقير المهر الغالي ، الأمر الذي يجعل الكثير من الشباب يصرفـون النظر عن الزواج مكرهين تحت هذا الوضع الاجتماعي الضاغط الذي ما أنزل الله به من سلطان . فلقد تسبب ذلك في معاناة الحرمان والكبت وممارسـة العادات الضارّة ، بل وأثر على مستوى عطاء الشباب الذي ينفق الكثير من عمره في تأمين احتياجات بيت الزوجية . وكم خلق تأخير الزواج من مشكلات بالنسبة للفتيات الراغبات في الزواج فيما يرفض أولياء أمورهنّ تزويجهنّ لأسباب بعضها واه لا يستند إلى حجّة أو دليل شرعي ولا قناعة عقلية . وكم أدّى ذلك إلى عنوسة مؤذية لمشاعر الفتاة وأحاسيسها ، وربّما حرمها فرص الزواج حتى آخر العمر . وبالرغم من أنّ تجربة الزواج الجماعي آتت ثمارها الطيِّـبة في تقليص نفقات الزواج ، والقضاء على مظاهر التفاخر والأبّهة ، إلاّ أ نّها لم تأخذ بعد صورة الحلّ لمشكلة زواج الشباب والفتيات في العديد من المجتمعات التي تعيش غلاء المهور والسكن والبذخ المترف ومراعاة ما يقوله الناس عن حجم تكاليف هذا العرس أو ذاك . كما أنّ صناديق الزواج الخيري ، كانت قد حلّت بعض المشكلات في تحويل المتزوجين من الشباب ، لكنّها ما زالت عاجزة عن تغطية الحاجة المتزايدة للراغبين في الزواج لحفظ فروجهم من الحرام وشخصياتهم الفتية من الانحراف . إنّ إشاعة ثقافة الانفاق في سبيل الله في غير الموارد التقليدية من بناء المساجد أو تكرار الحج والعمرة وما إلى ذلك يمكن أن يوفِّر دعماً إضافياً لتلك الصناديق وأجراً أعظم عند الله سبحانه وتعالى ، إذ «ما بُنيَ بناء في الاسلام أفضل من التزويج» . إنّ كفالة اليتـيم حتى يبلغ أشدّه ، واطالب المعوز لحين إكمال دراسته ، حري بها أن تتسع لتصبح تقليداً في موضوع التزويج أيضاً . هذا فضلاً عن الحاجة الماسّة إلى استحداث بنوك خاصّة بالشباب تقدّم لهم السلف التي تساعدهم في مشاريع الزواج وتسمح لهم بتسديدها بالتقسيط المريح الذي لا يثقل كواهلهم . إنّ تعقيد ظروف الزواج وتأخيره كثيراً ما أدّى إلى اللواط والسحاق والعادة السرية وربّما إلى الجرائم الجنسية ، وكم تسبب في أمراض الزهوي والإيدز والسفلس ناهيك عن المشاكل والعقد النفسية التي تعجز عيادات الطب النفسي عن إيجاد حلول مناسبة لها . يقول (ديل ديورانت) صاحب كتاب (قصّة المضابرة) : «إنّ تأخير الزواج ملأ مدننا بالرجال والنساء الذين يفضّلون استبدال واجبات الأبوة والأمومة والعائلة بالمثيرات الشهوانية . إنّ مصدر الانحرافات في أخلاقنا هو تأخير الزواج في المجتمعات الحالية» .
|
|