قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: العلاقة مع الجنس الآخر
وسائل الإغراء :
قصة يوسف ليست مجرد قصّة تأريخية وقعت مرّة واحدة وانتهى الأمر .. نعم ، هي قصة لها ظروفها وملابساتها الخاصّة ، لكنّ فحواها يتكرّر .. فكم من فتاة أغوت فتى ، وكم من شابّة استدرجت شابّاً ، وكم من إمرأة أوقعت رجلاً في شباكها؟ فمنهم من لبّى واستجاب فحصه الإثم والعذاب ، ومنهم من خاف مقـام ربّه ونهى النفس عن الهوى . ولقد ورد في بعض الأحاديث أنّ من بين من يظلّهم الله في عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه شاب دعته امرأة إلى ارتكاب الفاحشة فأبى واستعصم . هنا ، نحن أمام حالة الإغراء التي تواجه الشبان في حياة تكثر فيها صور الإغراء وتتسع مساحته . وهناك من يقول ـ كما هو رأي بعض الغربيين ـ «أفضل طريقة لمواجهة الإغراء هو أن تستجيب له» على طريقة ذلك الشاعر الذي يقول : دعْ عنك لومي فإنّ اللوم إغراءُ***وداوني بالتي كانت هي الداءُ وهي نظرة ماديـة بحـتة تقـول لك بالجائـع : كل كلّ شيء حتى الممنوع ، ولك بـ العطشان اشرب كلّ شيء حتى المحرّم ، فهي تعلِّمه كيف يستجيب لشهوته دون النظر إلى الوسيلة التي تشبع بها تلك الشهوة ، ودون حساب لما يترتب على انكبابه وتهافته على شهواته من تحطّم شـخصيته وانسحاق إرادته أمام اللذّة . جاء في الحديث الشريف : «لا ينبغي أن يكون للمؤمن حاجة تذلّه» . يوسف (عليه السلام) يقول لنا كشباب : إنّ مواجهة الإغراء صعبة لا يفلت من قبضتها إلاّ مَن بنى شخصيته الإيمانية بناءً واعياً ورصيناً بحيث يتدبّر عاقبة الأمر فإن كان رشداً أمضاه وإن كان غياً انتهى عنه . ولم يكن الله سبحانه وتعالى ليطلب منها أن نتأسّى بيوسف لو كان التأسّي به مستحيلاً (لا يكلّف اللهُ نفساً إلاّ وسعها )(19) . فكيف إذاً نواجه الإغراء ؟ المواجهة تتمّ بأحد أمرين : الابتعاد ـ مهما أمكن ـ عن الأجواء المشحونة بالإغواء ، المغرية بالمعصية ، المشجّعة على الوقوع في مستنقع الرذيلة . ورد في الحديث : «الشبهات حمى الله ومن حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه» . وإذا حاصرتنا تلك الأجواء ، فإنّنا نهرب منها إلى الله فهو ملاذنا الآخر ، تماماً كما فعل يوسـف (عليه السلام) . والهروب إلى الله يتمّ بمعرفته ومخافته وطاعته ورجائه والثقة به والتوكل عليه . فـ (يوسف) هذا الشاب (ولمّا بلغ أشدّه )(20) والأشدّ استكمال القوّة الجسدية والعقيلة ، يواجه الإغراء المحموم في سنّ تفتح غريزته وشهوته باللجوء إلى الله (لولا أن رأى برهان ربّه )(21) بتدبّر عاقبة الأقدام على الفحشاء (إنّ الّذين اتّقوا إذا مسّهم طائف من الشّيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون )(22) . فالمؤمن الصادق الإيمان قد ترتسم غشـاوة ما على عينيه لكنّه بخلاف غيره من المستجيبين استجابة عمياء بلا غراء ونداء المعصية ، سرعان ما يزيح تلك الغشـاوة عن عينيـه ليعود بصره حادّاً يرى الأشياء بأحجامها رؤية واضحة . واللجوء إلى الله في مثل هذه المواقف لجوء إلى ركن وثيق (كذلك لنصرف عنه السُّوء والفحشاء )(23) . وهذا كلّه يجري ضمن معادلة (إنّ الله لا يغيِّر ما بقوم حتّى يغيِّروا ما بأنفسهم )(24) . ابتعد عن الفحشاء والمنكر متراً يبعدك الله عنه ميلاً .. صن نفسك من الحرام في لحظة الإغراء ، يزيد الله في صبرك وصلابتك ومقاومتك وممانعتك بما لا تحتسب به .. إهرب إليه يحتضنك ويرعاك .. استعن به في المواقف الحرجة يمددك بعونه ولطفه .. إتّقه يجعل لك مخرجاً . ولهذا يرى بعض المفسِّرين لقوله تعالى (لنصرف عنه السُّوء ) أنّ الصرف عن السُّـوء والفحشـاء ليس أمراً بعـيداً عن حرِّيّة الإرادة والاختيار . فالله تعالى لم يجد (يوسف) على الابتعاد عن المعصية . بل أشار أمامه الأفكار التي تبعده عنها بشكل تلقائي ، وهي الالتزام بشريعته والانسجام مع خطوط هذه الشريعة . وثمة سـؤال مهم : لماذا فضّل (يوسـف) السجن على ارتكاب الفاحشة (ربّ السجن أحبّ إليَّ ممّا يدعونني إليه )(25) ؟ إنّ ارتكاب الفاحشة ، والاستجابة للإغراء ، وممارسة الجنس بشكل محرّم ، يمكن أن يمثّل عنه بعض الشبّان والفتياة نوعاً من أنواع الحرِّيّة . والسجن كما هو معروف حجز وحجب لتلك الحرِّيّة . لكنّ (يوسف) كما يرى بعض المفسِّرين يوازن بين حرِّيّة الجسد في خط الشيطان وحرِّيّة الروح في خط الرحمن ، فيختار الثانية لأ نّها أحبّ إليه، بما يحمل في داخله من معرفة بالله وبالشيطان، وبالحلال وبالحرام ، وبالاستقامة وبالانحراف . متى يكون (السجن) أحبّ إلينا من (الحرِّيّة) ؟ عندما تأسرنا الحرِّيّة لتحيلنا إلى عبيد لشهواتنا المحرّمة وغرائزنا المنفلتة ونزواتنا الطائشة ، وإذ ذاك لا تكون حرِّيّة وإنّما قيد يكبّلنا ويشلّ إرادتنا ويسحق شخصيتنا بأقدام الذلّ . ورد في الحديث : «فوّض الله للمؤمن أموره كلّها إلاّ أن يكون ذليلاً» . وباختصار ، فإنّ المقاومة للإغراء لا تأتي إلاّ من خلال بناء متين للمحتوى الداخلي لشخصية الشاب أو الفتاة ، أي أ نّها تأتي نتيجة خطة تربوية إيمانية متكاملة . فعملية الرفض كانت دائماً نتاج روح عتيدة وأبيّه يراقب فيها العبد ربّه ، ويتمرّد معها على النوازع الذاتية ، والعوامل الخارجـية التي تريد أن تحرفـه عن الخط المستقيم . (إنّ الشـيطان لكم عدوّ فاتّخذوه عـدوّا )(26) . (إن كيد الشيطان كان ضـعيفا )(27) . (لا تتبعوا خطوات الشـيطان فإنّه يأمر بالحفشـاء والمنكر )(28) . (إنّ الشيطان للإنسان عدوّ مبين )(29) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|