قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: مفاتيـح الأمـل
ما هو الأمل ؟
يتآمر إخوته على إلقائه في البئر .. ويدّعون أنّ الذئب قد أكله .. ويأتون بقميصه المدمّى ـ وهم يبكون ـ ليوهموا أباه أ نّه قد مات . ذلك هو يوسـف (عليه السلام) .. وأولاء هم إخوته .. لكنّ الأب (يعقوب) بقي يعيش الثقـة برحمة الله ، وأ نّه سيجمعه به ذات يوم حتى ولو كان بعيداً . ويقترع القوم على إلقاء أحدهم في البحر ، فتقع القرعة على يونس (عليه السلام) فيلتقمه الحوت .. وهذا يعني النهاية المحتومة .. لكنّ يونس (عليه السلام)يلبث في بطن الحوت مسبّحاً ، متطلعاً إلى رحمة الله . ويدعو نوح (عليه السلام) قومه ، وهم لا يرحّبون بدعوته ، بل يقفون منها موقفاً سلبياً معانداً ورافضاً .. يشـيحون بوجوههم عنه .. ويغلقـون نوافذ أسماعهم عن كلماته ، ورغم أ نّه لم يدخر وسعاً في دعوتهم إلى الخير والصلاح ليلاً ونهاراً ، لكنّ المستجيبين لدعوته لم يكونوا سوى نفر قليل . ومع ذلك فإنّه بقي (950) سنة يمارس دعوته إلى الله ، وقومه جفاة معرضون عنه ، كان كمن يزرع في أرض سبخة ! وتجتمع قريش على حرب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) محاربة نفسية وبدنية لثنيه عن دعوته ، فلا يدعون أذىً إلاّ ويلحقونه به حتى قال : «ما أوذي نبيّ مثلما أوذيت» . لقد رمـوه بأمعاء البعـير وفضلات الحـيوانات والرماد ، وأغروا صبيانهم به فرجموه بالحجارة وألقوا الشوك في طريقه .. وتأتي ابنته فاطمة لتزيح ذلك عنه وتطبّب جراحه وكلّها ألم وشفقة وتساؤل عن نصر الله ، فيرى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في عينيها حزنها عليه .. فيبتسم لها بثقة المطمئن ويقول : «إنّ الله ناصرٌ أباكِ» ! ويُهزمُ قائدٌ في معركة .. فينتبذُ مكاناً قصيّاً .. وفيما هو مهمومٌ مغموم منشغل بالتفكير في الانسحاب من المعركة ، يرى نملة تحملُ قشرة لحبّة شعير .. فيسقط عن ظهرها ، وتعود لتحمله .. ويسقط وتعاود الكرّة .. وهكذا مراراً حتى أوصلته إلى مسكنها .. فبعثت تلك اللقطة في نفسه المنكمشة حرارة جديدة ، فاندفع ليقاتل ببسالة . ويفشل طالب في هضم دروسه واستيعابها ، فيخرج إلى أحضان الطبيعة يطارحها همومه .. وبينما هو جالس بالقرب من صخرة ، لفتت نظره قطرات من الماء تتساقط على تلك الصخرة قطرة فقطرة .. وإذا بموضع سقوط القطرات محفور .. فتساءل في نفسه : إذا كانت قطرة الماء تفعل هذا في الصخر ، فما بال ذهني الذي هو ليس بصخر .. لم لا يفهم العلم ويستوعبه ؟! وعاد أدراجه مصمّماً على أن يركِّز جهـوده أكثر فأكثر على طلب العلم واسـتيعابه أنّى كانت درجة صعوبته . فكان له ما أراد .. وإذا بالأيام تسلس له قيادها ، فيصبح عالماً مشهوراً ((1)) . وربّما يخرج شاب من بين الأنقاض بعد أن يكون زلزال مدمِّر قد أتى على بيته وأهله فلم يبق منهم سـواه ، ولم يبق له في دنياه سوى الرجاء أن يعـيد بناء ما هدّمـه الزلزال ، فينطلق بروح مثابرة ليعمل ويعمل ويعمل ، وإذا به بعـد حين من الدهـر تاجر مرموق يُشار له بالبنان . إنّ يعقوب (عليه السلام) في المثال الأوّل ، وهو يعيش حقيقة الإيمان لم ييأس من فقد ولده يوسف (عليه السلام) . ولم يفقد الثقة بالله بفقده ، بل بقي متعلقاً بحبال الأمل حتى آخر لحظة ، وذلك عندما دعا أولاده أن يذهبوا فيتحسسوا من يوسف وأخيه الذي اختفى هو الآخر عن أنظاره . لقد حثّهم على البحث عن المفقودَين من خلال الإيمان برحمة الله ولطفه (يا بَنيّ اذهبوا فتحسّسوا مِن يوسف وأخيه ولا تيأسوا مِن روح الله إنّه لا ييأس مِن روحِ اللهِ إلاّ القوم الكافرون )(2) . فرغم انعدام مؤشرات الأمل الظاهرية ، لكنّ غرسة الرجاء في قلب يعقوب لم تمت ، فلقد بقيت خضراء يانعة يسقيها بالثقة برحمة الله التي تدرك العبد في أحرج الأوقات وأصعبها . وفي المثال الثاني ، فإنّ بطن الحوت ظلمة ، وأعماق البحر ظُلمة ، والشعور أ نّها النهاية ظُلمة .. فهي ظلمات بعضها فوق بعض .. لكنّ يونس (عليه السلام) يتلمّس خيوط النور في خضم تلك الظلمة ، فلا يزايله شعور أنّ رحمة الله التي وسعت كلّ شيء ، والموجودة في كلّ مكان في بطن الأرض أو بطن الحـوت ، سـتدركه لا محالة .. فراح يسـبِّح الله ويذكره حتى فتح الله له باب الأمل ليلقيه الحوت على ساحل البحر سالماً معافى من كلّ سوء أو أذى . وأمّا في قصّة نوح (عليه السلام) ، فإنّ السؤال الذي يطرح نفسـه فيها هو : ما الذي جعل هذا النبيّ يتحمّل كلّ هذا الصبر والعناء والجفاء طوال هذه المدّة القياسية ؟! ما الذي يغري مزارعاً بأرض بور سبخة لا تنبت زرعاً ولا مرعى ؟ ما الذي يجعله يواصل زراعتها وسقايتها ورعايتها وهي عاقر لا تنجب ، وجامدة لا تتحرّك ؟! ليس سوى أمله في أ نّها قد تخصب ذات يوم . ورغم الأذى الذي لقيه النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أ نّه كان يرى من بين ركام الدم وفضلات الأحشاء ووخزات الشوك وذرّ الرماد نوراً يخطف الأبصار ، مثلما أ نّه كان يرى شرارات ذلك النور تتصاعد من الصخور التي تتفتت تحت ضربات معاول أصحابه الذين كانوا يحفرون الخندق في المـعركة التي حملت هذا الإسم ، وكان يقول لهم : إنِّي أرى قصور كسرى وقيصر تتهاوى ! لم يكن يعلّق بصره على اللحظة الراهنة ، وهي قد لا توحي إلاّ بالمرارة والألم .. كان يرميه بعيداً خارج دائرة تلك اللحظة «إنّ الله ناصرٌ أباك» . ويوم جاء نصرُ الله والفتح ، ورأينا الناس يدخلـون في دين الله أفواجا ، عرفنا كم كان أمل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بمستقبل دعوته عظيماً ؟ ولو كان القائدُ المنهزم في المعركة قد استسلم لهزيمته ، واعتبر أنّ الحرب هي معركة واحدة ، إمّا أن يكسبها أو يخسرها ، فإذا خسرها فإنّه يكون قد خسر الحرب كلّها ، وبذلك يكون قد أعان عدوّه على نفسـه بهزيمتين : مادية ، وهي الانكسار في المـيدان ، ونفسـية ، وهي الانسحاب من الميدان . لكنّ درس النملة كان بليغاً .. فليس العظيم الذي لا يسقط أبداً ، بل العظيم الذي إذا سقط نهض مرّة أخرى . ولو سلّم ذلك الطالب الثقيل الفهم بصعوبات الدرس والدراسة لبقي يراوح مكانه ، بل وربّما تراجع إلى الخلف ، لكنّ قطرة الماء التي تركت في الصخرة أثراً علّمته أنّ الأثر المحفور لم يأتِ من محاولة واحدة ، بل من عدّة محاولات ، الأمر الذي غرس في داخله شعوراً بالأمل راح يضيء طريقه حتى بلغ أعلى الدرجات . ولو بقي ذلك الشـابّ المنكوب يبكي على الأطلال .. هل كان بإمكانه أن يعيد ميتاً من أهله إلى الحياة ؟ هل كان يمكن أن يعيد بناء ما تهدّم بالرثاء والبكاء وندب الحظّ ؟! لقد نهض من بين الانقاض وأمل ينبض في داخله أنّ حياة جديدة قد كتبت له، فلِمَ يحرقها بنار الآهات والزفرات على ما مضى؟ لِمَ يتركها تعيش تحت الأنقاض النفسـية بعدما خرجـت ناجية من الأنقاض المادّية ؟! وأنت نفسك جرّبت فيما عشت من حياة أنّ الانتكاسة قد تقعدك عن محاولة أخرى جـديدة ، لكنّ الوقوف على قدميك مرّة أخرى ، والاتكاء على عكّازة الأمل والثقة بما يمكن أن تفتح لك الأيام المقبلة من أبواب ، جعلك تنسى آلام الانتكاسة ، وتعيش آمال الانطلاقة والانبعاثة من جديد . يقول أحد الرياضيين : إنّي أحاول أن أفوز بالمـباراة ، وأن أكون الأوّل بين المتنافسين ، لكنني إذا لم أحقّق ذلك ، فعلى الأقل أكون قد ربحت المحاولة ! وعلى مستوى الشعوب ، فلو أنّ اليابان التي حوّلتها الحرب العالمية الثانية إلى أنقاض وحطام ، بقيت تحت حطامها ، تلعن الذين أوصلوها إلى الحضيض ، هل كانت حظيت بالسّمعة التي أطبقت الآفاق ؟ إنّ شيئاً واحداً يمكن أن يقضي على آمالنا فلا تعود تتحرّك في محاولة جديدة ، إنّه (الموت) . وما عدا ذلك ، فليس هناك سلاح مهما كان فتّاكاً يمكن أن يطفئ جذوة الأمل في نفوسنا ، فظلام العالم كلّه لا يستطيع أن يقف بوجه شمعة واحدة ليطفئها . في معاجم اللّغة : الأمل هو الرجاء ، وأكثر اسـتعماله فيما يُستبعد حصوله ، وأمّله : رجاه وترقّبه . وعلى العكس من الأمـل ، اليأس ، فيئس منه يعني انقطع أملـه ، وانتفى طمعه فيه فهو يائس . فلو تأمّلت في كلمة (فيما يستبعد حصوله) لرأيت أنّ الأمل ليس هو الأماني التي لا رصـيد لها ، ولذلك وصف التمنّي بأ نّه رأس مال المفلس ، وإنّما الأمل هو استعداد لبذل الجهد من أجل حصول شيء ، وشعورٌ يلازم ذلك أنّ مَن سارَ على الدرب وصل ، وذلك ما عبّر عنه الشاعر بقوله : مَنْ رامَ وصلَ الشّمس حاكَ خيوطها***سبباً إلى آماله وتعلّقا أي أنّ صاحب الأمل الذي يريد بلوغ الشمس ـ وهي كناية عن الآمال العريضـة والأهداف الكبـيرة ـ قادرٌ على ذلك إن أراد ذلك ، وهذا المعنى مستوحى من الحديث الشريف : «لو تعلّقت همّة أحدكم بالثريا لنالها» والثريا نجم في أعالي السماء . وقد ميّز الإمام جعفر الصـادق (عليه السلام) بين (الآمال) وبين (الأماني) فقد قيل له : «قوم يعملون بالمعاصي ويقولون نرجو فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت ، فقال : هؤلاء قوم يترجّحون في الأماني ، كذبوا .. ليسوا براجين، إنّ مَن رجا شيئاً طلبه ومَن خاف من شيء هرب منه» . وانظر إلى قوله : «إنّ مَن رجا شيئاً طلبه» .. فالأمل عمل .. وليس كسلاً أو تواكلاً أو أماني مجنّحة أو مجرّدة . لذلك فإنّ يعقوب (عليه السلام) الذي كان يعيش الأمل بأصدق معانيه لم يقل لأولاده : إنّ أملي بعودة يوسف وطيد، وسوف يأتي حتى ولو لم أبحث عنه، بل قال: (اذهبوا فتحسّسوا ) والذهاب والتحسّس ـ كما هو معلوم ـ حركة وفعل وجهد وتنقيب . وحتى يونس (عليه السلام) الذي لم يكن أمامه أيّ مجال للحركة ، فهو محاصر في بطن الحوت والظلمة والموت المحقّق ، إلاّ أ نّه قام بحركة وجدانية ـ إذا صحّ التعبير ـ فكان يسبّح طيلة الوقت ضارعاً إلى الله بالنجاة ، ولذلك قال تعالى : (فلولا أ نّه كان من المسبّحين ، للبث في بطنه إلى يوم يبعثون )(3) . فليس صحيحاً أنّ «الأمل خبز البؤساء» وإنّما هو خبز الأقوياء العاملين ، أمّا خبز البؤساء فقد يكون التمنّي . ولو عدنا إلى معنى اليأس كمفهوم مضاد للأمـل ، فإنّنا نلاحظ أنّ اليائس ينقطع أمله ، وينتفي طمعه في الحصول على شيء ، ومعنى ذلك أنّ حركته باتجاه تحصيل ما يريد تتوقف أو تتجمّد أو تنتهي فلا يشعر أنّ الحركة ذات جدوى في بلوغ ما يؤمّل نفسه به . ومن هنا ، فإنّ التعبير السائد بيننا عن عقم المـحاولة في تحصيل شيء أو تحقيق أمر بأ نّها «محاولة يائسة» ليس دقيقاً ، فليست هناك محاولة يائسة . نعم ، قد تكون هناك محاولة فاشلة ، ويمكن أن تعقبها محاولات تحيل الفشل إلى نجاح . فوصف المحاولة باليأس وصف غير صحيح ، فالمحاولة هي جهد مبذول للوصول إلى هدف معيّن ، وإذا لم تنجح ، فلتردفها محاولة ثانية وثالثة ، فمن طلب شيئاً بلغه ، وهل هناك أبعد من الثريا ؟ إنّ بإمكاننا أن نصل إليها إذا أردنا ، حسب تعبير الحديث الشريف الذي مرّ قبل قليل . ولعلّ تعبير ذلك الرياضي الذي قال إنّه إذا لم يربح الفوز فإنّه ربح المحاولة ، هو تعبير الانسان المتفائل الذي لا يعرف معنى المحاولة اليائسة . كما انّنا نتحفّظ على التعبير الدارج في دنيا المرأة من أنّ فلانة قد بلغت سنّ اليأس ، أو أ نّها يائس ، لأ نّها بلغت السنّ التي ينقطع فيها الحيض أو الدورة الشهرية ، فقد يكون ذلك من جانب أ نّها يئست من الإنجاب فلايعود بإمكانها أن تنجب بعد اليوم، لكنّه وصف لانرجّحه ، فليس هناك سـنّ لليأس طالما أنّ بامكان الانسـان ـ رجـلاً كان أو إمرأة ـ أن يجابه الحـياة ، ويقدِّم لها من عطائـه ما يثريها حتى وهو في آخر سنيّ عـمره ، حتى أنّ هناك الكثير من الرجال والنساء الذين حقّقوا أفضل نجاحاتهم بعد الأربعين وبعد الخمسين بل في السبعينات والثمانينات من أعمارهم . كما لا يخفى الأثر النفسي لأمثال هذا المصطلح ، فحتى لو اقتصر اليأس على الإنجاب ، فإنّه سيترك بصمة سوداء على نفس من نطلقه عليها ، وقد ينسحب ذلك إلى سائر أنشطة حياتها فيشلّها . وعلى أيّة حال ، فنحن مع الذين يقولون : «عندما لا يبقى لدينا أمل ينبغي أن لا نفقد الأمل» ! وأمّا التفاؤل فهو الاستبشـار بقول أو بفعل ، وهو وثيق الصلة بالأمل ، فالانسان الآمل وهو يتحرك باتجاه أمله يتفاءل بتحقيق الأمل المنشود .
|
|
|
قسم:
الاول | قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|