اسم الكتاب: مفاتيـح الأمـل
3 ـ مداولة الأيام :
فدوام الحال ـ عسراً كان أو يسراً خيراً كان أو شرّاً ـ من المحال . فلقد شاءت سنّة الله أن يقلّب الأيام والأحوال (وتلكَ الأيّام نداوِلها بينَ النّاس )(5) . ولذلك قيل : «الدهر يومـان ، يوم لك ويوم عليك ، فإن كان لك فلا تبطر وإن كان عليك فاصبر» . وطالما أنّ السرّاء لا تبقى والضرّاء لا تدوم ، فلـنا أن نأمـل أياماً هانئة طيبة . فلقد جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له : لقد كانت الليلة البارحة من أشدّ الليالي نكداً عليَّ يا رسول الله . فقال له الرسول ما معناه : قل الحمد لله . فقال الرجل : أقول أشدّ الليالي ، وتقول الحمد لله . فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم) : قل الحمد لله لأ نّها مضت وانقضت ، أي لم تستمر لتحوّل نهارك التالي إلى ليل آخر من المعاناة . فهذا التحوّل الجاري والمتصرّف بشؤون الناس وأحوالهم بين سعد وشقاء وعسر ورخاء ، نعمة مجهولة ، فلو أدار الذي يكابد الألم عينه إلى الوراء لرأى أياماً بيضاء وليالي سعيدة ، وستأتي عليه ساعات وأيام وليالي يخفّ فيها الألم أو يزول ، كما لمس ذلك بالتجربة ، فليس الحزن بدائم وليس الفرح بدائم . وما يدريك فلعلّ هذا الذي تشتكي منه قد يكون قياساً بأوقات لاحقة أشدّ عسرة ، هيّناً ليّناً ، أو يبدو بالمقارنة مع حياة آخرين سعيداً كريماً . ولقد عبّر أحد الشعراء عن هذه الحالة أجمل تعبير حينما قال : ربّ يوم بكيت منه فلّما***صرتُ في غيره بكيتُ عليه ! فالأيام السوداء قياساً بالأيام الحالكة السواد ، تعدّ في نظر المتفائلين أياماً محتملة ، بل إنّهم يبصرون شعاع الأمل في كبد الحلكة وأحشاء الظلام ، فهناك شمس جنينـية تمرّ بمرحلة مخاض سـتولد عمّا قريب . أي أ نّهم وحسب التعبـير النفسي «يمرّنون أعينهم الداخلية على مشاهدة الأمل والاستمتاع به» .
|
|