اسم الكتاب: مفاتيـح الأمـل
ح ـ الهـجرة :
يمثِّل الابتعاد عن الوطـن ، أو الإبعاد عنه ، حالة شبيهة بقطع الشجرة من جـذورها ، ولذلك فإنّ الانسان لا يهاجر من وطنه إلاّ مضطرّاً ، فيما يبقى حنينه إلى مرابع الصبا وتلك الديار يشدّه إليه بقوّة . لكنّه وهو في ديار الهجرة والغربة لايعدم أن يحصل على فوائد جمّـة قد لا تتوافر له في وطنـه (ومَن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة )(35) . وهي سعة في أشياء وآفاق كثيرة ، منها الرزق ، ومنها العلاقات التي يبنيها ، ومنها التعرّف على عادات وثقافات وقيم الشعوب الأخرى . ثمّ أ نّه قد يجد الأمن الذي يفتقده في وطنه ، والذي من خلاله يمكن أن يمارس نشاطاته ويطرح أفكاره ودعوته إلى الله ، فالأمن أهمّ ثاني حاجتين أساسـيتين للإنسان بعد الغـذاء (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف )(36) . هذه هي النظرة التي يحملها الأمل على جناحيه ليبشِّر بها القانطين والمحبطين . إنّها تغوص في أعماق الأشياء والأحداث لترى أبعادها المختلفة ، ولا تقف عند السطح . وإلاّ فإنّ الاسـتغراق في الهموم والمشاكل ، وترديد المقولات اليائسة : لا جدوى .. لا أمل .. لا فائدة .. جرّبت ولم ينفع ، والتعامل مع الشعر الغارق في السوداوية على أ نّه كلام منزل ، والخوف الشيطاني (ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه )(37) ، والحكم من خلال اخفاقات الآخرين .. كلّها مثبّطات ومحبطات وقاتلات لروح الأمل . وقد صدق مَن قال : «ضرب رؤوسنا بالحائط لا يجلب سوى الورم» ! وإذا كان اليأس ، كما يحلو للبعض أن يعبّر ، قد ربح المعارك التي خاضها ، فلأنّ ضحاياها في تلك المعارك هم اليائسون أنفسهم ، فهو يصرعهم حتى لاحراك بهم ، فهم أموات ولكن لا يشعرون .. أو أ نّهم ماتوا من قبل أن يموتوا ، فالأمل كما سبقت الإشارة حياة .. واليأس موت . هذه هي بعض أعراض مرض اليأس والتشاؤم ، وإذ نضعها بين يَدَي شبابنا وفتياتنا ، فإنّ الأمل يحدونا أن يتوقّوا منها فـ «الوقاية خير من العلاج» . إنّ صورة اليأس مقرفة . فاليائس ـ كما أكّدنا ـ شخص سوداوي .. يعتبر كلّ شيء سلبيّاً .. إنّه لا يكتفي برؤية السلبيات فقط ، وإنّما يضخّمها أيضاً .. وهو يؤوّل الايجابي لصالح نظرته المتشائمة ، فيقلّل من قيمته ، بل لا يراه إيجابياً ألبتة ، ولذى ترى أحكامه متجنّية في الغالب . لقد حكم على نفسه بالإعدام باتخاذه قرار الجمود والركود والهروب والانهزام من تغيير واقعه . ولعلّ أخطر ما يواجه الذي يقع في قبضة اليأس هو تشكيكه في الأفكار التي يتبنّاها والمبادئ التي يعتقد بها ، فيأسه القاتم والخانق يجعله يرى عدم صحّتها ، أو تناقضها ، أو أ نّها مليئة بالنواقص والعيوب ، وينسى أنّ العيب فيه وليس في المبادئ والعقائد خاصّة إذا كانت ربّانية . إنّه يسقط نظرته الظلامية عليها ، ولا يقتبس من نورها ما يضيء له الطريق . إنّه الربيع .. الفصل الذي يتجدّد فيه شباب الحياة .. ثوبها الأصفر الذي ألبسها الخريف إيّاه يبلى .. وملابسها الشتائية السميكة التي تثقل حركتها .. حان أوان ركونها في الخزانة .. فها هي ترتدي ثوباً أخضر جميلاً زاهياً يسرّ الناظرين .. الجمود الذي خلّفه الثلج والبرد القارص ينحلّ ويتلاشى .. ويحلّ محلّه دفء منعش لذيذ يشيعُ في الأوصال ويشعّ بها ، باعثاً النشاط والحيوية والحركة الزاخرة .. وها هي الحشرات التي حبسها البرد تنطلق من سجنها الشتويّ .. وها هي الطيـور التي انكمشت طويلاً تنطلق أصوات الحبور من حنجراتها أغان وموسيقى عذبة .. وها هي الحيوانات التي عاشت سباتاً أقعدها عن طلب الرزق ، تخرج للنور باحثة عن أقواتها التي فتح الربيع موائدها وخزائنها .. فهبّت سعيدة تنال حظّها منها .. وها هي الشياه والأبقار والخيول والدواجن ترعى وترتع في المراعي الخضراء السخيّة .. إنّه الربيع .. نفحات الأمل الهابّة من أفواه الزهور والطيور والينابيع والسماء الصافية ، فلم يبق أمام الشعراء سوى أن يتغنّوا بهذه القصائد الجميلة التي تتدلّى الخضرة من أبياتها .. فإلى متى يبقى اليائسون المحبطون في جحور الخريف ؟! ودّعوا سواد اليأس وصُفرته .. فهو كفر وخوف وضعف وجمود وظلمة وجفاف وموت . وهلمّوا إلى خضرة الأمل .. فهو أمان ونور وقوّة وحركة وبركة وحياة .. فـ «في مملكة الأمل لا يحلّ الشتاء» !!
|
|