قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: كيف نتعارف مع القـرآن ؟
هكذا وصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن :
كيف وصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام)القرآن ؟ وكيف تعاملوا معه ؟ ليس هناك أقدر على وصف شيء ممّن جرّبه وتذوّقه وعاشه وتفاعل معه بعقله وروحه وقلبه وسلوكه حتّى أصبح كلّ كيانه وليس جزءاً منه . أما ترى لو أ نّك زرت قلعة أثريّة ، وتجوّلت في أنحائها كلّها ، وأمضيت فيها وقتاً طويلاً ، والتقطت عيناك صوراً لجمال هندستها وبنائها وتفاصيلها ، وسألت الدليل عن كلّ صغيرة وكبيرة فيها ، فإنّك ستكون أقدر على وصف ما رأيت ، حتّى أن زائر القلعة الذي لا يمتلك دقّة نظرك ، ولا رهافة حسّك ، ولا عمق مشاعرك ، سيجد في وصفك لها جمالاً وقيمة غير الذي تقع عليه عيناه . وهذا هو حال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الكتاب الذي أنزله الله تعالى عليه ، وحال الأئمّة من أهل بيته (عليهم السلام) الذين أخذوا ذلك عنه ، فكانوا جميعاً القرآن الناطق ، المجسّد لكلّ ما جاء في القرآن الصامت من تعاليم وأخلاق وأحكام . فكيف يا ترى وصف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القرآن ؟ وردت عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أوصاف كثيرة لكتاب الله المجيد ، لكنّنا سنقتصر على بعضها . فلقد وصفه بأ نّه (غنى) في قوله : «القرآن غنى لا غنى دونه ، ولا فقر بعده» أي يمكنك أن تستغني بالقرآن عمّا سواه ، فهو غنيّ في ذاته ولا يستمدّ غناه إلاّ من الغنيّ وهو الله سبحانه وتعالى . والغنى ـ كما هو معلـوم ـ ليس مادّياً فقط ، بل هو غنى في (العقل) بما يضعه بين يدي العقل من موائد العلم والمعرفة والتجربة ، وهو غنى في (القلب) بما يزوّد القلب من أغذية الصحّة النفسيّة ، وهو غنى في (الروح) بما يمنح الروح من فرص التحليق والتسامي والتكامل في أجواء الالتزام والطاعة ، وهو غنى في (الحياة) فيما تكسبه منه من حلول لمشاكلها ، وتنمية لمصادرها الكامنة فيها . وعبّر (صلى الله عليه وآله وسلم) عن القرآن أيضاً بأ نّه (دواء) أي صيدلية فيها لكلّ داء دواء ، سواء كان الداء أو المرض فردياً أو إجتماعياً . وإذا توافر الدواء المجرّب إطمأنّ المريض إلى أنّ مرضه قابل للعلاج والمداواة مهما كان صعباً أو مستعصياً . ووصفه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأ نّه «لا تنقضي عجائبه» فليس في القرآن أمر واحد يثير العجب ، بل كل آياته وكلماته عجائب ، وهي عجائب دائمة ومتّصلة وباقية ما بقي القرآن ، وهذا يجعلنا نتقصّى تلك العجائب ، كما لو قيل لنا إنّ في الجزيرة التي في البحر عجائب وغرائب وكنوزاً ثمينة ، فإنّ ذلك يستهوينا ويستثير فضولنا لمعرفة تلك العجائب والكنوز والإفادة منها . وهذا القول أيضاً ، يوضِّح لنا أنّ المكتبة القرآنية ، ورغم كثرة كتب التفسير والأخرى التي تحدّثت عن علومه، وغاصت في أعماق آياته ، فإنّها ما زالت في سـعة لإستقبال المزيد .. وسـتبقى ما بقي الدهر . واعتبرَ (صلى الله عليه وآله وسلم) تعلّمه وتعليمه علامة من علامات المفاضلة بين المسلمين : «خياركم مَن تعلّم القرآن وعلّمه» . مثلما اعتبر حملته من أشرف الناس : «أشراف أمّتي حملة القرآن وأصحاب اللّيل» . وحملُ القرآن يعني العمل به ، ألا نقول مثلاً عن شاب ناشط أ نّه يحمل مسؤولية تربية إخوانه الشبّان ، أو عن فتاة عاملة أ نّها تحمل مهمّة إنقاذ بنات جنسها من الانحراف ؟ فحمل القرآن يعني العمل بما جاء به ، وإلاّ فإنّ غير العامل به مثله كمثل بني إسرائيل الذين لم يعملوا بكتابهم (التوراة) : (مثلُ الّذين حُمِّلوا التّوراة ثمّ لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً بئس مثل القوم الّذين كذّبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظّالمين )(14) . مكتبةٌ عامرةٌ، قيِّمة ، على ظهرِ حمار.. هل يستفيدُ منها حرفاً ؟! ولعلّ أعظم ما يهمّنا هنا من أحاديثه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الذي رسم فيه الطريق لأمّته من بعده : «إنِّي تارك فيكم الثّقلين ما إن تمسّكتم بهما فلن تضلّوا بعدي أبداً : كتاب الله وعترتي أهل بيتي» . فالسلامة من الضلال والانحراف عن خطّ الاسلام في غياب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تتحقّق من خلال صمامَي أمان : التمسّك بالكتاب وبمن عنده علمُ الكتاب ! وقد ورد في أحاديثهم (عليهم السلام) وهي أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ الكتاب شفاء من الكفر والنفاق والغيّ والضلال ، وأ نّه جلاء القلوب كما يُجلى الصدأ من الحديد ، وأ نّه جديد في كلّ زمان يجري مجرى الشمس والقمر ، وأ نّه أنيس الوحشة . فقد ورد عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قوله : «لو مات ما بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي» ! وأ نّه ما جالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان ، زيادة في هدى ونقصان من عمى . أمّا كيف تعامل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة (عليهم السلام) مع القرآن ؟ وكيف دعوا للتعامل معه ؟ فيمكن تلخيص ذلك في النقاط التالية : 1 ـ التجسيد العمليّ لكلّ ما في الكتاب.. أي السير على الخطّ .. وتنفيذ الخطّة : سُـئِلت إحدى زوجات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : كيف كان خُلقهُ ؟ فقالت : أ أُجملُ أم أُفصِّل ؟ فقيل لها : أجملي . قالت: «كان خُلقُه القرآن»! وهو جواب أيضاً على سؤالين آخرين : بِمَ عظّم الله تعالى أخلاق النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله : (وإنّك لعلى خُلق عظيم )(15) ؟ وكيف يمكن أن تكون أخلاقنا الاسلامية ؟ 2 ـ القراءة : وفي مدرسة القرآن الناطقة ـ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وآله (عليهم السلام) ـ نتعلّم أيضاً كيف نقرأ القرآن الصامت : أ . قراءة القرآن في الصلاة أفضل ، أي قراءة سور أو آيات منه ، فعن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «القراءة في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة ، وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من ذكر الله تعالى» . ولعلّ أفضلية قراءة القرآن في الصلاة ناتجة عن أنّ القرآن خطاب الله للإنسان ، والصلاة هي خطاب الإنسان لله ، كونها دعاءً وذكراً ، فتكون المناجاة في الصلاة حركة باتِّجاهين : من الله العزيز إلينا ، ومنّا إلى الله العزيز . ب . القراءة في المصحف أفضل من استذكاره وقراءته على ظهر الغيب . جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «القراءة في المصحف أفضل من القراءة ظاهراً» . وربّما كان ذلك لأنّ العين هي نافذة للعقل وللقلب ، ومن خلال بريد العين يمكن أن تنتقل رسائل الهداية القرآنية إلى مراكز الوعي فينا . إنّك يمكن أن تتذكّر وجهاً جميلاً طالعكَ من قبل فتسعد بخياله ، لكن رؤيتك لهذا الوجه والتأمّل في قسمات جماله عن قرب سوف يزيد في أنسك وبهجتك به .. هناك خيال وهنا صورة حيّة . وربّما كان ذلك كجزء من سلسلة خطوات للحفاظ على الكتاب الكريم وتداوله ولفت الأنظار إليه . ج . الترتيل وتحسين الصوت . فترتيل القرآن له وقع آخر غير التلاوة المجرّدة التي قد لا تجسّد معاني القرآن . جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «حسِّنوا القرآن بأصواتكم» . والقرآن حسنٌ بغير أصواتنا ، لكنّ المراد هنا تحسين الصوت أثناء القراءة حتى تبعث عذوبته على الإنجذاب إلى الإستماع والإنصات إليه والتفكّر به . ألا يجتذبك الصوت الشجيّ الجميل المرخّم في الأذان والنشيد والدُّعاء والرثاء ، فتشعر أنّ المعاني تدخل إلى قلبك أسرع ؟! د . قراءة ما تيسّر منه . فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) : «القرآن عهدُ الله إلى خلقه ، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده ، وأن يقرأ منه في كلّ يوم خمسين آية» . أي كمعدّل وليس من الواجب اللازم ، فقد لا يسمح الوقت بقراءة أكثر من صفحة من صفحات المصحف ، ولعلّ قراءة الصفحة يومياً أفضل من ختم المصحف في شهر وتركه أحد عشر شهراً ! كان أحد قرّاء القرآن كلّما أراد أن ينام يقرأ شيئاً من القرآن في القرآن ، وكلّما استيقظ يقرأ شيئاً منه ، فسأله سائل عن ذلك ، فقال : أقرأه قبل النوم حتّى يكون آخر عهدي بنهاري القرآن ، وأقرأهُ بعد الاستيقاظ حتّى يكون أوّل عهدي بنهاري القرآن ، فأنا أفتتح نهاري وأختتمه بالقرآن ! 3 ـ إستنطاقه : ومعنى الاستنطاق أن تجعل القرآن يجري في واقع حياتك ، ويعالج مشاكلك ، ويغني ثقافتك . يقول الإمام علي (عليه السلام) : «ذلك القرآن فاستنطقوه ولن ينطق ولكن أخبركم عنه ، ألا إنّ فيه علم ما يأتي ، والحديث عن الماضي ، ودواء دائكم ونظم ما بينكم» . فهو كتاب الماضي والحاضر والمستقبل .. الماضي .. لأنّ في القرآن قصص الأوّلين ، وكلّها دروس ومواعظ وعبر وتجارب وفوائد . الحاضر .. لأ نّه يحكم فيما بيننا فيما نختلف فيه ، ولأ نّه يدعونا إلى ما يُحيينا . المستقبل .. أي فيما ينفعنا في كل زمن قادم ، وفيما ستؤول إليه الأمم والشعوب في حياتها الآتية ، وبعد مماتها . يقول علي (عليه السلام) : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «ستكون فتنٌ . قلت : وما المخرج منها ؟ قال : كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل» . والاستنطاق ـ أي تحريك القرآن في الواقع ـ يقود إلى اكتشاف نظريات مهمّة ومفاهيم جديدة ، وأساليب عمل نافعة . والاستنطاق أيضاً يمكن أن يكون بوضع أسـئلة نبحث عن إجاباتها في القرآن . وقد يكون بالتأمّل في آياته واستظلالها واستيحائها واستجلاء آفاقها وأبعادها وحركتها في مناحي الحياة كلّها . ولذا جاء في أحاديث الأئمّـة من أهل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «آيات القرآن خزائن ، فكلّما فتحت خزائنه ينبغي لك أن تنظر فيها» . وهذا يستدعي : أ . التريّث والتلبّث وعدم العجلة في القراءة . ب . الإمعان والتفكّر المتأنّي في المعاني والمضامين . ج . استشراف الآفاق العديدة التي تنبض بها الآيات ، فليس القرآن كتاب تأريخ ، وإنّما هو كتاب تأريخ وواقع ، وحتّى التأريخ موظفٌ في القرآن لخدمة الواقع . 4 ـ خطاب القرآن عام : فلم يخاطب القرآن القوم الذين نزل فيهم فقط ، بل هو خطاب لكلّ الناس حتّى آخر إنسان يبقى على قيد الحياة . ولذا جاء في بعض الأحاديث إنّ القرآن «نزل بإيّاك أعني واسمعي يا جارة» اي أنّ خطابه ممتد في الناس أجمعين ، فأنا وأنت وكلّ المسلمين والمسلمات مخاطبون بنفس الخطاب الذي خوطب به المسلمون الأوائل ، ولذلك فلا تقتصر آيات القرآن على أسباب نزولها المحدّدة ، بل هي تعنينا أيضاً ، فللآية الكريمة (إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا )(16) سبب نزول معيّن((17)) لكنّها مفتوحة على كلّ إنسان مؤمن وفي كلّ زمان ، أن يطعم لوجه الله ، وأن يعمل لوجه الله ، وأن يتصدّق لوجه الله ، وأن يقوم بكلّ مروءة وكلّ إحسان طلباً لرضا الله لا رضا الناس . 5 ـ القرآن ميزان : فالقرآن مرآة ومعيار وميزان ومقياس تقاس به الأحاديث والآراء والمفاهيم ، أي أ نّنا يجب أن نعرض كلّ حديث ورد في السنّة على كتاب الله فإن وافقه أخذنا به ، وإن خالفه أهملناه . جاء في الحديث : «كلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف» . وجاء أيضاً : «استنصحوه على أنفسكم ، واتهموا عليه آراءكم ، واستغشوا فيه أهواءكم» . 6 ـ القرآن منهاج تربوي : لإصلاح الأخلاق الفاسدة وبناء الأخلاق الكريمة الفاضلة . فقد ورد في الحديث : «إنّ الله سبحانه وتعالى لم يعظ أحداً بمثل هذا القرآن فإنّه حبل الله المتين ، وسببه الأمين ، وفيه ربيع القلب وينابيع العلم ، وما للقلب جلاء غيره ، مع أ نّه قد ذهب المتذكّرون وبقي الناسون والمتناسون» . وكلمتا (ربيع القلب) و (جلاء القلب) تعبيران عن أنّ الجدب والصدأ الروحي الذي يعاني منه بعضـنا يحتاج إلى ربيع ليحوّل الجدب إلى خضرة يانعة ، والصدأ إلى وجه صقيل لامع ، وما غيرُ القرآن يفعل ذلك ، فقد ورد في الحديث : «أحي قلبك بالموعظة» فالموعظة حياة ، ولمّا كان القرآن خير الموعظة وأحسنها ، فإنّ حياة قلوبنا المجدبة والصدئة والميتة ، تكون باللجوء إلى عيادة القرآن ، ألا يتّجه الذي يعاني القلق والأرق والاضطراب النفسي إلى عيادة الطبّ النفسي للاستشفاء.. فلنجرّب الاتِّجاه إلى عيادة القرآن وسنلقى عجباً ! 7 ـ أصناف القُرّاء : وقد قسّمت بعض الأحاديث قرّاء القرآن إلى عدّة أصناف ، ففي الحديث عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) أ نّه قال : «قرّاء القرآن ثلاثة : أ . رجل قرأ القرآن فاتّخذه بضاعة، واستدرّ به الملوك، واستطال به على الناس . ب . ورجل قرأ القرآن فحفظ ورقه وضيّع حدوده . ج . ورجل قرأ القرآن ووضع دواء القرآن على دائه» . فمن أيّ الأصناف هذه أنت ؟! فلا يخفى عليك أنّ الصنف الثالث هو الصنف المميّز والصحيح في التعامل مع القرآن . 8 ـ مرجعنا العقائدي : فلقد أرشدتنا بعض الأحاديث إلى أنّ معرفة عقائدنا بطريق صحيح لا يكون إلاّ من خلال القرآن ، الذي حدّد معالم الطريق بشكل لا يضيع فيه سالك . جاء في الحديث عن القرآن : «واستدلّوه على ربّكم» وإذا كان القرآن دليلنا على ربّنا ، فهو دليلنا على نبوّة نبيّنا ، وعلى معادنا يوم القيامة وعلى أصول ديننا وفروعه .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|