اسم الكتاب: كيف نتعارف مع القـرآن ؟
كيف طلب القرآن أن نتعامل معه ؟
إنّ من لطف الله تعالى ورحمته بالمسـلمين أن عرّفهم كيف يتعاملون مع كتابهم الأوّل ، فلقد وردت عدّة آيات تحدِّثنا عن ذلك ، منها : 1 ـ التدبّر : وذلك هو قوله تعالى (أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها )(18) . قلوب مقفلة .. مثل بيوت أو دكاكين أو صناديق مقفلة .. أبواب موصدة ، ونوافذ مغلقة ، وستائر مسدلة .. هل يمكن أن يدخل نور أو هواء أو أي شيء آخر ؟ إنّ القلوب المقفلة التي لا تستقبل شعاعةً من نور ، ولا نسمة من هواء ، هي أشبه بقبر تسكنه الوحشة والديدان . والقلب الذي لا يدخله نور القرآن ولا تحرِّكه نسائم القرآن ، قلب فسد الهواء في داخله وغمرته العتمة حتّى عاد كالخربـة أو المكان المهجور . ولا يتسلل نور القرآن إلاّ إلى أذن وعت القرآن وقلب تدبّر القـرآن ، ونفس كالوادي العمـيق استقبلت أمطار القرآن . 2 ـ التذكّر : وذلك قوله تعالى (ولقد يسّرنا القرآن للذِّكر فهل من مدَّكر )(19) ؟! فالقرآن واضح بيِّن وسهل الفهم ، في قصصه وعبره ومفاهيمه وتعاليمـه . فكلّ ما فيه تعليمات ربّانية للخروج من دائرة الغفلة واللاّ مبالاة إلى رحاب الوعي والتذكّر واليقظة . وإنّ ممّا يساعدنا على قراءة القرآن بـ (تدبّر) و(تفكّر) أمور منها : ـ قراءة ما تيسّر منه ، أي الممكن الذي تسمح به ظروفنا وأوقاتنا . وذلك هو قوله تعالى : (فاقرأوا ما تيسّر من القرآن )(20) . أي ليس هناك تحديد إلزامي بعدد الآيات التي يُستحسن أن نقرأها، فالمجال متروك لنا في قراءة القدر المستطاع منه . فالمهم ليس كثرة القـراءة وإنّما نوع القراءة ، وهذا ينسـجم مع التدبّر والتفكّر في القرآن . ـ القراءة على مهل ، وهو قوله تعالى : (وقرآن فرّقناه لتقرأه على النّاس على مكث )(21) . حتّى يتعلّم المسلمون القرآن شيئاً فشيئاً ، ولذلك ورد في السيرة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يعلّم المسلمين عشر آيات حتّى إذا تعلّموها علّمهم العشرة الأخرى ، والتعليم لم يكن بحفظ الكلمات ومعرفة المعاني ، وإنّما بالعمل بها أيضاً . 3 ـ الإسـتعاذة قبل القراءة : وهو قوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشّيطان الرّجيم )(22) . فمن شأن الشيطان أن يصرفنا عن كلّ عمل خيّر وصالح نريد أن نتقرّب به إلى الله سبحانه وتعالى ، وذلك قوله بلسانه : (لأقعدنَّ لهم صراطك المسـتقيم )(23) . فحتّى ندخل عالم القـرآن الكريم بلا حجاب حاجز ، علينا أن نستعيذ بالله من الشيطان الرحيم . فالله خيرٌ حافظاً ، وهو خير محام ودافع للشيطان عنّا ، (قل أعوذ بربّ النّاس * ملك النّاس * إله النّاس * من شرّ الوسواس الخنّاس * الّذي يوسوس في صدور النّاس * من الجنّة والنّاس )(24) . وذلك لئلاّ تقرأ الحروف ولا تتدبّر المعاني فتنتهي من السورة ولم يعلق في وجدانك منها شيء ، وبهذا يصدق على القراءة من هذا النوع أ نّها قراءة هذر ، أي لا فائدة فيها . 4 ـ الإستماع والإنصات : وذلك هو قوله تعالى (فإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلّكم ترحمون )(25) . فمستمع القرآن قد يتلقّى القرآن في لحظات الصفاء والإصغاء بغير ما يتلقّاه وهو ساه . فربّ آيات قرأناها مراراً لكنّها لم تترك في نفوسنا الأثر المطلوب ، كما يتركه ترتيل شجيّ حزين ، يجسّد الآيات تجسيداً ، فكأ نّنا نرى المشاهد المخيفة والسارّة بأمّ أعيننا ، كما في مشاهد القيامـة والجنّة والنّار ، أو يحبّب إلينا أعمال البرّ والإحسان ويبغّض إلينا أعمال الشرّ والشرك والإثم والعدوان . ولقد استمع جماعة من الجنّ إلى القرآن .. فاتّبعوه . واستمع إليه جماعة من مشركي قريش .. فاتّبعوه . واستمع إليه جماعة من غير المسلمين .. فاتّبعوه . وما يدريك فربّ آية غيّرت مجرى حياة . 5 ـ اعتماد الترتيل : كطريقة في تحسين الصوت بقراءة القرآن ليبلغ أثره في النفوس. وذلك قوله تعالى (ورتِّل القرآن ترتيلا )(26) ((27)) والترتيل له إيقاع أجمل من التلاوة ، ولذلك قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لكلّ شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن» . 6 ـ الرجوع إلى أهل الذكر : وهم أهل العلم بالقرآن ، بأن نرجع إليهم في معرفة معاني الآيات ومداليلها ، وذلك قوله تعالى (فاسألوا أهل الذِّكر إن كنتم لا تعلمون )(28) ، وقوله (لا يعلم تأويله إلاّ الله والرّاسخون في العلم )(29) ! وقد اختلف المفسِّرون في مَن هم هؤلاء ، لكنّ الأقرب إلى القبول هم الأئمّة من آل بيت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين أخذوا علم الكتاب من عين صافية ، من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويمكن أن يستفاد في ذلك الآن من علماء الأمّـة الذين تلقّوا فهمهم للقرآن بطرق صحيحة معتبرة ، وخلت تفاسيرهم من التوهين أو المغالاة .
|
|