سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)


بيت النّبوّة

في جزيرة العرب ، في أرض البؤس والجاهلية والشقاء ، عايشت العربُ فترةً من أشدّ فترات التاريخ ظلاماً ، ومرحلةً من أكثر المراحل تأخّراً وانحطاطاً .
فالارض جرداء جدباء ، والقلوب قاسية متحجّرة ، والنفوس خائفة مضطربة ، والحياة بدويّة قلقة ، لا الخصب يُعمِّر الارض ، ولا الايمان يُضيء النفوس ، ولا العلم يقود العقول ، إذ لم يُرَ في هذه الحقبة من حياة العرب ، إلاّ أوثانٌ تُعبَدُ ، وغارات تُشَنُّ ، ودِماءٌ تُسفَكُ ، وحُرُماتٌ تُهتَكُ ، فلا الحياةُ تُحتَرَمُ ، ولا صوتُ المظلوم يُسمَعُ ، ولا قلبُ الضّعيف يَنعُمُ بالامن .
وفي غمرة هذا الضّلال والظّلام،وتحت وطأة هذا اليأس والعذاب والانحطاط،شاء الله بلطفه أن ينفخ في هذه الانسانية روح الحياة،ويهبها نعيم الامن والرخاء،ويخرجها من ظلمات الجاهلية إلى نور الايمان ، فولد فيها محمّد (ص) ، في بيت من أرفع بيوت العرب شأناً ، وأعلاها مجداً ، وأكثرها عزّة ومنعة ، فكبر (ص) وترعرع وشبّ ، وشبّت معه آمال الحياة كلّها .
وها هو محمّد (ص) بن عبد الله في ريعان الشباب ، وقمّة الفتوّة ، وعنفوان الرجولة ، إنّه شاب من أكثر شباب قريش فتوّة وجمالاً ، وأعلاها شرفاً ونسباً ، وهو بعد ذلك يمتاز عن سائر شباب قريش بشرف نفسه ، وكمال خلقه ، ونضج شخصيته ، فقد شاء الله أن يربّيه ويعدّه ، ويؤهّله لحمل الرسالة ، والاضطلاع بتبليغ الامانة ، لقد أحيط (ص) برعاية إلهيّة خاصّة ، رسمت حياته وفق قدر ربّاني متناسب مع ما ينتظره من عظم المسؤولية ، وما يمكنه من حمل الرسالة ، ونشر الدعوة :
نسبه ، وأرض مولده ، وطفولته ، وتربيته ، وزواجه ، وكل شيء في حياته .
وها هو (ص) يبلغُ سنّ الشبابِ ، وعلى وجه التحديد سنّ الخامسة والعشرين من عمره الشريف ، فكان لا بدّ له من الاقتران بامرأة تناسب انسانيته ، وتتجاوب
مع عظيم أهدافه ، وترتفعُ إلى مستوى حياته ، بما ينتظرها من جهاد وبذل وصبر ، ولم يكن في دنيا محمّد (ص) من امرأة تصلح لهذه المهمّة غير خديجة (رض) ، وشاء الله ذلك ، فيتّجه قلب خديجة نحو محمّد (ص) ، ويتعلّق قلبها بشخصه الكريم ، وتطلب هي النزول في ساحة عظمته، وتعرض نفسها عليه، فيقبل (ص) ذلك الطّلب ، ويقترنُ بها .
تزوّج رسول الله (ص) خديجة (1) وهو لما يزل في الخامسة والعشرين .
ولقد كانت خديجة بنت خويلد بن أسد القرشيّة ، امرأة غنيّة وفيرة المال والثراء ، سيِّدة جليلة القدر ، عظيمة الشأن في مكّة ، وكان أهل مكّة يسمّونها (الطّاهرة) .
وهكذا اُقيمَ البناءُ واجتمعتِ الاركانُ ، فَشُيِّدَ بيتُ النبوّة مِن الاُمّ (الطاّهرة) اُمّ المؤمنين الكبرى، خديجة بنت خويلد، والزوج الرّسول محمّد (ص) ذي الخُلُق العظيم ، الّذي سمّته قريش أيّام جاهليتها بـ (الصادق الامين) .
لقد كانت هذه الاُسرة المثالية واحةَ الفضيلة في صحراءِ الجاهلية، وبُحْبوحةَ السّعادةِ في دنيا الشّقاءِ آنذاك ، يَغمُرُها الحبُّ ، ويشدُّ أواصِرَها الاخلاص .
أحبّ رسول الله (ص) خديجة (رض) وأحبّته ، وأخلص لها وأخلصت له ، فلم يكن يرى في الدُّنيا مِن النِّساء مَنْ تُعادلُ خديجة، فهي أوّل مَنْ آمَنَ برسالته، وصدّقَ دعوتَهُ ، وبذلتْ مالَها وثروتَها الطّائلةَ في سبيلِ الله تعالى ، ومِن أجلِ نشرِ الدعوةِ الاسلامية، فتحمّلتْ معهُ عذابَ قُريش ومُقاطعَتَها وحصارَها ، وكانَ هذا الاخلاصُ الفريدُ ، والايمانُ الصّادقُ ، والحبُّ المخلصُ مِن خديجة حريّاً بأنْ يقابلَهُ رسولُ الله (ص) بما يستحقّ من الحبّ والاخلاص والتكريم ، وبلغ مِن حبّه لها ، وعظيم مكانتها في نفسه الطّاهرة أنّ هذا الحبّ والوفاء لم يفارق رسولَ الله (ص) حتّى بعدَ موتِها ، ولم تستَطِعْ أي مِن زوجاتِهِ أن تحتلَّ مكانتها في نفسِهِ ، فقد رُوِيَ عنهُ (ص) أنّه كانَ إذا ذبحَ الشاة يقول :
« (أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة) ، فتسأله عائشة في ذلك فيقول : (إنِّي لاحبّ حبيبها) ، أو : (إنِّي قد رُزِقتُ حبّها) »(2).
ويُروى أنّ امرأةً جاءته (ص) وهو في حجرةِ عائشـة ، فاسـتقبلها واحتفى بها ، وأسرعَ في قضاءِ حاجَتِها ، فتعجّبت عائشةُ مِن ذلك ، فقال لها (ص) :
« إنّها كانتْ تأتينا في حياةِ خديجة » .
وجرت مرّة محاورة بين رسول الله (ص) وزوجته عائشة ، حين شعرت بالغيرة تملا قلبها من كثرة ذكر رسول الله (ص) لخديجة ، وتعلّق قلبه بها ، فقالت له :
« ما تذكرُ مِن عجوز حمراء الشّدقين ، قد أبدَلَكَ اللهُ خيراً منها ؟ ، فآلَم النبيّ (ص) هذا القول ، وردّ عليها قائلاً : ( ما أَبْدَلَني اللهُ خيراً منها ، آمَنَتْ بي حينَ كذّبني الناسُ ، وواسَتْني بمالِها حينَ حَرَمني الناسُ ، ورُزِقتُ منها الولدَ وحرمتُهُ مِن غيرِها ) »(3).
وخديجة بنت خويلد حريةٌ بهذا القَـدَرِ والمقـام عند رسـول الله(ص)بعد أن حازتِ المقامَ الرفيعَ والدرجةَ الساميةَ عندَ ربِّها،فهي المرأةُ الّتي كرّمها ربُّ العالَمين،وبَشَّرَها بالخُلْدِ والنّعيمِ.
فقد رُوِيَ أنّ جبريلَ أتى رسولَ الله فقال :
«يا رسول الله!هذه خديجةُ ، قد أَتَتْ معها إناءٌ فيه أدام،أو طعام،أو شراب،فإذا هي أتتكَ فاقرأ عليها السّلامَ مِن رَبِّها ومنِّي،وبَشِّرها بِبَيت في الجنّةِ مِن قَصَب لاصخبَ فيه ولا نَصَب »(4).
ولذا قال فيها رسول الله (ص) :
« أفضلُ نساءِ أهلِ الجنّةِ خديجةُ بنتُ خويلد ، وفاطمةُ بنتُ محمّد ، ومريمُ بنتُ عمران ، وآسيةُ بنتُ مُزاحِم ، امرأة فرعون »(5).
هذه هي خديجة اُمّ فاطمة،وذاك أبوها محمّد رسول الله(ص)،ففي أجواء هذا البيت وُلِدَتِ الزّهراءُ،وتحتَ هذهِ الظلالِ عاشتْ وتَرَعْرَعَتْ،وفي هذه الرعاية نشأت وتربّت،وكان طبيعيّاً أن تؤثّر هذه البيئة العائلية على حياة فاطمة،وشـخصيتها،فتتأثّر بأبويها،وتقتدي بخيرة خَلقِ الله، خُلُقاً وإنسانيّة، فكانت خيرةَ النِّساء،وقدوةَ المرأة المسلمة واُمَّ الائمّةِ الهُداة (ع) .
وممّا لا شكّ فيه فإنّ عوامل الوراثة والبيئة هذه والّتي توفّرت لفاطمة ، مع بقية العوامل قد صاغت من فاطمة الوليدة الاُولى في عالم الاسلام .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com