قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)
فاطمة المهاجرة
الجاهلية في كل عصر وجيل مرض فكري وأخلاقي ، يعبث بعقل الانسان ووعيه ونفسه ، فيصدّه عن الحق ، ويَحرفُهُ عن الاستقامة ، ويُحبِّبُ له العيش في مستنقع الرّذيلة ، والتحرُّك في صحاري التّيه والظّلام ، لذلك فهو يعشو عن دعوة الحق ، ويصم أذنيه عن سماع الهُدى . وهكذا كانت قريش ، ولذا سعت وبكل جهدها لتتخلّص من رسول الله (ص) ، فأتمر قادة الجاهلية وأئمّة الشِّرك ، وقرّروا قتل رسول الله (ص) والتخلّص منه ، بعد أن يئسوا من إخماد صوته ، وإطفاء أنوار دعوته . وشاء الله تعالى غير ذلك ، شاء الله تعالى أن يُتمَّ نوره ، وينصر نبيِّه (ص) ، ويظهر دعوته ، فأمره بالهجرة والانتقال من أرض مكّة إلى يثرب ، ولم يكن الانتقال من مكّة والبحث عن أرض جديدة حادثاً أولدته مؤامرة القتل، بل كان رسول الله (ص) يمهِّد لذلك ، ويبحث عن منطلق آخر لنشر دعوته وبناء مجتمع الرسالة ، فكان من قبل قد ذهب إلى الطائف، ولم يحظَ أهلها (قبيلة ثقيف) بنصرته والاستجابة لدعوته ، فردّوه ورفضوا تصديقه، وأساؤوا إليه، وأمروا عبيدَهم وسفهاءهم أن يرموه بالحجارة، فأخرجوه بالسخرية والاذى من قريتهم ، فتركهم رسول الله (ص) وخرج ، ثمّ عاد إلى مكّة ، وكان رسول الله (ص) يتّصل بالحجّاج القادمين من قبائل العرب إلى مكّة، ويَعرضُ عليهم دعوته، وشاء الله تعالى أن تكون يثرب هي الناصر والمنطلق ، فيلتقي بأهلها ، ويتّجه نظره نحوها ، ويزداد اهتمامه بها ، ويواصل نشر دعـوته فيها ، فكان هذا الاعداد والبنّاء الرسالي في المدينة المنوّرة ، هو الّذي مكّن الرسـول (ص) من الانتقال إليها، عندما تآمرت قريش على قتله، فهاجر (ص) كما هاجر إبراهيم وموسى (ع) من قبل ، خرج رسول الله (ص) من مكّة مستخفياً بظلام الليل ، تاركاً وطنَه وأحبّاءه وأهله ، وفيهم فاطمةُ ابنته الحبيبة ، وابن عمّه عليّ بن أبي طالب (ع) عَونُهُ وسـنده ، وسيفه الضارِب المِقدام ، وفدائِيُّهُ الشّجاع ، لقد ترك عليّاً نائماً في فراشه، وأوصاهُ أن يردَّ الامانات الّتي كانت عنده ـ عند النبيّ ـ إلى أهلِها ثمّ أمرهُ أن يلتحق به ، أي يهاجر إلى يثرب ، ويصطحب معه أهل بيته . وينفِّذ عليّ الوصيّة، ويشتري الركائب لحمل النسوة ، ويجمع أهله وعياله ، ويلتئم شمل الرّكب الهاشمي المهاجر بقيادة عليّ بن أبي طالب (ع) ، فيضمُّ الفواطِمَ ، فاطمةَ الزّهراء بنت محمّد (ص) ، وفاطمة بنت أسد بن هاشم، اُمّ الامام عليّ، ومربِّية رسول الله (ص) ، وفاطمة بنت الزُّبير بن عبد المطلب ، وفاطمة بنت حمزة ، والتحق بهم أيمن وأبو واقد اللّيثي . ويخرج الرّكب، ويستحث المهاجرون السير، ويسوق أبو واقد المطايا سوقاً حثيثاً ، مخافة أن تلحق قريش بالركب ، فينظر الامام عليّ (ع) إلى النسوة ، ويرفق بهنّ ، فيقول لابي واقد : « إرفق بالنّسوةِ يا أبا واقد »(20). ويمضي الرّكب عبر صحراء الجزيرة يغذُّ السّيرَ ، ويصحر في وضح النهار ، بتحدٍّ واستهانة بكبرياء قريش وغرورها ، فإنّه يستظل بسيف عليّ بن أبي طالب (ع) ، قاهر الجاهلية ، ومحطِّم أصنامها وصلفها . خرج عليّ (ع) بالرّكب متحدِّياً قريشاً ، مستهيناً بخيلائها وعنتها ، إنّه يريد أن يضرب معنوياتها وكبرياءها بعزّته الجهادية الفذّة ، ويضع الخطوة الاُولى على طريق التحدِّي في مرحلة الصراع الجديدة الّتي بدأها رسول الله (ص) بقرار الهجرة ، وتحسّ قريش بالجرح عميقاً في قلب كبريائها ، إنّ ابن أبي طالب تحدّى ارهابها وقوّتها وطغيانها ، وخرج في وضح النهار،ماذا يعني هذا الموقف من عليّ؟ولماذا يخرج بهذه العلنيّة بركب أهل بيت النبوّة؟ أليسَ هو التحدِّي والاستهانة بقريش ومقاومتها وتصدّيها ؟ إنّه كذلك ، لذا فقد قرّرت قريش إرسال ثمانية من فرسانها لقتل عليّ (ع) ، والتعرّض لركب النبوّة المهاجر ، فيدركون عليّاً (ع) والركب قرب ضجنان ، ويأمر عليّ الرجلين اللّذين كانا معه أن يبتعدا بالابل ويعقلاها ، ثمّ تقدّم هو إلى النسوة فأنزلهنّ ، واستقبل العصابة بسيفه ، انّه يعرف لغة الجاهلية ، ووسائل إرغامها ، فيخاطبها بالّذي تفهم ، فيواجهونه بالكلمات الجارحة : « أظننتَ يا غدّار أنّك ناج بالنسـوة ، ارجع ، لا أباً لك . فقال عليّ (ع) : (فإن لم أفعل ؟ ) قالوا : لترجعنّ راغماً ، ودنوا من المطايا ليثوروها ، فحال عليّ (ع) بينهم وبينها ، فأهوى له جناح فراغ عن ضربته ، وضرب جناحاً على عاتقه فقدّه نصفين ، حتّى دخل السيف إلى كتف فرسه ، وشدّ على أصحابه ، وهو على قدميه ، شدّة ضيغم وهو يقول : خلّوا سبيل الجاهدِ المجاهد آليتُ لا أعبدُ غيرَ الواحد فتفرّق القوم عنه ، وقالوا : إحبسْ نفسَكَ عنّا يا ابن أبي طالب ، فقال لهم : ( إنِّي منطلق إلى أخي وابن عمِّي رسول الله (ص) ، فمن سرَّهُ أفري لحمَهُ ، وأريق دمه ، فليدن منِّي ) »(21). وهكذا فرّت فرسان قريش ، ولحقت بها أوّل هزيمة عسكرية يشتبك فيها مسلم مع قريش ، فهي أوّل معركة تتّخذ طابع المواجهة القتالية المسلّحة بين المؤمنين والمشركين . ثمّ التفت عليّ المنتصِر إلى صاحبيه أيمن وأبي واقد ، وقال لهما : (أطلقا مطاياكم) ، ثمّ واصل السير ، حتّى وصل ضجنان ، فنزل فيها ، ثمّ أقام يومَهُ وليلتَهُ ، فلحقت به اُمّ أيمن ونفر من المستضعفين، وراحَ ركب عليّ وفاطمة الظافر يستحثّ الخُطى ، وشوقه إلى لقاء رسول الله (ص) أكثر سرعة وعجالة ، فرسول الله (ص) قد وصل يثرب وحلّ بقبا ، فأقام فيها ينتظر وصول عليّ وفاطمة ، ومَنْ كان مع الرّكب النبويّ المهاجر ، أقام بِقُبا وكان يقول لابي بكر الّذي طلب منه الدخول إلى المدينة : « ما أنا بداخلها ، حتّى يقدمَ ابن عمِّي وابنتي »(22). ويواصلُ عليّ سيره ليلاً ، ويكمن نهاراً يواصل السّير على قدميه ، من دون أن يركب ظَهْراً ، أو يستخدمَ دابّةً ، فيطوي الارض ما بين مكّة والمدينة على قدميه(23) ، حتّى تفطّرت قدماه وتورّمتا مِن شدّة السّير ، ويصلُ الرّكبُ قُبا ، ويسرّ رسول الله (ص) بسلامة الوصول ، ولقاء الاحبّة ، ثمّ يقول : « (أدعوا لي عليّاً) ، قيل : لا يقدر أن يمشي ، فأتاه النبيّ (ص) واعتنقَهُ وبكى ، رحمة لما بِقَدَمَيْهِ مِنَ الوَرَمِ ، وتَفَلَ في يديهِ ، وأمرّهما على قَدَمَيْهِ ، فلم يشتكهما بعدُ حتّى قُتِل »(24). لقد عظم هذا الموقف في نفس رسول الله (ص) كما كان عظيماً عند الله سبحانه ، فاستحق أن يخلّد ، وأن يكون نموذجاً وقدوة جهادية وعقائدية لاجيال المسلمين . ومن هنا جاء تخليد الوحي له،ونزول القرآن فيه وصفاً وتعظيماً(25): (... فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِيْ سَبِيلِيْ وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لاَُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلاَُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِندِ اللهِ وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ ) . ( آل عمران / 195 ) لقد فكّ ارتباطَهُ بالارض ، وهاجر إلى الله تعالى ، قطعَ صلتَهُ بالدِّيارِ وسارَ نحوَ الله تعالى ، أعرض عن الاهل والعشيرة في أشدِّ ظروف المحنة ، وتجرّد لتحمّل الاذى والمشاق والتعب والعناء ، في سبيل الله تعالى ، واستجابةً لله تعالى وطلباً لمرضاته ، وطاعة لرسوله (ص) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|