قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)
الزّواج الفريد
وينطلق رسول الله (ص) يعقدُ القِرانُ والبِشرُ يغمرُ قلبَه : « ( إنّ الله أمرني أن اُزوِّجُكَ فاطمة على أربعمائةِ مثقال فضّة إن رضيت بذاك ) ، فقال عليّ : (قد رضيتُ بذلك يا رسول الله) » . وهكذ نزل القضاء وتطابقت الارادات،وتمّ عقدُ القِرانِ،وزوّج رسول الله(ص)فاطمة من عليّ، والسّرورُ يطفحُ على وجهه،والسّعادةُ تملا نفسَهُ،ويستقبلُ الامام عليّ (ع) هذه الهديّة الربّانيّة بالشّكر والثّناء ، فيسجدُ للهِِ شاكِراً حين يخبره رسول الله (ص) بتزويجه فاطمة(42) (ع) ، ويُسمِّي رسول الله (ص) مهر فاطمة «أربعمائة مثقال فضّة» أو خمسمائة درهم كما جـاء في بعض الروايات عن أهل البيت (ع) ، وفي روايات اُخرى (480) درهماً . انّه مِهرٌ مثاليٌّ مُتواضِعٌ يَنُمُّ عن عظمةِ رسول الله (ص) وفاطمة ، ويثبِّت مبدأً اسلاميّاً للمرأة المسلمة ، ويُعطي درساً عمليّاً لحلِّ أخطر مشكلة اجتماعية يواجهها الانسان في عملية الزّواج ، وهي مشكلة غلاء المهور ، والتباهي بضخامتها ، فهذه فاطمة خيرة النِّساء ، وبنت رسول الله (ص) ، تتزوّج عليّاً لدينه وإخلاصه ومبادئه ، لا للمالِ والثروةِ وعرض الحياة الدُّنيا ، وتقترنُ به بمهر زهيد متواضع يُحطِّم قيمة المادّة ، ويُلغي دورَها الخدّاع في مشروع الزّواج والاقتران الرّوحي النبيل ، ويُحلُّ القيم والمعاني الانسانية بدلاً منها . فالزّواج في عُرْفِ الاسلام عمليّة اقتران روحي ونفسي،ورابطة انسانية تتعالى على المادّة، ووسائل الحياة التافهة الرّخيصة،وهذه فاطمة تضربُ المثلَ الاعلى في موقفها فتكتبُ درساً بليغاً للمرأة المسلمة،لذا خُلِّدَ موقِفُها،وعَظُمَ شأنُها،حيث ذهبت قرونٌ،وفَنيَتْ كنوزُ الذّهب والفضّة،وبادَ أثاثُ الديباج والحرير،ودَرَسَتْ قصورُ الرّخام وزخارِفُ العاج والفسيفساء ، وخَبا لَمَعانُ الجواهرِ والدُّرَر ، وبَلّيت أطواقُ اللّؤلؤ والجواهر ، وعظمةُ عليّ باقيةٌ ، ومجدُ الزّهراء يعلو فوقَ كلّ مجد ، وحديثُ زواجها اُنشودة عَذِبة وذكرى عَطِرَة على كلِّ فمّ ، وحياتها مع زوجها مدرسة ورسالة تعلِّم الاجيال ، وترسم طريق الحياة العائلية السعيدة . لقد زوّج رسولُ الله (ص) فاطمةَ بمهر متواضع وأثّث بيتها بما يعادل هذا المهر ، لتعرف الاجيالُ فناءَ المادّة ، وتصاغر شأنها أمام القيم والمعاني الانسانية الرفيعة . تسلّم رسول الله (ص) دراهم المهر الزهيد من عليّ بن أبي طالب (ع) وأشرف بنفسه على تجهيز ابنته وإعداد بيتها المتواضع : في أثاثه ومحتواه ، العظيم : في مجده ومقامه . « فقبض منها قبضة فأعطاها بلالاً ، وقال : (ابتعْ لفاطمةَ طيباً) ، ثمّ قبض منها بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر، وقال: (ابتعْ لفاطمةَ ما يُصلِحُها مِن ثياب وأثاثِ البيت)، وأردفه بعمّار، وعدّة من أصحابه، فكانوا يعرضون الشيء على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه ، وقبض قبضة كانت ثلاثة وستّين ، أو ستّة وستّين فأعطاها اُمّ أيمن لِمَتاع ، ودفعَ باقي ثمن الدّرع إلى اُمّ سلمة وقال : (أبقيه عندَك) . وهكذا أرسل رسول الله (ص) إلى السوق عدّة من أصحابه لاعداد جهاز فاطمة ، وشراء ما يحتاجه بيتها الجديد ، وهو : قميصٌ بسبعةِ دراهم،وخمارٌ بأربعةِ دراهم،وقطيفةٌ سوداء خيبريّة،وسريرٌ مُزمّلٌ بشريط ـ أي ملفوف بالشريط ـ ،وفراشانِ مِن خيشِ مصرَ حشوُ أحدهما ليفٌ،وحشوُ الآخر مِن صوفِ الغنم،وأربعُ مرافقَ مِن أدمِ الطّائفِ حشوها أذخُرُ،وسترٌ رقيقٌ مِن صوف ، وحصيرٌ هجري ، ورَحى لليد ، ومخضبٌ مِن نحاس ، وسِـقاءٌ من أدم ، وقعبٌ للّبنِ وشَنٌّ للماء ، ومطهرةٌ مُزَفَّتَة،وجَرّةٌ خضراءٌ،وكيزانُ خَزَفِ ، ونَطعٌ مِن أدم ، وعباءةٌ قطوانيةٌ ، وقربةُ ماء»(43). وراحَ عليّ من جانبه يهيّئ البيت،ويعدّه أبسط اعداد وأيسر تهيئة،فقد نشرَ أرضَ البيتِ بالرّملِ اللّين ونصبَ خشبَةً مِن حائط إلى حائط لتوضع عليها الثِّياب،وبسط اهاب(جلد)كبش،ومخدّة ليف في بيت فاطمة الجديد،وهكذا هيّأ عليّ البيت،وراح ينتظر قدوم فاطمة وحلول الزّهراء. وتمضي تسعة وعشرون يوماً ، أو شهر ، ولم تنتقل فاطمة إلى بيتها الجديد بعد ، ويحول الحياء بين عليّ وبين الافصاح لرسول الله (ص) عن رغبته ، فيصحبه أخوه عقيل ويتوجّهان إلى بيت رسول الله (ص) فيلقيان اُمّ أيمن ـ مولاة رسول الله ـ ويحدِّثانها برغبة عليّ ، فتذهب إلى اُمّ سلمة زوجة رسول الله (ص) وتعرض عليها الامر ، وتخبر بقية نساء النبيّ، فيجتمعن ويذهبن إلى رسول الله(ص)،ويُخبِرنهُ برغبة عليّ،فيجيب الرّسول(ص)طلب عليّ. ويزداد اهتمام الرّسول (ص) وعنايته بفاطمة ليعوِّضها غياب اُمّها الحنون خديجة ، في مناسبة يكون للاُمّ شأن خاصّ فيها ، فيُساهم هو بنفسه بزفاف فاطمة ، ويطلب من أزواجه إعداد فاطمة وتهيئتها كما تعدّ الفتيات ليلة الزّواج ، ويستجبن لامر الرّسول (ص) ، وتعدّ فاطمة (ع) ، ويدعو رسول الله (ص) لاقامة الوليمة ، وإعلان الزّواج ، ويولم علي الوليمة ، ويساهم الانصار والمهاجرون نبيَّهم أفراحه بزواج ابنته من ابن عمّه وأحبّ الناس إليه . ورُويَ عن شرحبيل بن سعيد الانصاري ، قال : « لمّا كانَ صبيحةُ العُرسِ ، أصابت فاطمةَ رعـدةٌ ، فقال لها رسـول الله (ص) : ( زوّجتك سيِّداً في الدُّنيا ، وإنّهُ في الآخرةِ لمنَ الصّالحين ) . وقد دخل رسول الله (ص) على فاطمة (ع) ليلة عرسها بقدح فيه لبن ، فقال : ( اشربي فداكِ أبوك ) ، ثمّ قال لعليّ : ( إشرب فداكَ ابن عمّك ) »(44). وهكذا تمّ الزواج واكتمل بناء البيت الجديد ، وأرسى رسول الله قواعده الشامخة ، فأرسى معه تشريعاً وحياة وفلسفة للزواج والاُسرة، وقيمة للمرأة في رسالته الانسانية الخالدة ، كي تكون طريقاً وسنّة للمقتدين بمنهجه وسنّته في الحياة . فقد كان يجسّد طيلة حـياة فاطمـة معه مبـادئ رسـالته ، وقيم شريعته ، الّتي تشخِّص موقع المرأة ، وقيمتها وحقّها في الحياة ، فقد كان الاب الرسول يحبّ الطفلة الصغيرة ، ويمل قلبها بحبِّه ، ويحنو عليها ويقبّلها ، ثمّ يتولّى أمر زواجها وشؤون تجهيزها وزفافها ووليمة عرسها ، أيّة عناية هذه الّتي يُعنى بها نبيّ الاسـلام بالمرأة ، وأيّة مكانة للاُسرة والمرأة والزواج في شريعته الانسانية الخالدة ؟ إنّها الدروس والعبر والمثل الرائدة للمجتمع، والمنهج السلوكي لبناء الاُسرة المسلمة وتكوين الجيل الصالح . إنّها التطبيقات العملية للعلاقات الاجتماعية والروابط العائلية والمواقف السلوكية الّتي أمر بها الله تعالى وجسّدها ، بعد أن دعا إليها رسوله الكريم (ص) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|