قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)
فاطمة الزّوجة
وتنتقل فاطمة إلى بيت زوجها المتواضع،سعيدة راضية،فقد علّمها أبوها (ص) معنى الحياة ، وأوحى لها بأنّ الانسانية هي جوهر الحياة ، وأنّ السعادة الزوجية القائمة على الخلق والقيم الاسلامية هي أسمى من المال والقصور والزخارف وقطع الاثاث وتحف الفن والزخرفة . وتعيش فاطمة في كنف زوجها ، قريرة العين سعيدة النفس ، لا تفارقها البساطة ، ولا تبرح بيتها خشونة الحياة ، فهي زوجة عليّ ، بطل الاسلام ، ورجل البطولة والفداء، وحامل لواء النصر والجهاد ، وعليها أن تكون بمستوى هذه المهمّة الخطيرة ، وأن تكون لعليّ كما كانت اُمّها لرسول الله (ص) ، تشاركه في جهاده ، وتصبر على قساوة الحياة ومرحلة الدعوة الاسلامية الصعبة الّتي يتصدّر عليّ طلائعها ببطولة وبسالة ، فكانت كذلك ، وكانت بمستوى مهمّتها الّتي اختارها الله تعالى لها . فقد رُوي عن الامام عليّ (ع) في حديث تزويجه بفاطمة ، قال : «ثمّ صاح بي رسول الله(ص):(يا عليّ)فقلت:لبّيك يا رسول الله،فقال:(اُدخل بيتَكَ وألطفْ بزوجَتِكَ وأرفقْ بها ، فإنّ فاطمة بَضعة منِّي ، يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها) . قال عليّ (ع) : فوَاللهِ ما أغضبتُها ولا أكرهتُها على أمر حتّى قبضها الله عزّ وجلّ، ولا أغضبَتْني ولا عَصَتْ لي أمراً، ولقد كنتُ أنظر إليها فتنكشفُ عنِّي الهمومُ والاحزان » . ولم يكن رسولُ الله (ص) ليتركَ هذا الغرسَ النبويّ دونَ أن يرعاهُ ويحتَضِنَهُ ، فمدّ رسول الله (ص) رعايته ، وأحاط فاطمة وعليّاً بتوجيهه وعنايته ، فعاش الزوجان في ظلِّ رسول الله (ص) ، وتحت كنفه ورعايته ، ولقد منحها (ص) بعد زواجها ما لم يمنحه لاحد ، حتّى بلغ من شدّة عنايته بفاطمة ، وتعلّق قلبه بها ، أنّه إذا أراد الخروج في سَفَر أو غَزْوَة ، كانت فاطمة آخر إنسان يودِّعه ، وإذا عادَ من سَفَرِهِ أو غَزْوتِهِ،كانَ أوّل انسان يلتقي به هو فاطمة. عن ثوبان ، قال : « كان رسول الله (ص) إذا سافر ، آخر عهده إتيان فاطمة ، وأوّل من يدخل عليه إذا قدم ، فاطمة (ع) ، خرّجه أحمد »(45) . وعن أبي ثعلبة ، قال : « كان رسول الله (ص) إذا قدم من غزو أو سفر ، بدأ بالمسجد ، فصلّى ركعتين ، ثمّ أتى فاطمة ، ثمّ أتى أزواجه»(46) فأيّة علاقة هذه ، وأيّة رابطة تربط رسول الله (ص) بابنته الحبيبة فاطمة ؟ إنّها علاقة الروح والمبدأ ، وجامعة الغاية والهدف . وتعيش فاطمة في بيتها ربّة بيت ، تعتني بشؤون منزلها ، وتدير حاجاتها بالاعتماد على جهودها، فلم يكن لديها خدم ولا عبيد ، ولا اُجَراء ، فكلُّ حياتها كدح وجهاد ، كانت فاطمة تطحنُ الشـعيرَ وتديرُ الرّحى بيدها ، وتصنعُ أقراصَ الخبز بنفسِها ، وتكنسُ البيتَ ، وتدبِّرُ مستلزماتِ الاُسرة ، وقد كان رسـول الله (ص) وعليّ (ع) يريان ذلك من فاطمة فيشاركانها العَناء ، ويهوِّنان عليها متاعِبَ الحياة ، بل وكان عليّ (ع) وربّما النبيّ نفسه يساعدانها في أعمال المنزل ، وتدبير شؤون البيت . فقد صوّر لنا التأريخُ ودوّن كتّابُ السِّيَر والاثر ، صورة الحياة العائلية الفريدة الّتي كانت تعايشها فاطمة مع زوجها وأبنائها ، أهل بيت النبوّة (ع) تحت ظلال أبيها رسول الله (ص) . روي أنّه : « دخل رسول الله (ص) على فاطمة وهي تبكي ، وتطحنُ بالرّحى ، وعليها كساء من إجلة الابل ، فلمّا رآها بكى ، وقال : (يا فاطمةُ ! تجرّعي مرارة الدُّنيا اليوم لنعيم الاخرة غداً ) ، فأنزل الله تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) »(47). «ودخل النبيّ(ص)على فاطمة وهي تطحنُ مع عليّ،فقال النبيّ(ص):(لا يّكما أعقب)،فقال عليّ:(لفاطمةَ ، فإنّها قد أعْيَتْ) ، فقامت فاطمة ، فطحن النبيّ (ص) مع عليّ لفاطمة »(48). ورُوي عن الامام جعفر الصّادق (ع) أنّه : « تقاضى عليّ وفاطمة إلى رسول الله في الخدمة ، فقضى على فاطمة (ع) بخدمتها ما دونَ الباب ، وقضى على عليّ بما خلفـه ، قال (ع) : فقالت فاطمة : (فلا يُعْلَمُ ما دخلني مِنَ السّرور إلاّ الله باكفائي رسول الله (ص) تحمّل أرقاب الرِّجال) »(49). وصورة اُخرى يصوِّرها التأريخ عن حياة فاطمة (ع) في بيتها وكدحها في إدارته ، وتدبير شؤونه ، وتربية أبنائها ، وتحمّلها المعاناة والتعب ، فقد روي : « بينما النبيّ (ص) ، والناسُ في المسجد ينتظرون بِلالاً أنْ يأتيَ فيؤذِّن، إذ أتى بلال ، فقال له النبيّ (ص) : (ما حبسك يا بلال ؟ ) فقال : إنِّي اجتزتُ بفاطمة وهي تطحنُ ، واضعةً ابنها الحسنَ عندها وهو يبكي ، فقلت لها : أيّما أحبُّ إليك ، إن شئتِ كفيتك ابنَكِ ، وإن شئتِ كفيتك الرّحى ، فقالت : (أنا أرفق بابني) ، فأخذتُ الرّحى فطحنتُ ، فذاك الّذي حبسني ، فقال النبيّ (ص) : (رحمتَها رحمَكَ الله) »(50). هذه الصورة العائلية ، واللّقطة الفذّة من حياة المجتمع الاسلامي والحياة النبويّة الكريمة توضِّح لنا صور الحياة التعاونية وعلاقة الرجل بالمرأة ، وعظمة التواضع عند قادة الاسلام وعظماء البشرية، فمحمّد (ص) يُساعد فاطمة ويُعينها على طحن طعامها، وعليّ يُشاطرها العملَ في المنزل،وبلالٌ يعرِضُ خدماتِهِ على فاطمة فيعينها،فينجزُ بعضَ أعمالها،إنّها الصورة المثالية لحياةِ مجتمع صنعه الاسلام بمبادئه وأخلاقه ، وإنّها الصيغةُ التشريعية لحياة العائلة المثالية في الاسلام ، ولمكانة المرأة وعلاقتها بالزّوج والاُسرة في هذه الرِّسالة الالهيّة الخالدة . فرسول الله وعليّ وفاطمة مثال الاب والزّوج والبنت والزّوجة في الاسلام ، وعلى شاكلة هذه الاُسرة يجب أن تُبنى الاُسرة المسلمة ، وبمثل هذه العلاقة يجب أن تُشاد العلاقات بين أفرادها ، فرسول الله (ص) وعليّ وفاطمة قدوة واُسوة ، وكان بإمكان رسول الله أن يتّخذَ العبيدَ والخدمَ لفاطمة ، وأن يوفِّر لها المال والثروة ومُتَعَ الحياة . إلاّ أنّ رسول الله القائد والقدوة ، الداعي إلى العدل والمساواة ، والرافض لمتع الدُّنيا وعرضها ، يريد أن يجسِّد مبادئه سلوكاً وحياةً لاُمّته ، بل يريد من المصلِح والمربِّي والحاكم والقائد أن يعلِّم ويقود ويربِّي بسلوكه وسيرته ، قبل أن يدعوَ الناسَ بلسانه ومواعظه . وتأتي المواقف والشواهد دليلاً ، والعمل لساناً بليغ التعبير ، قوي الوقع والاثر . روت أسماءُ بنت عميس عن فاطمة بنت رسول الله (ص) : « أنّ رسول الله (ص) أتاها يوماً ، فقال : (أين ابناي ؟ ) يعني حسناً وحسيناً ، قالت ، قلت : (أصبحنا وليس في بيتنا شيء نذوقه)، فقال عليّ (ع) : (أذهبُ بهما ، فإنِّي أتخوّف أن يبكيا عليكِ وليسَ عندكِ شيء) . فذهب بهما إلى فلان اليهودي ، فتوجّه إليه رسول الله (ص) فوجدَهما يلعبانِ في مَسربة بين أيديهما فضل من تمر. فقال: (يا عليّ ! ألا تقلِّبُ ابنيَّ قبلَ أن يشتدَّ الحرُّ عليهما ؟ ) . فقال عليّ (ع) : (أصبحنا وليس في بيتنا شيء ، فلو جلست يا رسول الله حتّى أجمع لفاطمة تمرات) . فجلس رسول الله (ص) ، وعليّ (ع) ينزع لليهودي كلَّ دَلْو بتمرة ـ أجراً عليه ـ حتّى اجتمع له شيء من تمر فجعله في حُجْزَتِهِ ثمّ أقبل ، فحمل رسول الله (ص) أحدهما وحمل عليّ (ع) الآخر»(51). هذه صورة من حياة الكدح والصّبر على شَظَفِ العيش ومعاناة أهل البيت ـ عليّ وفاطمة والحسن والحسين ـ ، وهذا رسول الله (ص) يُشاطِرُهُم تلكَ الحياة الصّعبة ؛ يُشاطِرُهُم بروحه وأحاسيسه ، وبِجُهْدِهِ واهتمامه . إنّها الصورة الفريدة للحياة ، رجلٌ كعليٍّ في الاسلام ، وامرأةٌ كفاطمةَ بنت محمّد (ص) وابناهما الحسن والحسين يعانون هذه الحياة القاسية، فيعمل عليّ بِكَدِّ يَدِه(52) ، ويكدح ليوفّر حفنة تمر قوتاً لعياله ، إنّها مدرسة النبوّة تصنع الحياة ، وتعلّم الاجيال كيف يمارس الانسان المسلم الحياة ويتفاعل معها ، ويكافح ويعمل ، لقد خَبِرَ عليّ وفاطمة الحياةَ ، وعرفاها جهاداً وكفاحاً ، وآمنا بأنّ العمل جهاد وشرف ، فعمل عليّ لكسب القوت وتحصيل طعام الاُسرة ، وكدحت فاطمة في بيتها وعملت من دون كَلَل أو مَلَل ، مِن أجلِ زوجها وولديها ، بإخلاص وتجرّد ورضى ، حتّى قد ورد أنّها كانت تستقي بالقربة في بيت زوجها حتّى أثّر في صدرها ، وتطحنُ بالرّحى حتّى مَجُلَتْ يداها ، وتكسح البيت وتوقد النار حتّى اغبرّت ودكنت ثيابها ، فأصابها من ذلك ضرّ شديد ، وازدحمت متاعب العمل وأعمال المنزل عليها . روي عن علي (ع)، أنه قال: [ إنّ فاطمة شكت ما تلقاء من أثر الرحى، فأتى النبي (ص) سبي، فانطلقت، فلم تجده، فوجدت عائشة، فأخبرتها، فلما جاء النبي (ص) أخبرته عائشة بمجيء فاطمة فجاء النبي (ص) إلينا ، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم، فقال: (على مكانكما)، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري فقال: (ألا أعلّمكما خيراً مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما، فكبرا أربعاً وثلاثين، وسبّحا ثلاثاً وثلاثين، واحدا ثلاثاً وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم يخدمكما) خرّجه البخاري وأبو حاتم]. هذا الدرس هو تواضع القيادة في المجتمع الاسلامي ، وتعوّدها على أن تعيش بمستوى الطبقات الفقيرة الكادحة في مجتمع المسـلمين ، ففاطمة بنت محمّد (ص) وغيرها من عامّة المسلمين سواء ، لا فارق بينها وبين غيرها ، إلاّ فارقَ التقوى وميزة الاخلاص لله ، لذا حرص رسول الله (ص) أن يعلّمها درساً في العبادة والتوحيد، ويوجّه نظرها إلى الارتباط بالله سبحانه، وسحب العلائق من عالم الدنيا، كي تكون مثلاً في حياتها ومركزها ، وقدوةً في التواضع وحبّ العمل ، ورائدة في المساواة والزُّهد في هذه الحياة . فأين الاسلامُ مِنَ التَّرَفِ الفاجِر الّذي نعلم به ونشاهده اليوم لدى القادة والزُّعماء؟ وأين الاسلام من «المحسوبيّة» و «المنسوبيّة» المتفشّية في صفوف الطبقات السائدة؟ وأين سيرة المصطفى(ص)وأهل بيته(ع)مِن غَطرَسةِ الاغنياءِ وتبذيرِ المُتْرَفين وإلى جانبِهِم الجياعُ والفقراء ؟
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|