قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)
فاطمة الاُمّ
يقول رسول الله (ص) : « انّ الله جعل ذريّة كل نبيّ في صلبه، وجعل ذرّيتي في صلب هذا ـ يعني عليّاً ـ »(53). وتثمر شجرة النبوّة ، وتلد فاطمة الحسن ثمّ الحسين (ع) فيستقبلهما رسول الله (ص) كاستقباله لميلاد فاطمة ، ويسمِّيهما حسناً وحسيناً ، ويحتلاّن من نفسه موقع الولد الحبيب من قلب أبيه الحنون ، وتبدأ هذه العلاقة الابوية والروحية بين رسول الله (ص) ، وبين الحسن والحسين من يوم الميـلاد ، فهي علاقة النّبـوّة بالامامة ، وعلاقة حفظ الشريعة وقيادة الاُمّة ـ بعد رسول الله (ص) ـ بالتبليغ والرِّسـالة ، فكانت هذه العلاقةُ علاقةَ نسب وروح ومبدأ وهدف ، لذا كان رسول الله (ص) يحتضن الحسن والحسين ابني فاطمة ويقول : « (كلّ ولد أب فإنّ عصبتهم لابيهم، ما خلا ولد فاطمة فإنّي أنا أبوهم وعصبتهم)، أخرجه أحمد في المناقب »(54). ولقد كان لرسول الله (ص) ما أراد ، فقد ترك ولداه الامامان الحسنُ والحسينُ(55) أثرَهُما البالغَ على تاريخ هذه الاُمّة ، وقيادة روح اليقظة ، وتجديد شباب الاسلام بالمعارضة ، والشهادة والدم الطاهر المعطاء ، في حياتهما ، وبعد مماتهما . فقد امتدّت روحُ الحسين الشهيد ثورةً عارمةً في ضمير الاُمّة الاسلامية ، وقوّةً محرِّكةً لركودها واستكانتها ، وكانت ذريّة الحسن والحسين وأحفادهما وأنصارهما فيما بعد طاقة محرِّكة في تأريخ هذه الاُمّة ، وقوّة دافعة فيه ، فكانوا منطلق الثورة المعارضة لكل ظلم وطغـيان على امتـداد تاريخ هذه الاُمّة ، وهذا بعض ما كان يستهدفه رسول الله (ص) من عنايته بالحسنين ، وتأكيد أبوّته لهما ، والاعلان عن حبّه وعطفه عليهما . فقد ورد عنه (ص) قوله : « هذان ابناي ، مَنْ أحبّهما فقد أحبّني »(56). « الحسن والحسين سيِّدا شباب أهل الجنّة »(57). « إبناي هذان إمامان ، قاما أو قعدا »(58). وشهد المسلمون حُبَّ رسول الله للحسن والحسين وعنايته بتربيتهما والحثّ على حبِّهما والتمسُّك بهما ، فعرفوا مقامهما ، وخبروا مكانتهما من رسول الله (ص) . ثمّ وَلدت فاطمة بعد الحسين (ع) زينبَ الكبرى(59) بطلة كربلاء، وشريكة الحسين (ع) في جهاده وبطولته، وكانت ولادتها المباركة في اليوم السابع عشر من شهر رجب في السنة الخامسة من الهجرة النبويّة ، فَزُفّتِ البُشرى إلى رسول الله (ص) ، فاتّجه إلى ابنته فاطمة يشاركها فرحتها وسرورها، وأتى مهنِّئاً إلى بيتها، وسمّى المولودة الجديدة «زينب» فحملت زينب هذا الاسم الوسام ليلمع عنواناً بارزاً في جهاد الحسين وملحمة كربلاء ومأساة أهل البيت هناك . ثمّ تحمل فاطمة بحمل آخر ، فتلد بنتاً ، فتكون الرابعة في أبناء فاطمة ، فيسري نبأ الميلاد إلى رسول الله (ص) ، ويأتي كعادته إلى فاطمة ، يسرّها ويهنِّئها ، ويسمِّي المولودة «زينب الصغرى» ثمّ تُلقّب بـ «اُمّ كلثوم» . وهكذا ولدت فاطمة أربعاً ، ولم يمتدّ بها العمر طويلاً ، فقد وافاها الاجل وهي لمّا تزل شابّة غضّة في مُقتبل العمر ، فالتحقت بأبيها رسول الله (ص) ، وبالتحاقها بعالم الخلد والنعيم ، بقي أبناؤها وأكبرهم لم يجاوز السابعة من عمره ، صغاراً في سن الطفولة ، يحدب عليهم أبوهم عليّ (ع) حدب رسول الله (ص) على فاطمة في صغرها وصباها ، فنشأوا وشـبّوا وتربّوا في ظلال عليّ (ع) الّذي تربّى في ظلِّ رسول الله (ص) ونشأ على حبّ الاسلام والفناء من أجله ، فأثّرت هذه الرّوح والتربية الّتي تلقّاها الحسن والحسين وأختاهما ببيت النبوّة في حياتهم وتكوينهم ، فكانوا كما أراد رسول الله (ص) . وهكذا تكشف لنا السنّة النبويّة أنّ فاطمة هي قاعدة أهل بيت الرسالة ، واُمّ الائمّة (ع)، وامتداد النبوّة؛ تحدّث رسول الله عنها وعن زوجها وابنيها الحسن والحسين، وعن حبِّه لهم وارتباطه بهم ، لا ليعبِّر عن مشاعر القربى والنّسب ، أو رابطة العاطفة وعلاقة الابوّة ، فهو رسول الله (ص) لسان الوحي الّذي لا ينطق عن الهوى ، وهو الّذي يجسِّد بكلِّ كلمة وعمل يصدر عنه حكماً وتشريعاً ومفهوماً رساليّاً للمسلمين، وهو داعية التوحيد والاخلاص الّذي لا يُحبّ ولا يَبغضُ إلاّ في الله ولله . فما كان قوله في عليّ وفاطمة والحسن والحسين إذن إلاّ تعبيراً عن مقامهم، ومكانتهم عند الله سبحانه ، وتشخيصاً لموقعهم ودورهم في حياة هذه الاُمّة وتاريخها . حتىّ قال رسول الله (ص) لعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع) : « أنا حربٌ لِمَنْ حارَبَكُم ، وسِلْمٌ لِمَنْ سالَمَكُم »(60). وهذا يدّل على أنّ رسول الله (ص) كان يرى فيهم تجسيد الرِّسالة وتبلور العقيدة، حتّى جعل سِلمَهُم سِلمَهُ ، وحَربَهُم حَربَهُ ، وكما نعلم فإن سلم رسول الله (ص) هو سِلمُ الله وحربَه هي حربُ الله تعالى . أراد رسول الله (ص) بذلك أن يكون الحسن والحسين محور توحيد الاُمّة ، ومركز التقارب ، وسبب اجتماعها من بعده، فتجتمع اُمّته على حبّهما وولائهما وإمامتهما، عندما يشتدّ الخطب ، وتعصف المحن ، وتتحرّك عناصر الفتنة والفرقة . لقد كان رسول الله (ص) يخطِّط لحماية اُمّته من الفرقة ، وحفظ مبادئه عن طريق ايجاد وتركيز قيادة ـ إمامة ـ يثبِّت هو حبّها وولاءها ، ويدعو إلى الالتزام بها ، فلا يفترق عنها أحدٌ ممّن يؤمنُ برسالته ، وينتهجُ نهجَهُ ، ويشعرُ بشعورِه . فكان هذا التخطيط ، وهذا السلوك أهمّ ما يخلِّفه قائدٌ لاُمّته ، لا للحفـاظ على الرِّسالة السماوية فحسب ، بل لضمان وحدة كلمة الاُمّة وتحقيق تطلّعاتها الرسالية .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|