سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)


فاطمة الطّاهرة

تحدّث رسول الله(ص)،ونطق لسان النبوّة الصادق بمقام فاطمة وزوجها وابنيها ـ الحسن والحسين ـ ،وما كان هذا المأثور عن رسول الله(ص)إلاّ ترديداً لصدى الوحي،وصياغةً لمضمون القرآن،الّذي شهد بالطّهارة وسموِّ المقام،فقد أنزل الله سبحانه فيهم آيات بيّنات، خصّص رسول الله(ص)معانيها في هذه الفئة الطّاهرة ـ فاطمة وزوجها وابنيها ـ ففيهم نزلت آيات التطهير،والمباهلة،والمودّة،وسورة الانسان،وغيرها كثير من آيات الذكر الحكيم.
فقد روى جمع من الرواة أنّ قوله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) إنّما نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، نذكر من هذه الروايات :
قالت اُمّ سلمة :
« في بيتي نزلت : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )، قالت: فأرسل رسول الله (ص) إلى فاطمة وعليّ والحسن والحسين، فقال:(هؤلاء أهل بيتي)»(61).
وما رواه أبو هريرة عن اُمّ سلمة (رض) أيضاً ، قالت :
« جاءت فاطمة (ع) إلى رسول الله (ص) بِبُرْمَة لها ، قد صنعت فيها عصيدة ، تحملها على طبق ، فوضعتها بين يديه ، فقال : (أين ابن عمّك ، وابناك ؟ ) فقالت : (في البيت) ، فقال : (ادعيهم) ، فجاءت عليّاً فقالت : (أجب النبيّ (ص) أنت وابناك) ، قالت اُمّ سلمة : فلمّا رآهم مُقبِلين مدّ يده إلى كساء كان على المنامة ، فمدّه وبسطه ، فأجلسهم عليه ، ثمّ أخذ بأطراف الكساء الاربعة بشماله فضمّه فوق رؤوسهم وأومأ بيده اليُـمنى إلى ربِّه (تعالى ذكره) ، ثمّ قال : ( اللّهمّ هؤلاءِ أهلُ البيتِ ، فأذهِبْ عنهُم الرِّجْسَ وطَهِّرهُمْ تَطْهيراً) »(62).
وأراد رسول الله أن يعرِّف بأهل بيته ، وأن يشخِّص مدلول الآية ، والاشخاص المعنـيين بها ـ كما تحدّث الرواة بذلك ـ فصار يمرّ على بيت عليّ وفاطمة والحسن والحسين ستّة أشهر ، واقفاً ببابهم ، ويردِّد قول الله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
فقد جاء بحديث حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد ، عن أنس :
«أنّ النبيّ(ص)كان يمرّ ببيت فاطمة(ع)ستّة أشهر، كلّما خرج إلى الصلاة فيقول: (الصّـلاةَ يا أهلَ البيتِ،إنّما يريدُ اللهُ ليُذْهِبَ عَنْكُم الرِّجْسَ أهلَ البيتِ ويُطَـهِّركُم تَطْهيراً)»(63).
ويرتبط بهذا المقام الروحي السامي ، والكمال السلوكي الرشيد ، لاهل هذا البيت ، ترك رسـول الله (ص) باب بيتهم مفتـوحاً على مسجده حين أمر بسدِّ أبواب بيوت أصحابه الّتي كانت تؤدِّي إلى المسجد كافّة .
فعن زيد بن الارقم قال :
« كانَ لِنَفر مِن أصحاب الرسول (ص) أبوابٌ شارعة في المسجد قال : فقال يوماً : (سُدّوا هذهِ الابوابَ ، إلاّ بابَ عليّ) ، قال : فتكلّم في ذلك ناسٌ ، قال : فقامَ رسول الله (ص) فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : (أمّا بعدُ ، فإنِّي ما اُمِرْتُ بِسَدِّ هذهِ الابوابِ غيرَ بابِ عليّ ، فقال فيه قائلكم ، وإنِّي واللهِ ما سَدَدْتُ شيئاً ، ولا فَتَحْتُهُ ، ولكن اُمِرْتُ بشيء فاتّبعتُه) »(64).
عن ابن عمر ، أنّ عمر قال :
«لقد اُوتي ابن أبي طالب ثلاثُ خِصال لاَنْ يكونُ لي واحدةٌ منهنّ أحبّ إليَّ مِن حُمُرِ النّعَمِ، زوّجه رسول الله ابنَتَهُ،وولدتْ له،وسَدَّ الابوابَ إلاّ بابَهُ في المسجدِ،وأعطاهُ الرّايةَ يومَ حُنين»(65).
وفي روايات اُخرى نقرأ حادثة تاريخـية عظيمة ، ووحياً قرآنياً يوضِّح مـكانة أهل البيت (ع) ويشخِّص مقامهم الرّفيع عند الله سبحانه .
فقد ذكر المفسِّرون أن قول الله تعالى :
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ).(آل عمران/61).
إنّها نزلت لتحديد موقف الرسول(ص)من نصارىنجران الّذين جاؤوا لمجادَلَتِهِ ومناقشتِهِ والردِّ عليه،فأمرَ الله نبيِّه أن يطلب منهم المباهلةَ،وهي:أن يخرجوا ويخرج النبيّ وأهل بيته،فيدعو كل فريق على الفريق الآخر،ويجعلَ اللّعنةَ على الكاذبين،وأنّ الصّادقَ مَن يُستجاب دُعاؤه.
فاستجاب النصارى لطلب الرّسول (ص) هذا، وخرجوا للمباهلة، وخرج رسول الله ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فكان خروجهم تفسـيراً للآية الكريمة وإفصاحاً عن معناها والاشخاص المعنيين بها، وعندما التقى الفريقان في مكان المباهلة، ونظر وفد النصارى إلى محمّد (ص) وأهل بيته (ع) خافوا وتراجعوا وأيقنوا أن دعوة النبيّ وأهل بيته لا شكّ مُجابةٌ ، فطلبوا من رسول الله (ص) أن يعفيَهُم مِنَ المباهلة فقبل (ص) بذلك وصالحهم على (000 ر80 ) درهم، وعلى أن يُضَيِّفوا رُسُلَ رسول الله (ص) . فقد نقل ابن الاثير في أخبار هذه الحادثة ما يلي :
« وأمّا نَصارى نجران ، فانّهم أرسلوا العاقبٌ والسيِّدٌ في نفر إلى رسول الله (ص) وأرادوا مباهلته ، فخرج رسول الله (ص) ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين ، فلمّا رَأَوْهُم قالوا : هذه وجوه لو أقسمت على الله أن يزيل الجبال لازالها ، ولم يُباهِلوه ، وصالحوه على ألفي حلّة ، ثمنَ كلّ حلّة أربعون درهماً ، وعلى أنْ يُضَيِّفوا رُسُلَ رسول الله (ص) »(66).
وجاء في تفسير الطبرسي لهذه الآية ـ آية المباهلة ـ ما يلي :
« أجمع المفسِّرون على أنّ المراد بـ (أبْنَاءَنَا ) : الحسن والحسين ، قال أبو بكر الرازي ، هذا يدل على أنّ الحسن والحسين ابنا رسول الله (ص) وأن ولدَ الابنة ابنٌ في الحقيقة . ثمّ تابع تفسيره قائلاً : (وَنِسَاءَنَا ) اتفقوا على أنّ المراد بها فاطمة (ع) لانّه لم يحضرِ المباهلةَ غيرُها مِنَ النِّساء ، وهذا يدلّ على تفضيل الزّهراء «فاطمة» على جميع النِّساء ، ويَعضدُهُ ما جاء في الخبر أنّ النبيّ (ص) قال : (فاطمة بَضعة منِّي يُريبُني ما رابها) . وقال : (إنّ الله يغضبُ لغضبِ فاطمة ويَرضى لرضاها) . وقد صحّ عن حذيفة أنّه قال : سمعت النبيّ (ص) يقول : (أتاني ملك فبشّرني أن فاطمة سيِّدة نساءِ أهل الجنّة ، أو نساءِ اُمّتي) . ثمّ قال الطبرسي : (وَأَنْفُسَنَا ) يعني عليّاً خاصّة ، ولا يجوز أن يكون المعني به النبيّ لانّه هو الداعي ، ولا يجوز أن يدعو الانسان نفسَهُ وإنّما يصحّ أن يدعو غيرَهُ ، وإذا كان قوله (وأنفسنا) لا بدّ أن يكون إشـارة إلى غير الرّسول ، وجب أن يكون إشارة إلى عليّ ، لانّه لا أحدَ يَدّعي دخولَ غيرِ أمير المؤمنين عليّ (ع) وزوجته وولديه في المباهلة ، وهذا يدل على غاية الفضل ، وعلوِّ الدرجة،والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد،إذ جعله الله نفس الرسول»(67).
وهكذا يتحدّث القرآن الكريم عن مقام فاطمة وأهل البيت (ع) وبأنّهم هم المُـخْتارَوْنَ للدّعوة المقبولة عند الله سبحانه ، والصفوة في اُمّة محمّد (ص) .
والآيات الواردة في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) كثيرة ، وكلّها توضِّح وتؤكِّد بمعانيها وسبب نزولها مقام أهل هذا البيت ، وعلوّ مكانتهم ، ومن جملة ما نزل فيهم من القرآن آية المودّة فعن ابن عباس قال :
«لمّا نزلت:(قُلْ لاَ أَسْألُكُمْ عَلَيهِ أَجْراً إِلاَّ المَودَّةَ فِي الْقُرْبَى).قالوا:يا رسول الله!مَن قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟قال: (عليّ وفاطمة وابناهما)،أخرجه أحمد في المناقب»(68).
وممّا نزل فيهم أيضاً من القرآن «سورة الانسان»(69) شاهداً ومتحدّثاً بفضلهم ، وعارضاً هذا النموذج مِن طلائعِ الايمان الفذّة ، ومثلاً أعلى في الايثارِ والكرمِ ، وسموّ الاخلاقِ ، والرّحمةِ بالمحـتاجين ، وداعياً للمسلمين إلى الاقتداء بهم والاقتباس من سيرتهم ، فقد ذكر المفسِّرون أنّ آيات هذه السورة «الانسان» من قوله تعالى : (إِنَّ الاْبْرَارَ يَشْرِبُونَ ) ، إلى قوله : (وَكَانَ سَعْيِكُمْ مَشْكُوراً ) نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين وجارية كانت لهم تسمّى فضّة، وقصة هذه الآيات: أ، الحسن والحسين مرضا، فنذر علي وفاطمة وفضّة،على شفاء الحسن والحسين صيام ثلاثة أيالم فشفي الحسنان، فصام علي وفاطمة وفضّة اداءً لنذرهم، ولم يكن عندهم شيء من الطعام يومذاك فاستقرض علي (ع) ثلاثة أصوع شعير، فطحت فاطمة للطعام صاعاً منها، وصنعت خبزاً، وصلّى علي (ع) المغرب، وقدّمت الطعام ليأكلوا، فطرق مسكين بابهم، وطلب طعاماً، فأعطوه طعامهم، ولم يتذوّقوا إلا الماء.
وفي اليوم الثاني صاموا ايضاً، وطحنت فاطمة قسماً من الشعير، ثم صنعت منه خبزاً، وقدّمته الى علي (ع) وإذا بيتيم يطرق الباب، ويطلب من أهل بيت النبوّة أن يطعموه طعاماً، فأعطوه الطعام، أما هم فلم يتذوّقوا شيئاً غير الماء.
وفي اليوم الثالث صاموا كذلك وطحنت فاطمة (ع) ما تبقّى من شعير واختبزته وقدّمته الى علي (ع) وإذا بأسير يطلب منهم طعاماً، فأعطوه له، ولم يتذوّقوا إلا الماء.
فلّما كان اليوم الرابع،وقضوا نذرهم جاء علي ومعه الحسن والحسين(ع)ويها ضعف شديد الى رسول الله(ص)فبكى رسول الله(ص)لما شاهد ما بهما من جوع وضعف،فنزل جبريل(ع)بهذه السورة«سورة الانسان» ومن جملة آياتها الآية المشخّصة للحادثة ذاتها، وهي قوله تعالى:
( ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً واسيراً * إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكُم جزاءً ولا شُكوراً). وهكذا يعرض القرآن أهل بيت النّبوّة نموذجاً للشخصية الاسلامية الذائبةِ في ذات الله ، المتجرّدةِ عَن حُبِّ الدُّنيا وزُخرُفِ الحياة ، المنتصرةِ على شَهوةِ القُرصِ ومُضْغَةِ الطّعام .
يَعرُضُهُم قدوةً في الايثارِ وتقديم الغيرِ على النفسِ، فيقدِّم درساً فريداً في الانتصار على الذات وسموِّ الاخلاق ، والتسامي السلوكي الّذي يُحلِّقُ بالطليعـة المؤمنة إلى مستوى المبادئ والقيم الاسلامية ، بل يُقدِّمُهُم ليعرضَ التجسيدَ العمليَّ للاسلام ، مِن خلالِ عرضِ نموذج حيٍّ للمبادئ والقيم، فيرسم بهذا الحدث لوحةً مرئيّةً إلى جانب آي المبادئ والقيم .
وذلك هدفُهُ ، وتلكَ فلسفتُهُ وحكمتُهُ مِن عرضِ القَصص وضربِ الامثالِ ونقلِ الوقائعِ والاحداثِ ، لينقلَ الانسانَ مِن خلالِ هذا العرض ، وذلك الوصف مِن عالَم الفكرِ والمعرفةِ والنظريّةِ ، إلى ميدانِ العملِ ، وتجسيدِ الحدثِ أو الواقعةِ ، ليتفاعلَ معها الانسانُ بحسِّهِ ووعيِهِ ووجدانِهِ فينفعلُ بها ، ويستفيدُ الدّرسَ والعبرةَ والتجربةَ منها ، لذلكَ يدعونا إلى مودّة أهل البيت (ع) ، والالتزام بحبِّهم . وما كان القرآن لِيقصِدَ بالحبِّ أو المودّةِ إلاّ مودّةَ العقيدةِ ، وحُبَّ العملِ والتعلّقَ بشخصيّات أهلِ البيتِ (ع) الّتي جسّدتِ الاسلامَ سلوكاً في الحياة .
ونحنُ حينَ نعرضُ هذه اللّوحاتِ السلوكيةَ الفذّةَ ، إنّما يهمّنا منها أمران :
الاوّل : إنّ الاسلامَ ليسَ قِيَماً نظريّةً مثاليّةً محضةً ، وإنّما هو تنظيمٌ منهجيٌّ للحياةِ يحقِّقُ أسمى المراتب الحضارية للانسان ، كلَّ حين ، مِن خلال التطبيق العملي .
الثّاني : إنّ أهلَ البيت (ع) ليسوا أصحابَ نظريّات واجتهادات ومذاهبَ ، وإنّما همُ التجسيدُ الحيُّ الصّادقُ للرِّسالةِ ، شاء الله تعالى أن يكونوا كذلك ، فكانوا كما أراد جلّ شأنه .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com