قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)
فاطمة المجاهدة
منذُ أن دخل رسول الله (ص) المدينة المنوّرة كان دائباً على هدم أركان الجاهلية واستئصالِ جذورها وضَرْبِ مواقعها ، فكانت حياته في المدينة المنوّرة حياةَ جهاد وبناء، جهادِ المشركين والمنافقين واليهودِ والصّليبيين، وبناءِ دولتِهِ الاسلامية العظيمة ، ونشرِ الدعوةِ وتبليغِها في كلِّ بقعة يمكن لصوتِ التوحيد أن يصل إليها،فراحَ رسول الله(ص)يُحارِب بالكلمة والعقيدة تارة،وبالسيف والقوّة تارة اُخرى،وبالاسلوب الّذي يمليه الموقف وتفرضه الحكمة. وهكذا جاهدَ رسول الله (ص) ، وقاتلَ في مرحلة حرجة صعبة ، لم يكن يملك فيها من المال والجيوش والاستعدادات العسكرية ما يعادلُ أو يقاربُ جيوشَ الاحزاب وقُوى البغي والضّلال ، الّتي تصدّت لدعـوة الحق والهدى ، بل كانت كلُّ قوّته قائمةً في إيمانِهِ وانتصارِهِ بربِّهِ وبالفئةِ المخلصةِ مِن أصحابه . والّذي يقرأ تاريخ دعوته (ص) وجهاده وصبره واحتماله، يعرفُ عظمةَ هذا الانسانِ الرّسول، ويُدرِكُ قوّةَ عزيمته، ومدى صبرِهِ ورعاية الله ونصره له ، ولاُولئك المجاهدين الّذين حملوا راية الجهاد بين يديه ، فيكتشف النصر ، ومصدر القوّة والمعنوية العالية . ولقد مرّت هذه الفترة الجهادية الصعبة - بكامل ظروفها وأبعادها - بفاطمة (ع) ، وهي تعيشُ بكنفِ زوجها وأبيها ، تعيشُ بروحها ومشاعرها ، وبجهادها في بيتها ، وفي مواساتها ومشاركتها لابيها في شدّتِهِ ومحنتِهِ ، فقد شهدت جهادَ أبيها وصبرَهُ واحتمالَهُ ؛ شاهدتهُ وهوَ يُجرحُ في معركةِ اُحُد وتُكسَرُ رُباعِيَّتِهِ(70) ، ويَخذلُهُ المنافقون ، ويَستشهِدُ عمُّ أبيها حمزةُ ، أسدُ الله ، ونخبةٌ مِنَ المؤمنين معه . فتأتي فاطمةُ أباها وهي تبكي على عمّها لدى رسول الله (ص) ، « وجعل رسول الله (ص) إذا بكَتْ بكى(71) »، وتحاولُ تضميدَ جُرحِ رسول الله (ص) وقطعَ الدمِ الّذي كان ينزفُ مِن جسدِهِ الشّريف الطّاهر ، فكان زوجُها عليّ (ع) يصبُّ الماءَ على جُرحِ رسول الله (ص) وهي تغسلُهُ، ولمّا يَئِسَتْ مِن انقطاع الدمِ أخذت قطعةَ صوف فأحرقتها، حتّى صارت رماداً ، فذرّته على الجرح حتّى انقطع دمُه(72). ويقول الواقدي وهو يتحدّث عن رجوع النبيّ (ص) من معركة اُحد : « وكُنّ جِئنَ ، أربعَ عشرةَ امرأةً ، مِنهنّ فاطمةُ بنت رسول الله (ص) ، يحمِلْنَ الطّعامَ والشّرابَ على ظهورهنّ ، ويَسقينَ الجرحى ويُداوينَهُم »(73). وفي مواقع اُخرى يتحدّث لنا التاريخ عن مشاركة فاطمة (ع) بروحها ووجدانها ومشاعرها لابيها في كفاحه وصبره وجهاده . وعلى عادته،عندما عاد من معركة اُحد،ذهب النبيّ(ص)إلى بيتها(ع)،«وناول سيفه ابنته فاطمة فقال : (اغسلي عن هذا دمَه يا بُنيّة ، فوَالله ، لقد صَدَقَني في هذا اليوم) . وناولها عليّ بن أبي طالب سيفَهُ فقال : (وهذا فاغسلي عنه دمَه ، فوَالله لقد صدقني اليوم). فقال رسول الله (ص) : (لَئِنْ كُنتَ صدقتَ القتالَ، لقد صدقَهُ معك سهلُ بن حنيف وأبو دجانة) »(74)(75). ورُويَ أنّ رسول الله(ص)قدم من غزاة له فدخل المسجد فصلّى فيه ركعتين ، ثمّ بدأ ـ كعادته أيضاً ـ ببيت فاطمة قبل بيوت نسائه، جاءها ليزورها ويسرَّ بلقائها ، فرأتْ على وجهه آثارَ التّعبِ والاجهادِ، فتألّمت لما رأت، وبكت فسألها: « (ما يُبكيكِ يا فاطمة ؟ ) ، قالت : (أراك قد شحُبَ لونُكِ) ، فقال لها : (يا فاطمة ! إنّ الله عزّ وجلّ بعثَ أباكِ بأمر لم يَبقَ على ظهرِ الارضِ بيتُ مَدَر ولا شَعَر ، إلاّ أدخلَهُ به عزّاً أو ذُلاًّ ، يبلُغُ حيث بلغَ اللّيل) »(76). وليست هذه العاطفة، وتلك العناية والمشاركة مع الاب الرّسول (ص) من فاطمة (ع) هي كل ما تقـدِّمه لابيهـا ، بل ويبلغ حبّها لابيها وإيثارها له ، واهتمامها به ، ومشاركتها له في شدّته وعسرته ، أنّها جاءت يوم الخندق ورسول الله (ص) منهمكٌ مع أصحابه في حفر الخندق ، لتحصين المدينة وحماية الاسلام ، جاءت وهي تحمل كسرة خبز « فرفعتها إليه فقال : (ما هذه يا فاطمة ؟ ) قالت : (مِن قُرص اختبزتُهُ لابنيّ ، جئتك منه بهذه الكَسرةِ) ، فقال : (يا بُنيّةُ ! أما إنّها لاوّلُ طعام دخلَ فم أبيك منذُ ثلاث) »(77). وروي: [ أن النبي (ص) عاد فاطمة رضي الله عنها وهي مريضة، فقال لها: (كيف تجدينك يا بنيّة؟) قالت: (اني لوجعة، وانّه لزيدني اني ما لي طعام آكله)، قال: ( يا بنيّة، أما ترضين انك سيدة نساء العالمين؟) قالت: ( يا أبت فاين مريم بنت عمران؟) قال: ( تلك سيدة نساء عالمها، وأنت سيدة نساء عالمك، أما والله لقد زوّجتك سيّداً في الدنيا والآخرة)]. فهذه صورة مشرقة لجهاد المرأة المسلمة ، تَصنعُها فاطمةُ في ظلال رسول الله (ص) ، ولا يبخل أبوها النبيّ (ص) بتقليدها الاوسمة ، ممّا يجعلها القدوة الّتي تُحتَذى في الصّبر، فهي تشارك في صبرها واحتمالها ومشاعرها وامكانياتها، لتشدّ أزر الاسلام، وتكافح جنباً إلى جنب مع أبيها وزوجها وأبنائها في ساحة واحدة وخندق واحد ، لتدوّنَ في صحائف التاريخ درساً عمليّاً تتلقّاه أجيال النِّساء والفتيات في هذه الاُمّة المسلمة ، فيتعلّمنَ حياةَ الايمان ، ويكتشِفْنَ عُمقَ الاثر العملي البنّاء الّذي تتركه عقيدة التوحيد في حياة المرأة المسلمة ، فتشاركُ الرّجلَ في حياته وجهادِهِ ومُهمّاتِ رسالته، بعيدةً عن اللّهو والعبثِ والضِّياعِ، مشغولةً بالعطاء الاجتماعي والبناء الروحي وحمل الرِّسالة وصناعة الاجيال .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|