قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)
فاطمة المحتسبة
ويبسطُ نورُ الرِّسالة إشعاعه في ربوع الجزيرة،ويكِّملُ رسول الله(ص)دينَهُ،ويُبلِّغُ رسالته، ويضعُ اُمّتَهُ على المحجّةِ الواضحةِ،ويُثبِّتُ البناءَ الشامخَ ، رسالةً واُمّةً ، وحضارةً ودولةً . أكمل رسول الله (ص) مهمّته على هذه الارض وآن له أن يلتحق بربِّه ، ويحيا حياةَ الخُلد والنعيم ، فيدنو منه نداءُ الاجل ، ويمرضُ رسول الله (ص) ويشتدّ عليه مرضُهُ ، وفاطمةُ تنظرُ إليه فتشعرُ أنّها هي حاملةُ الالم والمرض ، وينظر (ص) إليها فيراها وقد غاب عنه شخصه الكريم ، ودمعة الحزن والفراق عاجزة عن صهر أحزانها ، فلم يمنعه مرضه من العطف عليها ، وتخفيف الحزن والالم عن نفسها ، خصوصاً وهو يعلم ما ستعانيه فاطمة بفقده ، واُفول ظلّه الكريم من حياتها . جاءت فاطمة لتعود أباها ، جاءته بخطى وئيدة حزينة حتّى قَرُبَتْ منهُ فرحّب بها وهشّ لها ، ثمّ أجلسها إلى جنبه قائلاً: مرحباً بابنتي ، ثم اعلمها بقرب اجله ورحيله ، فبكت لذلك ، ثم اخبرها انها اول اهله لحاقاً به فضحكت فرحا بذلك»(82) مما يدل على شدة تعلقها برسول الله (ص) اذ تختار الموت للقائه عن الحياة بدونه. وتمرّ أيّام المرض ثقيلة وئيدة ، فيعايشها المسـلمون بترقّب وحذر ، وتعايشها فاطمة بحزن وألم ، ويأذن الله لنبيِّه أن يلحقَ به ويَمضي إلى عالمه العُلْوِيّ ، فيختاره تعالى إلى جواره وينتقل إلى الرّفيق الاعلى ، فترزأُ البشريّة بنبيِّها ، وتفقدُ الارضُ كوكبَ الهداية والرّحمة، وتُغلقُ بموتِهِ أبوابُ الخطاب الالهي إلى الابد عن هذه الارض، وتشتدّ الرّزيّة على فاطمة ، ويَعظمُ المصابُ في نفسها ، وتظلُّ تعيشُ بعد أبيها في حزن وألم ، وهي ترقب ساعة اللّحاق به ، والعيش معه في جنّات الخلد . ولم تَعِشِ الزّهراء طويلاً بعد أبيها،وكما أخبرها(ص)أنّها أوّل أهل بيته لحاقاً به،فقد اختلف المؤرِّخون في المدّة الّتي عاشتها فاطمة بعد أبيها،فذهبَ بعضُهم إلى أنّها عاشت خمسةً وسبعين يوماً،وذهبَ آخرون إلى أنّها عاشت ثلاثة أشهر،وقال غيرهم أ نّها عاشت ستّة أشهر. ولقد عاشت فاطمة هذه المدّة الوجيزة صابرةً مُحْتَسِبةً ، قضتها بالعبادة والانقطاع إلى الله سبحانه ، كما ساهمت فيها مساهمة فعّالة في شؤون الرِّسالة والاُمّة كقضيّة الخلافة والبيعة، فقد كانت فاطمة نقف إلى جانب الامام علي (ع)، وترى ان الخلافة لعلي بعد رسول الله (ص)، وكانت تلتقي بالمهاجرين والأنصار وتحاورهم في أمر الخلافة. وانّ خلافاً وقع بين أبي بكر وفاطمة (ع) ، وبينها وبين عمر ، حول فدك (83) الّتي هي نِحْلَةُ أبيها الّتي كان (ص) قد نحلها إيّاها أيّام حياته فجاءت تطالبه بها وبما أفاء الله على أبيها (ص) بالمدينة وبخُمس خيبر ، فرفضَ أبو بكر أن يعطيها شيئاً ، وردّ شهادة عليّ والحسنين ، فطالبته بالميراث من أبيها ، فقال لها : إنّ رسول الله قال : «لا نورث» ما تركناه صدقة ، وقد دار بينها وبين أبي بكر حوار طويل كانت نتيجته أنّ أبا بكر لم يتراجَع عن رأيه ، وتمسّكت فاطمة برأيها ، وأكّدت أنّ لها من ميراث أبيها ما لغيرها من المسلمين من مواريث آبائهم ، وقد وَرِثَ النبيُّ سليمانُ داودَ ، كما نصّ القرآن على ذلك ، قال تعالى : (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ)(84)،كما أن زكريّا يدعو الله تعالى أن يرزقُهُ مَن يَرِثُهُ ، فرزقهُ يحيى : (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً *يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم اسْمُهُ يَحْيَى)(85). ولم تقبل تبرير أبي بكر بل قالت له : أفي كتاب الله أن ترثَ أباك ولا أرثُ أبي؟ ... إلى أن قالت : وزعمتم ألاّ حُظوة لي ، ولا إرث مِن أبي ، لا رحم بيننا ، أفخصّكم الله بآية أخرجَ منها أبي ؟ أم هل تقولونَ أهلُ ملّتين لا يتوارثانِ ، ولستُ أنا وأبي مِن أهل ملّة واحدة ؟ ! أم أنتم أعلمُ بخصوصِ القرآن وعمومِهِ مِن أبي وابن عمّي ؟ ... إلى آخر خُطبتها العظيمة . وقد ظلّت مِلْكيّة فدك تتقاذفُها السياساتُ ، فلمّا حكمَ الخليفةُ الاموي عمر بن عبدالعزيز ، ردّها على أولاد فاطمة وعليّ بن أبي طالب ، فلمّا لامَهُ أقارِبُهُ ، ذكّرهم بحديث رسول الرسول (ص) : « فاطمةُ بَضعةٌ منِّي ، يُسخِطُها ما يُسخِطُني ويُرضيني ما أرضاها »(86). فلمّا توفِّي اغتصبها الحكّامُ الامويون مرّةً ثانيةً ، وعند قيام الدولة العباسية ردّها أبو العباس السفّاح إليهم ، إلاّ أنّ أبا جعفر المنصور أخذها منهم ، ثمّ أعادها الخليفةُ المهديّ إلى وُلْدِ فاطمة مرّة اُخرى ، وأخـذها منهم الخليفة موسى الهادي وهارون الرّشيد ، فلمّا جاء المأمون ردّها على ولد فاطمة ، وقد نشر كتاباً على اُناس في ذلك ، وهو طويل ، وممّا جاء فيه : «قد كانَ رسولُ الله(ص)قد أعطى فاطمةَ بنتَ رسولِ الله(ص)فَدَكَاً،وتصدّقَ بها عليها،وكانَ ذلك أمراً معروفاً،لا اختلاف فيه بين آلِ رسول الله(ص)... فَلَئِنْ كانَ يُنادى في كلِّ موسم ـ بعدَ أن قبضَ الله نبيَّه(ص) ـ أن يُذكر كلّ مَن كانت له صَدَقَة أو هِبَة أو عِدَة ذلك ، فيُقبل قوله وتُنفّذ عِدَتُهُ،إنّ فاطمة رضي الله عنها لاَوْلى بأن يُصَدَّق قولُها فيما جَعلَ(ص) لها»(87). فلمّا صارت الخلافة للمتوكِّل ـ وهو أشدّ الناس بغضاً لاهل البيت (ع) ، كما هو معروف تاريخياً ـ سلبها منهم .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|