قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الصِدِّيقة فاطمة الزّهراء (عليها السلام)
فاطمة الفقيدة
لقد أثّرت الاحداث بعد وفاة الرسول (ص) ولِما تعرّضت له فاطمة (ع) من أذىً ، فاشتدّ عليها الحزنُ والاسى ، وازداد بها المرضُ فَغَدَتْ نحيلة سقيمة وبقيت تعاني من شدّة المرض أربعين ليلةً ، حتّى وافاها الاجل المحتوم ، فكانت كما وعدها الصادق الامين ، أوّل أهل بيته لحاقاً به ، وعلى الرغم من اشتداد الالم ، فإنّ فاطمة كانت تبدو في اليوم الاخير من حياتها وكأنّها تتماثل للشفاء ، فقد قامت من فراشها وغسلت ولديها الحسن والحسين ، وألبستهما ثيابهما ، ثمّ طلبت منهما أن يزورا قبر جدّهما رسول الله (ص) ، وعلى الرّغم ممّا بدا عليها من تحسّن في صحّتها ونشاطها ، إلاّ أنّها كانت تستعد للرحيل ، وتُسْرِعُ الخُطى للّحاق بأبيها (ص) فطلبت من أسماء بنت عميس أن تُحضِر لها ماء لتغتسل به ، فاغتسلت،ولبست أحسنَ ثيابها. وعندما أحسّت بالاجل يدنو ، وبأنّها تُنعى إلى نفسها طلبت من أسماء أن تضع لها فراشاً وسط البيت ، فاضطجعت في فراشها ، وهي مستقبلة القبلة ، ثمّ دعت أسماء واُمُّ أيمن ، وطلبت إحضار عليّ بن أبي طالب (ع) ، فحضر عليّ (ع) ، فقالت : « (يا ابن العم ! إنّه قد نُعيَتْ إليَّ نفسي ، وإنّني لا أرى ما بي إلاّ أنّني لاحقة بأبي ساعةَ بعد ساعة ، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي) ، قال لها عليّ : (أوصيني بما أحببتِ يا بنتَ رسول الله) ، فجلسَ عندَ رأسِها ، وأخرجَ مَنْ كانَ في البيتِ ، ثمّ قالت : (يا ابن العم ! ما عهدتَني كاذِبَةً ولا خائِنَةً ولا خالفتُكَ منذُ عاشَرْتني) ، فقال : (مَعاذَ الله ، أنتِ أعلمُ ، وأبرُّ ، وأتقى ، وأكرمُ ، وأشدُّ خَوْفاً مِنَ الله مِنْ أنْ اُوبِّخك بمخالفتي ، وقد عزّ عليَّ مُفارِقَتُكِ وفَقْدُكِ ، إلاّ أنّهُ أمرٌ لا بُدَّ منه ، واللهِ لقد جَدّدتِ عليَّ مصيبة رسول الله (ص) ، وقد عَظُمَت وفاتُكِ وفَقْدُكِ فإنّا للهِِ وإنّا إليهِ راجِعون مِن مصيبة ما أفجعها وآلمها وأحزنها ، هذه والله مصيبةٌ لا عزاءَ عنها ، ورزيّةٌ لا خلفَ لها) ، ثمّ بكيا جميعاً ساعة ، وأخذ عليّ رأسها وضمّها إلى صدره ، ثمّ قال : (أوصيني بما شِئتِ ، فإنّكِ تجدينَني وفيّاً ، أمضي كل ّما أمرتيني به ، وأختارُ أمرَكِ على أمري) ، ثمّ قالت : (جزاكَ الله عنِّي خيرَ الجزاء ، يا ابن عمّ ! أوصيك أوّلاً أن تتزوّجَ بعدي بابنة اُختي أمامة ، فانّها تكون لِوِلْدي مثلي فإنّ الرّجالَ لا بدّ لهم مِنَ النِّساء)». ثم قالت: أوصيك أن لا يشهد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني ولا تترك أن يصلي علي احد منهم ، وأدفني في الليل اذا هدأت العيون ونامت الأبصار»(88). وقد أتمّت وصيتها ، وكانت قد بدأتها بتلك الكلمة ، كلمة الاعتذار من محسن لا يسيء ، وبتلك المشاعر ، بمشاعر الحب والاخلاص من زوجة وفيّة مخلصة لزوج مخلص أرادت فاطمة أن تختمَ بها علاقةَ الحياة الزوجية المثلى بينها وبين عليّ (ع) ، فلم يملكْ بطلُ المعارك وقاهرُ الصناديد أمامَ هذه الكلمات الدافئة الحزينة ، إلاّ أن ينفجرَ باكياً ، وإلاّ أنْ ينطلق حزيناً ، وإلاّ أنْ يَضُمَّ فاطمة إلى صدره ، وهو يدري أنْ لا لقاءَ إلاّ في ظلال رسول الله (ص) . وفي لحظات الفراق ، وساعة الوداع لا يحضر في النفس شيء كحضور الاحبّة وتصوّر الغياب ، ولم يكن لفاطمة في دنيا الناس شيءٌ أحبُّ مِن ولديها الحسنين وبناتها الصِّغار ، لذلك تابعت الوصـيّة فكانت آخر ما نطقت به بعد الاعتذار إلى أمير المؤمنين (ع) هي العناية بالحسنين وبناتها الصِّغار ، وأن يتزوّج بأمامة بنت اُختها زينب ، لشدّة حبّ أمامة لابناء فاطمة وقُربِهِم منها(89) ، لتعوِّضَهُم حَنانَ الاُمومةِ ، وتحنو عليهم بقلب الحبّ والرّعاية . وتودِّع فاطمة عليّاً وأهل بيته ، وترتفع روحها الطاهرة إلى عالم الخلد والنعيم ، ويُصوِّتُ الناعي بفقدِ فاطمة، وتضطرِبُ المدينةُ ، وتُروّعُ القلوبُ المؤمنةُ بفقدِ فاطمة ، بقيّةِ رسول الله (ص)، وفرعِ النبوّة ، وتجتمع نساء بني هاشم ونساء المهاجرين والانصار ويحتشدُ أهلُ المدينة ببابِ عليّ (ع) ، وقد ذُكَّرَ الخَطْبُ بيومِ رسول الله (ص) ، فاُحيط بيت فاطمة بالعَبَرات وآهات الحزن والاسى ، وكانَ الحشدُ ينتظرُ أن يُشيّعَ الجسدُ الطّاهرُ إلى مثواهُ الاخير ، إلاّ أنّ عليّاً أخرجَ إليهم سلمان ـ أو أبا ذر ـ وأمره أنْ يصرفَ الجميعُ ، فإنّ فاطمة أوصَتْ أنْ لا يشيِّعها الناسُ ، وأنْ لا يدخلَ على جثمانها أحدٌ ، وفعلاً فقد قامَ الامام عليّ بتغسيلِها ، ولَمْ يُشارِكْهُ أحَدٌ مِنَ النِّساء إلاّ أسماءُ بنتُ عُمَيْس(90 )، وكان الحسنانِ يَحملانِ الماءَ، ويُدخِلانِهِ إلى المُغْتَسَلِ، ولَمْ يُشارك في الغُسْلِ ولَمْ يَحضَرْها غيرُهُ ، وغيرُ الحسنينِ وزينبُ واُمُّ كلثوم وفضّةُ جاريتها وأسماءُ بنتُ عُمَيْس ، ثمّ صلّى عليها عليّ (ع) وكفّنها ، وبقي الجثمان الطّاهر حتّى هجعتِ العيونُ ، وغطّى اللّيلُ سماءَ المدينةِ الحزينَ فوضعَها على نعش (91) صنعتهُ أسماء بنت عُمَيْس لفاطمة(رض)،وحُمِلَ الجثمان ليلاً(92) إلى البقيعِ ، كما في بعض الرّوايات ، والمشيّعونَ : عليٌّ والحسنانِ وعمّارٌ والمقدادُ وعقيلٌ والزُّبيرُ وأبو ذرٍّ وسلمانُ وبُريدَةُ ونفرٌ من بني هاشم ، واُودِعَ الجثمانُ الطّاهرُ هناك ، وغُطِّيَ أثرُ القبرِ لِئَلاّ يُعرَفُ !! ويُذكَرُ أنّ عليّاً (ع) حينَ أنزلَ فاطمة هاجَتْ بهِ الاحزانُ ، وازدحَمتْ في نفسِهِ ، وعَظُمَ عليهِ الفراقُ ، وكَبُرَ عليهِ الموقِفُ ، وهوَ يرى دموعَ الحُزنِ تتواثَبُ مِن عيني الحسنينِ ، على قبرِ فاطمة ، فوقفَ على قبرِها مُعبِّراً عمّا في نفسِهِ مِن حُبٍّ لها ، ووفاء لِزَوْجِيَّتِها ، وحُزْن على فراقِها ، ووفاء لابيها (ص) فحول الى قبر رسول الله (ص) ثم قال: « السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك وزائرتك النازلة في جوارك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار الله لها سرعة اللحاق بك. قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ورق عنها تجلدي الا أن في التاسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موقع تعز.. انا لله وانا اليك راجعون ، قد استرجعت الوديعة اخذت الرهينة واختلست الزهراء ، فما اقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله .. والى أشكو وستنبئك ابنتك بتضافر امتك على هضمها ، فاحفها بالسؤال واستخبرها الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد الى بثة سبيلا ، وستقول ويحكم الله والله خير الحاكمين .. فبعين الله تدفن ابنتك سرا وتهضم حقا وتمنع إرثها ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر ، الله الى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله احسن العزاء صلى الله عليك ، وعليك وعليها السلام والرضوان»(93). وهكذا طوت الزّهراء فاطمة صفحةَ الحياة، لتبدأَ مرحلةَ الخلودِ في عالَمِ الفردوسِ، ولتحيا أبداً في ضميرِ التأريخِ ودنيا الاسلام .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|