قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسن بن عليّ (عليه السلام)
أوّلاً ـ في عهد أبيه (عليه السلام)
لقد تميّز دور الامام السبط في عهد أبيه ، وفي أيّام خلافته على وجه التحقيق ، بالخضوع التام لابيه قُدوةً وإماماً ، وقد كان يتعامل معه لا كابن بارٍّ له فحسب ، وإنّما كجندي مطيع ، بكل ما تحمله كلمة الجندية من مضامين الطاعة والانضباط ، الواعية المدركة لمسؤولياتها . ومن أجل ذلك فقد كان دوره طوال الايّام الحاسمة الّتي عايشها والده الامام عليّ (ع) يتجلّى في تجسيد مفهوم الانقياد لامامه وملهمه . وهذه بعض مهامه في هذا الشوط من حياته : أ ـ عندما تعرّض معسكر الامام عليّ (ع) إلى العدوان على أثر تمرّد طلحة والزُّبير في البصرة ، وقيام حركة البغاة في الشام بقيادة معاوية بن أبي سفيان ، احتاج الامام (ع) إلى إسناد جماهير الكوفة للذود عن الحق ، وإخماد الفتنة الّتي أجَّجها روّادها ، وقد اختار الامام عليّ (ع) نجله الحسن (ع) لهذه المهمّة ، لِشَحْذِ هِمَمِ أهل الكوفة ، وحملهم على دعم الموقف الاسلامي الاصيل ، الّذي يمثله الامام عليّ (ع) ، فاستجاب الامام الحسن لطلب أبيه وغادر إلى الكوفة بصحبة عمار بن ياسر ، وهو يحمل كتاب أبيه الامام إلى أبي موسى الاشعري عامله على الكوفة ، يبلِّغه فيه باستغنائه عن خدماته ، بسبب تحريضه الناس على القعود عن نصرة عليّ (ع) ، وعدوله عن الحق المبين . وما أن بلغ الامام السبط الكوفة حتّى انهالت عليه الجموع معلنة الولاء والنصرة ، فألقى فيهم خطاباً أيقظ من خلاله الهمم ، وبعث النشاط ، وحفَّز النفوس على حمل راية الجهاد . وقد نجح(ع)في استنفار الجماهير لنصرة الحق،والذّود عن الرِّسالة ، ودولتها الكريمة (23) . ب ـ انتهت معركة الجمل في البصرة،وسرعان ما تحرّكت قوى أهل الشام بقيادة معاوية لتأخذ مواقعها في صفين ، واُحيط الامام عليّ (ع) بنبأ تحرّك الحزب الاموي ، فأطلَعَ جُندَهُ على الامر ، واستشارهم فيه ، فأظهروا الطّاعة والانقياد لامير المؤمنين (ع) ، وفي الاثناء وقف الامام الحسن خطيباً بين الجماهير ، موقظاً العزائم باعثاً العزم والنشاط في النفوس : « الحمدُ لله لا إله غيره،وحدَهُ لا شريكَ له،واُثني عليهِ بما هو أهلُه . إنّ ممّا عَظُمَ لله عليكم مِن حَقِّهِ ، وأسبغَ عليكم مِن نِعَمِهِ ما لا يُحصى ذِكرُهُ ، ولا يُؤدّى شُكرُهُ ، ولا يبلغُهُ صفةٌ ولا قولٌ ، ونحنُ إنّما غَضِبنا لله ولكم ، فإنّه منَّ علينا بما هو أهله أنْ نشكرَ فيهِ آلاءه وبلاءه ونعماءه ، قولاً يصعد إلى الله فيه الرِّضا ، وتنتشر فيه عارفةُ الصِّدق ، يُصَدّقُ الله فيه قولَنا ، ونستوجب فيه المزيد من ربّنا ، قولاً يَزيدُ ولا يَبيدُ ، فإنّه لم يجتمع قوم قطُّ على أمر واحد إلاّ اشتدّ أمرهم، واستحكمت عقدتهم، فاحْتَشِدوا في قتالِ عدوّكم معاوية وجنوده ، فإنّه قد حضر ، ولا تخاذلوا ، فإنّ الخذلان يقطع نياطَ القلبِ ، وإنّ الاقدام على الاسنّة نجدةٌ وعصمةٌ ، لا نّه لم يمتنع قومٌ قطُّ إلاّ رفعَ الله عنهم العلّة وكفاهم جوائحَ الذِّلّة وهداهم إلى معالمِ الملّة » (24) . وهكذا انصبَّ بيان الامام السبط (ع) على توثيق أواصر الوحدة، ورصِّ الصفوف، وجمع الكلمة ، لمواجهة الحزب الّذي يقوده معاوية وحفنةٌ مِنَ النّفعيِّين . ج ـ كان الامام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(ع)قد حذّر من التحكيم لا نّه خدعة،وبعد مهزلة التحكيم ، الّتي انتهت بخذلان أبي موسى الاشعري للامام عليّ (ع) ، ساد الاضطراب معسكر الامام وتصدّع أ يّما تصدّع ، وجعل كل فريق يتبرّأُ من الفريق الاخر ، ويشتم بعضهم بعضاً ، فقرّر الامام عليّ (ع) أن يجلي للقوم حقيقة الموقف ، في كون التحكيم فاسداً ، لنأيهِ عن الحقِّ والمنطق ، وأسند مهمّة ذلك للامام السبط أبي محمّد الحسن (ع) ، قائلاً : « (قُمْ ، يا بُنيَّ ! فقُلْ في هذين الرّجلين : عبدالله بن قيس ((25)) ، وعمرو بن العاص) ، فقامَ الامام السبط خطيباً ليجلي حقيقة الموقف : (أ يُّها الناسُ! قد أكثرتُم في هذين الرّجلين ، وإنّما بُعِثا ليحكما بالكتاب على الهُدى، فحكما بالهوى على الكتاب ، ومَن كان هكذا لم يُسمَّ حكماً ولكنّه محكوم عليه ، وقد أخطأ عبدالله بن قيس إذ جعلَها لعبدالله بن عمر ، فأخطأ في ثلاث خصال : واحدة أ نّه خالفَ أباهُ إذ لم يَرْضَهُ لها ، ولا جعله في أهل الشورى ، واُخرى أ نّه لم يستأمره في نفسه ، وثالثها : أ نّه لم يجتمع عليه المهاجرون والانصار الّذي يعقـدون الامارة ويحكمون بها على الناس . وأمّا الحكومة ، فقد حَكّمَ النبيّ (ص) سعد بن معاذ ، فحكم بما يرضي الله به ، ولا شك لو خالف لم يرضه رسول الله (ص) ) » (26) . وهكذا وضع الامام السبط النقاط على الحروف ، وكشف عن زيف التحكيم ، وأبان خطأ أبي موسى الاشعري الّذي انتخبته الغوغاء من جيش الامام عليّ وفرضته على الموقف دون رويّة وتدبّر ، والرّجل معروف بسوء طويلته . لقد أوضح السبط بعض أخطائه ، ومنها خلعه للامام عليّ وتسميته عبدالله بن عمر بن الخطّاب خليفة للمسلمين ، وهو أمر ينطوي على أخطاء ثلاثة دون سائر الاخطاء الّتي خرج بها تحكيمه الهزيل : أوّلها : إنّ عمر بن الخطاب حين عيّن الستّة للشورى عند اقتراب أجله لم يجعل ابنه عبدالله واحداً منهم لعلمه أ نّه لم يُرفَعْ إلى مستوى خلافة النّاس وقيادتهم العامّة. وثانيها : إنّ البيعة كما كان سائداً آنذاك ، إنّما يعقدها المهاجرون والانصار ومن بعدهم تكون بيعة الاُمّة ، فكيف جاز للاشعري أن يعقد أمراً من وراء ظهورهم ؟ وثالثها : إنّ الاشعري حين عيّنه في تلك السّاعة لم يكن ليستطلع رأيه في ذلك ، ولم يعلم هل أ نّه يواجه ما صرّح به (الاشعري) بالرفض أم القبول ، فالرجل لا علم له بالامر ابتداءً ولم يأخذ رأيه في تلك المسألة التاريخية . ثمّ إنّ السـبط (ع) ضرب للناس مثلاً على التحكيم الواقعي المرضي عند الله ، فذكرَ تحكيم الرّسول (ص) لسعد بن معاذ ، في قضية بني قريظة بعد انتصار الرسول (ص)، حيث نطق بالحق، وبما أراده الله تعالى من قتل للمقاتلين منهم وسبي ذراريهم . د ـ اشتراك السبط (ع) إلى جانب ذلك في جميع حروب والده الامام عليّ (ع) في البصرة، والنهروان، وصفين، وكان له دوره الحاسم فيها ، حيث خاض تلك المعارك ، وأخمدَ تلكَ الفِتَنَ، متجرِّداً عن كل دافع أو باعث، سوى الحرص على منهج الاسلام . هذه بعض المواقف العملية الّتي نهض الامام السبط (ع) بها في عهد أبيه (ع) ، حيث تمثِّل الحلقة الاُولى من دوره الرِّسالي في دنيا المسلمين .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|