قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسن بن عليّ (عليه السلام)
ثانياً ـ أيّام حكمه :
بدأ الشوط الثاني من دور الامام (ع) في دنيا الاسلام بعهد أبيه له بالامامة ، فعلى أثر تعرّضه للاعتداء الاثيم الّذي ارتكبه ابن ملجم وآخرون ، أوصى الامام الراحل (ع) إلى ولده الحسن بقوله : « يا بُنيَّ ! إنّه أمرني رسول الله (ص) أن أوصي إليك وأدفع إليك كتبي وسلاحي ، كما أوصى إليَّ ودفع إليَّ كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين) ، ثمّ أقبل على ابنه الحسين فقال : (وأمركَ رسول الله (ص) أن تدفعها إلى ابنك هذا) ، ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين وقال له : (وأمركَ رسول الله (ص) أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن عليّ ، فأقرئه من رسول الله ومنِّي السلام) » (27) . ثمّ أشهد على وصيّته تلك الحسين ومحمّداً ابنه،وجميع أولاده،ورؤساء شعيته وأقطابهم. على أنّ آخر أيّام الامام عليّ (ع) قد طفحت بالعديد من الوصايا التوجيهية ، من أجل إقامة الحق ، والتزام جانبه ، وكان أغلبها ينصب على أولاده ، ويخص منهم الامام الحسن (ع) بالذات ، تأكيداً لخلافته له وإمامته بعده . وبعد رحيل الامام عليّ (ع) إلى الرفيق الاعلى هبّت الكوفة إلى المسجد فزعة مذهولة لهول المصاب الاليم ، فوقف السبط (ع) بين تلك الكتل البشرية الهائلة ، يوجِّه أوّل بيان له بعد رحيل القائد العظيم (ع) : « لقد قُبِضَ في هذه اللّيلةِ رَجلٌ لم يَسْبقْهُ الاوّلون ، ولم يُدْرِكْهُ الاخرون ، لقد كان يجاهدُ مع رسول الله (ص) فيقيهِ بنفسهِ ، وكان رسولُ الله (ص) يوجِّهُهُ برايَتِهِ فيكنفُهُ جبرئيلُ عن يمينه وميكائيلُ عن يساره ، فلا يَرجعُ حتّى يفتح الله على يديه ، ولقد توفِّي في هذه اللّيلة الّتي عرج فيها عيسى بن مريم (ع) وفيها قبض يوشع بن نون ـ وصيّ موسى (ع) ـ ، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سـبعمائة درهم فضلت من عطائه » (28) . إلى هنا توقّف الامام الحسـنُ عَنِ الاسْـتِرْسالِ بخطبته،حيث أرسلَ دموعه مِدراراً،بعد أن تمثّلت له صورة الرّاحل العظيم(ع)وأعماله ومواقفه الخالدة، وشاركه الحاضرون في البكاء. ثمّ استأنف بيانه قائلاً : « أ يُّها الناسُ ! مَنْ عرفني فقد عرفني ، ومَنْ لم يعرفني ، فأنا الحسنُ بن عليّ ، وأنا ابنُ النبيّ ، وأنا ابنُ الوصيّ ، وأنا ابنُ البشيرِ النذير ، وأنا ابنُ الدّاعي إلى الله بإذنه ، وأنا ابنُ السِّراجِ المنير ، وأنا مِنْ أهلِ البيتِ الّذي كانَ جبريلُ ينزل إلينا ، ويصعدُ مِن عندنا ، وأنا مِنْ أهلِ البيت الّذينَ أذهبَ اللهُ عنهم الرِّجسَ وطهّرهُم تطهيراً ، وأنا مِن أهلِ بيت افتَرَضَ اللهُ مودَّتهم على كلِّ مسلم ، فقال تبارك وتعالى لنبيِّه (ص) : (قُل لاَ أَسْأَ لُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً)((29))،فاقتراف الحسنة مودَّتنا أهل البيت»(30). وبهذا عرض الامام السبط (ع) مواصفات القائد الراحل (ع) كما عرض مؤهلاتِهِ هو ، ومكانَتَهُ في دنيا الاسلام والمسلمين ، وكونَهُ الاوْلى بقيادة سفينة المسلمين ، إلى حيث الحقِّ الالهي ، دون سواه من البشر . وما أن أنهى الامام خطابه حتّى نهض ابن عباس يحفِّز الناس على البيعة ، وهكذا كان ، فقد بويع الامام (ع) . وحيث تمّت البيعة للحسن السبط (ع) خليفة وأميراً للمؤمنين في الكوفة،وفي أمصار اُخرى فيما بعد،وتناقلت الانباء أمر رحيل عليّ(ع)إلى ربّه وانتقال الخلافة إلى نجله السبط (ع). شَمُتَ معاويةُ بوفاةِ عليّ (ع) واحتفلت عاصمتُهُ ، وعَمَّها السّرور !! بيدَ أنّ معاوية قد هزَّهُ أمر بيعة الامام الحسن (ع) ، فدعا مستشاريه وقادة أتباعه ، إلى عقد مؤتمر طارئ في بلاطه للتشاور حول الاحداث الجديدة ، ولرسم سياسته الّتي يواجه بها الامام الحسن (ع) ، فقرّر المؤتمرون بثّ الجواسيس في داخل المجتمع الاسلامي الّذي يقودُهُ الامام الحسن (ع) لبثِّ الارهابِ وإشاعةِ الدّعاياتِ ضدّ حكم أهل البيت (ع) لمصلحةِ الفتنةِ في الشام ، في الوقت الّذي يمارسُ الحزبُ الامويُّ عملاً واسعاً لكسبِ الزعاماتِ والوجوهِ المؤثِّرةِ في سيرِ الاحداثِ في العراقِ لصالحِ الحزبِ الاموي ، وذلك من خلال الرّشاوي والوعود المغرية والهدايا والتهديد والوعيد ، وإلى غير ذلك . وقد بادر معاوية فوراً إلى وضع خطط المؤتمـر موضع التنفيذ ، فشكّل شبكةً تجسّسية ، وعيّن للنهوض بمهامها رجلينِ مِن أمكر رجاله أحدهما «حميري» أرسله للكوفة ، وآخر «قيني» أرسله للبصرة (31) . على أنّ خطط الامام السبط (ع) القاضية بإحكام أجهزة الدولة وبنائها بناءً راسخاً ، سرعان ما آتت اُكُلَها بكشف الخطط الامويّة (32) . وعلى أثر كشف نيّات معاوية المناوئة لدولة أهل البيت (ع) ، أرسل الامام الحسن السبط كتاباً إليه يتوعّده ويهدِّده بالحرب : « أمّا بعد ، فإنّك دَسَسْتَ إليَّ الرِّجالَ ، كأ نّك تُحِبُّ اللِّقاءَ ، لا أشك في ذلك ، فتوقّعه إن شاء الله ، وبلغني عنك أ نّك شمتَّ بما لم يَشْمُتْ به ذوو الحجى ، وإنّما مَثَلُكَ في ذلك كما قال الاُوَل : فأنا ومن قد ماتَ منّا لكالذي يروحُ فَيُمْسي في المبيتِ ليغتدي فقُلْ لِلّذي يبقى خلاف الّذي مضى تجهّر لاُخرى مثلها فكأنْ قَدِ » (33) وقد راوغ معاوية برسالة جوابية ادَّعى فيها عدم شماتته بموت الامام عليّ (ع) ، ممّا لَسنا بصدد ذكره هنا . وتبودلت الرسائل بين الامام السبط (ع) ومعاوية ، وكان أهمّها كتاب السبط (ع) لمعاوية بوجوب التخلِّي عن انشقاقه والانضـواء تحت لوائه الشرعي ، ثمّ تصـاعد الموقف بعدها حتّى كتب معاوية إلى الامام السبط كتاباً يطلب منه التنازل عن الحكم !! والانضواء تحت حكمه على أن تكون الخلافة له من بعده . فتأمّلِ الخُداعَ والمُساوَمات !! غير أنّ الامام أجابه بكتاب وجيز يحمل روح الاصرار والحزم : « أمّا بعد ، فقد وصل إليَّ كتابُكَ تذكرُ فيه ما ذكرتَ ، وتركتُ جوابَكَ خَشيةَ البغي ، وباللهِ أعوذُ من ذلك ، فاتّبِعِ الحقَّ تعلمْ أنِّي مِن أهلِهِ ، وعليَّ إثمٌ أنْ أقولَ فأكْذِبَ ، والسّلام » (34) . وانقطعت الرسائل بعد ذلك ، وتفاقم الموقف ، وأعلنت حالة الحرب بين الطرفين . وكان معاوية هو البادئ بإعلان الحرب من جانبه ، فحرّك جيوشه نحو العراق . وردّدت آفاق الدولة الاسلامية أنباء التحرُّكات الامويّة باتّجاه العراق ، ممّا جعل الامام السبط (ع) يبادر إلى إعلان الدفاع لمواجهة العدوِّ الزّاحف . فقد أذاع الامام بياناً دعا فيه الاُمّة إلى حشد طاقاتها والتجهّز للحرب : «أمّا بعد،فإنّ الله كتبَ الجهادَ على خلقِهِ وسمّاهُ كُرهاً،ثمّ قال لاهل الجهاد من المؤمنين: (اصْبُرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)،فلستم أ يُّها الناس نائلين ما تُحبّون إلاّ بالصّبر على ما تكرهون...اُخرجوا رَحِمَكُمُ اللهُ إلى مُعسكرِكُم بالنُّخيلة حتّى ننظرَ وتنظروا ونرى وتروا»(35). وممّا يحزّ في النفس أنّ الجموع الّتي استمعت إلى بيان الامام السبط (ع) كانت قد غمرتها الاشاعات والدعايات الامويّة ، فبدلاً من أن تهبَّ للدفاع عن الحق الصراح ، اُصيبت بالذهول ولفّها الارتباك ، فواجهت إمامَها الحقَّ ببرود تام ، ولم تحظ دعوته للتجهُّز للحرب والاستعداد له وتحمّل مسؤوليات الجهاد بالقبول . فقد برزت معالم إيثار العافية والقناعة بالامر الواقع جليّةً على سلوك بعض القوم ، وأغرتْ أموالُ الحكمِ الاموي قوماً آخرين . ولقد اُصيب الامام (ع) بخيبة أمل ، حين تكشّف له واقع الجماهير الّتي يقودها ، والّتي كان يرى فيها القاعدة الّتي يستند إليها في دَرْءِ الاخطار المحدقة بالرسالة الاسلامية ، من جرّاء نشاط الحزب الاموي المعادي . ووسط تلكَ الكُتَلِ البشرية الهامدة ، الّتي فقدتْ إحساسَها وحيويتها بمجرّد هزّة بسيطة ; نتيجة لضعف الرّصيد الايمـاني في تركيبها الرّوحي ; ونتيجة لعدم إدراكها لمهمّاتها التأريخية في حفظ الرِّسالة الالهيّة من تيّار الفتنة المتصاعد ; ونتيجة لعدم إدراكها لدور خطّ الامامة الّذي يقوده الامام السبط (ع) في الحياة الاسلامية ، ومدى ضرورة إطاعته والذّود عنه كممثِّل حقيقي للاسلام الّذي تنزّلَ به الوحي على رسوله الكريم (ص) ، وسطَ تلكَ الكُتَلِ المذهولة المهزومة ، جلجلَ نداءُ النفرِ المخلصين للاسلام وقادة ركبِهِ الحقيقيين من أهل البيت (ع) ، فعـبّروا عن إخلاصهم الّذي لا يعرف التراجُعَ وصبّوا لومَهُم على تلك الجموع المتخاذِلة ، وتقحّموا الموقفَ بِجُرأة وثَبات . وكان في طليعة اُولئك المتّقين المخلصين : عَديُ بنُ حاتم الطّائي ، وقيسُ بنُ سعدِ ابن عبادة الانصاري ، ومَعقِلُ بنُ قيس الرِّياحي ، وزيادُ بن صَعْصَعة التيمي(36) . فقد أ نّبوا الناس ولاموهم وحرّضوهم على النهوض بمسؤوليّاتهم الرساليّة، والتفتوا في ذات الوقت لامامهم السبط (ع) وشدّوا على يديه ، وعاهدوه على المضي قُدُماً في نصرِ الحقِّ ومواجهةِ الطّغيان والفتنة . فأثنى الامام (ع) على موقفهم الصّادق ، وخاطبهم بقوله : « صدقتُم رَحَمَكُمُ اللهُ ، ما زلتُ أعرفُكُم بصـدقِ النيِّـة والوفاءِ والقبولِ والمودّةِ الصحيحة ، فجزاكم الله خيراً » (37) . وقد خفَّ المخلصون على الفور وعسكروا في النُّخيلة (38) ، كما أمرهم إمامهم (ع) ، وقد تبعهمُ الامام بعد ذلك بجيش روى بعضهم أنّ تعدادَهُ كان أربعة آلاف مقاتل ، على أن يلتحق به بقيّة الناس. وكان الامـام يأمل أنْ يعـود الناس إلى نصرة الحق فيُقبلوا على الدفـاع عن الاسلام . بيدَ أنّ استمرار تخاذلهم حملَهُ على العودة مجدّداً لعاصمته(الكوفةَ)لحثِّ الناس على اللّحاق به. وهكذا سارَ بجيش كبير ولكنّه ضعيفٌ في معنوياته يَستبدُّ به الخَوَرُ والتَّشَتُّتُ ، حتّى بلغَ النُّخيلةَ ، فنظّمَ الجيشَ ، ورسمَ الخطط لقادة الفرق ، وارتحلَ بعد ذلك إلى دير عبدالرّحمان، وهناك قرّر إرسال طليعة عسكرية كمقدّمة لجيشه، واختار لقيادتها ابن عمّه عبيدالله بن العباس ، وقد جاء في بيان التكليف ما يلي : « يا ابن عم ! إنِّي باعثٌ إليكَ اثني عشر ألفاً من فرسان العرب ، وقُرّاء المصر ، الرّجلُ منهم يزيدُ الكتيبةَ ، فَسِرْ بهم وألِنْ لهم جانبك ، وابسط لهم وجهك ، وافرشْ لهم جناحَك ، وأَدْنِهِم مِن مَجْلِسِكَ ، فانّهم بقيّةُ ثقات أمير المؤمنـين ، وسرْ بهم على شطّ الفرات ... ثمّ امضِ حتّى تستقبلَ بهم جيشَ معاوية ، فإنْ أنتَ لقيتَهُ فاحْبِسْـهُ حتّى آتيك ، فإنِّي على أثرك وشيكاً ، وليكن خبرُكَ عندي كلَّ يوم ، وشاوِر هذين ـ يعني قيس بن سعد وسعيد بن قيس ـ وإذا لقيتَ معاوية فلا تُقاتِلْهُ حتّى يُقاتِلَكَ ، فإن فعلَ فقاتِلْهُ ، وإنْ اُصِبْتَ فقيسُ بنُ سعد على الناس ، فإن اُصيبَ قيسُ بن سعد ، فسعيدُ بنُ قيس على الناس » (39) . واتّخذت الطّليعة مواقعها في (مَسكِن) على نهر الدجيل في العراق ، في وقت تحرّك الامام السبط بجيشه فعسكر في (مظلم ساباط) قرب المدائن . ولم يمض بعض الوقت حتّى طفت على السّطح كلّ العِلَل الّتي تفشّت في معسكرِ الامام على شكل تمزُّق وخَوَر وفِتَن واضطراب وتآمر على القيادة ذاتها ، ممّا أرغم الامام على توقيع وثيقة مع معاوية . إنّ هذه الوثيقةَ خافيةٌ على كثير مِنَ الباحثين ، ممّن تناولوا حياةَ الامام السبط الحسن (ع) ، خافيةٌ في ظروفِها ومُلابساتِها ، خافيةٌ في أسبابِها ودواعيها ، وخافيةٌ في نتائِجها . ولهذا سنحاول فيما يلي أن نتناول هذه الوثيقة بالنقد والتحليل لعلّنا نصل إلى حقائق الاُمور ، فتتضح عبقريّة الامام الحسن (ع) أكثر فأكثر .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|