سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام الحسن بن عليّ (عليه السلام)


مبرِّرات الوثيقة وبنودها

منذ أن واكبنا الامام السبط في سيرته العملية ـ سواء كانت في عصر الامام أبيه أو في عهد حكمه ـ ونحن نشهد شخصيته من العزّة في القمّة ، ومن العزيمة والمضاء في الذروة ، ومن سرعة التحرُّك لحسم المواقف ما يقل نظيرها .
لمسنا ذلك وعايشناه بِوَعينا ، في ضوء وثائق تاريخية لا يرقى إليها الشكّ .
لمسنا ذلك في إثارته لعزائم أهل الكوفة لِنُصْرَةِ الاسلامِ في معركةِ الجمل .
ورأيناهُ وهو يشحذُ الهِمَمَ لِصَدِّ معاوية في صفين .
وشهدناهُ وهو يُخاطبُ معسكرَ أبيه بعدَ التحكيم .
وجاءَ عهدُهُ ، فوجدناه كما كان في عهد أبيه يمتلئُ عزماً ومَضاءً وحَنَكةً وتدبيراً ، فقد بادرَ على الفورِ في إحكامِ دولتِهِ ، وترسيخِ دعائمها ، وأصرَّ على مُقارَعَةِ الباطلِ الاموي ، وإخمادِ فتنةِ الشّام من أجل ترسيخ ودَعمِ دولة الاسلام .
وقد واجه كلّ محاولات معاوية الّتي سبقت الحرب ، بنفس متعالية سامقة ، لا تعرف إلاّ الحقَّ ، ولا تُطأطئُ للباطلِ رأساً طرفةَ عين .
بيدَ أنّ الظّروف الموضوعية الّتي ألمّتْ بالامام السبط (ع) ، قد أحرجت موقفه بشكل يندرُ نظيرُهُ في التاريخ .
فالجيـش الّذي يقـودُهُ الامام الحسـن (ع) سـادته البلبلةُ ودبَّ فيه المُرجِفون والاذنابُ ، حتّى كاد أن يُسلِّمَ الامامَ (ع) لعدوِّهِ !! والاُمّة الّتي يستند إليها ويخطِّط لمستقبلها ويقود مسيرتها ، قد غيّرت مسارَها لمصلحةِ خصمِهِ ، من فرط الاشاعات والاغراءات .
وهكذا تغيّرت موازين القوى في دولته ذاتها باتّجاه خدمة المصالح الامويّة .
وهذه ـ فيما يلي ـ أهم الاحداث الاليمة الّتي ألمّتْ بالامام السبط (ع) عبر مواجهته للزّحف الاموي الغادر :
1 ـ خيانة قائده على خط المواجهة ـ عبيدالله بن العباس ـ والتحاقه بمعاوية ، ومعه ثلثا الطّليعة الّتي كُلِّفتْ بمواجهة العدوّ الزّاحف ، ممّا أثار موجةً من البلبلة والاضطراب في معسكر الامام (ع) وهو في أحرج ساعاته .
وقد جاءت خيانة عبيدالله بن العباس لقاء رشوة تلقّاها من معاوية !!
2 ـ إنّ القوّات العسكرية الّتي يقودها الامام السبط (ع) ذاته ، كانت تتوزّعها الشّعاراتُ والاهواءُ والمصالحُ والافكار (40) .
ففيها جماعات زحفتْ مِن أجلِ الغنائم فحسب !!
وفيها الحاقدون ـ مجرّدُ حقد على البيت الاموي ـ ولكنّ نفوسَهُم تنطوي على بغض إمامة الحسن (ع) وأهل بيته كذلك !!
وفي الجيش عددٌ كبيرٌ مِنَ المتعاطفين مع الحزب الاموي في الشّام ، طمعاً بالوعود الملوَّح بها .
هذا بالاضافة إلى سريان روح السأم من القتـال في معسـكر الامام (ع) ، سيما وأنّ قطعاته المقاتلة سبق وأن خاضت حروب الامام الرّاحل (ع) الثلاث : الجمل والنّهروان وصفين ، وهي لمّا تندملْ جِراحاتُها بعد .
وإلى جانب هؤلاء واُولئك توجد ثلّة من المخلصـين لاهل البيت (ع) ، ولكن مستواها الكمِّي لا يتناسب وحجم الغوغاء المتزايد ، والتدابير الكيدية المناوئة .
3 ـ إغداق معاوية بالاموال الوفيرة على زعماء القبائل وأصحاب التأثير في المجتمع العراقي ببذل منقطع النظير ، فنقض عزائمهم وطابت نفوسهم وتخلّوا عن عزمهم على مسايرة الامام السبط (ع) في مواجهة معاوية (41) .
وقد كان المال سلاحاً ذا حدّين ، فإلى جانب تأثيره الفعّـال في قلب موازين القوى لمصلحة معاوية ، فإنّه بلغ في نفوس العراقيين مبلغاً يُثيرُ الدّهشةَ ، حين توالت كتبهم على معاوية تعلنُ له الولاءَ والطّاعة، وتعاهده على تسليم الامام الحسن السبط (ع) له أسيراً عندما تحين ساعة الصفر وتضطرم نار الحرب !! (42) .
ولذا أشار الامام (ع) ذاته :
« واللهِ لو قاتلتُ معاوية لاخذوا بِعُنُقي حتّى يدفعوني إليه سلماً ، والله لئن اُسالِمُهُ وأنا عزيز ، أحبُّ إليَّ مِن أنْ يقتلَني وأنا أسيرٌ ، أو يمنَّ عليَّ فتكون سـبّةً على بني هاشم » (43) .
4 ـ اهتمام السبط بحقن دماء الاُمّة وحفظ دماء المخلصين فيها على وجه الخصوص.
وهذه بعض تصريحات الامام (ع) الّتي تكشف عن تلك النيِّة الطيّبة :
«إنِّي خشيتُ أن يُجتَثَّ المسـلمون عن وجهِ الارض ، فأردتُ أنْ يكونَ للدِّين داع»(44).
« ما أردتُ بمصالحتي إلاّ أن أدفع عنكم القتل » (45) .
5 ـ قوّة العدوّ ، وتمتّع جيشه بروح انضباطية عالية ، بالنظر لتوفّر عامل الطّاعة ، واختفاء التخريب بين صفوفه ، خلافاً لجيش العراق الّذي اسـتبدّ به الانشقاق من خلال الشعارات ، والافكار والاهواء ، والمصالح المتضاربة ، الّتي تمزِّق جيش الامام (ع) وتضعف من مقاومته .
6 ـ تمتّع الحسن (ع) بروح إيمانيّة من الطراز الاوّل ـ كما رأينا في أبعاد شخصيته ـ فهو المطهّر من الرِّجس ، بصريح القرآن الكريم ، وهو أحد أركان العترة المباركة ، بصريح قول رسول الله (ص) فيه ، فكان ينأى عن المكر والغدر .
فكانت هذه الروح المتعلّقة بالله تعالى ، والمستلهمة منه ، ومن شرعه الكريم ، أنّى تسير ، وإلى أين تسير تُحتم على السبط (ع) أن لا يتورط في حرب تسيل بها الدماء ، وتُزهقُ فيها الارواح ، فضلاً عن أنّ شروط النجاح فيها ـ بالمفهوم الاسلامي ـ غير متوافرة بحال ، كما رأينا في الوضع العام لاتباعه وجنده ، وهذا مخالف لواقع معاوية الّذي لا يهمّه أن تسيل الدماء ، وتُزهق النفوس ، ما دامت الغاية لديه أن يظل حاكماً على المسلمين ، تُجبى له الاموالُ ، ويَتلذّذُ بالنعيم الدنيوي والسلطان الزائل ، وقصرِ الخضراء .
7 ـ حين رأى الامام استقطاب معاوية للناس ، أراد أن يكشفَ للناسِ حقيقةَ معاوية عن كثب ، الامر الّذي سيتم ، إذا انفرد معاويةُ بالحكم ، واستأثر بإدارة شؤون الاُمّة ، لترى الاُمّةُ طبيعةَ هذا الحكم ، وتكتشـفَ البونَ الشاسعَ بينه وبين صورة التطبيق المثالية ، أيّامَ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) ، وليتحمّلَ الّذين أطاعوا معاوية ورفعوه على الاعناق، مسؤوليةَ هذه المأساة التاريخية الّتي خسرت فيها الاُمّة قيادةَ أهل البيت (ع) وإمامَتُهم الرّائدَة ، لا في فترةِ وجـودهم المبارك بل اسـتمرّت الاثار السّلبية تتوالى على الاُمّة جيلاً بعد جيل ، حتّى أصبحَ منهج الاسلام المقدّر له أن يسود وأن يحكم ، تراثاً تاريخياً في بُطون الكتب !!
8 ـ محاولات الاغتيال الاثيمة الّتي تعرّض لها الامام (ع) ، فلقد تعرّض الامام لمحاولات أثيمة لاغتياله عدَّ منها المؤرّخون ثلاثاً (46) :
إحداها : حين رماهُ شخصٌ بسهم وهو يصلِّي فلم يفلح في إيذائه .
ثانيها : حين طعنهُ رجلٌ بخنجر أثناء الصّلاة .
وثالثها : وفيها كانت نجاته بأعجوبة ، فقد هجمت عليه عصابة من الغوغاء ، وانتهبوا فسطاطه ، وأخذوا مصلاّهُ مِن تحتِهِ ، وفي تلك الاثناء هجم عليه الجرّاح بن سنان الاسدي وطعنه بمغوله (47) ـ سيف دقيق ـ في فخذه ، وجرحه جرحاً بالغاً بلغ عظمَ الفَخِذِ (48) ، فاستسلم الامـام للفراش بعد تلك المحاولة ، ونزل عند عامله على المدائن سعدِ بن مسعود الثقفي للعلاج .
9 ـ سلاح الدعاية الواسعة الّذي استخدمه معاوية لبلبلة ذهنيّة المجتمع العراقي وتشويشه، فكان جواسيسه وأنصاره يثيرون الدعايات المغرضة، بين الحين والاخر، وكانت الغوغاء تنفعل بها ، وتتصرّف وفقاً للاغراض الّتي اُثيرت من أجلها ، فعلى سبيل المثال نذكر منها :
أ ـ إشاعتهم أنّ الحسن يكاتب معاوية على الصلح .
ب ـ إشاعتهم أنّ قيس بن سعد قد استسلم لمعاوية .
ج ـ وكانت أقوى إشاعاتهم يوم جاء الوفد الاموي يطلب الصلح من الامام(ع)،وعندما رفض الامام مطالب معاوية،خرج الوفد المفاوض وأشاع في الناس أنّ الحسن قد أجاب إلى الصُّلح،فحقن الله به الدماء!!وكان لتلك الاشاعة دور فعّال في إثارة الغوغاء على السبط(ع) حيث هجموا على فسطاطه،واعتدوا عليه!!!مندِّدين بالصُّلح المزعوم،مع تقاعسهم عن الدفاع والقتال !!
10 ـ رواج دعوة معاوية للصلح بين صفوف جيش الامام ، قبل قبولها من قِبَل الامام الحسن ، حيث وجدت تلك الدعوة هوًى في النفوس المهزومة في معسكر الامام (ع) ، فقد رحّب بها أنصار معاوية ابتداءً ، وروّجوا لها ، ثمّ سرت في نفوس أكثريّة الجيش الّذي يقوده الامام (ع) ، ممّا جعل الامام يقبلها كأمر واقع .
11 ـ لقد وجد(ع)الاُمّةَ،سواء مَنْ حوله أو حول معاوية،في غفلة عن واقعها المنحرف، وفي سكوت مطبق عن إحقاق الحق وإزهاق الباطل ، فأراد الامام (ع) أن يكشف زيف دعاة الفتنة ، ومدى تنكّبهم عن الصراع المستقيم ، وجحودهم للعهود والمواثيق ، وتلهّفهم للسلطة والسيطرة ، مهما كانت الوسيلة ، واستهانتهم بمقدّرات الاُمّة ، ومقرّرات الاسلام،ليكون ذلك كلّه تعريةً لما آل إليه الحكم،وتوطئة لثورة الامام أبي الشهداء الحسين بن عليّ(ع).
هذه أهمّ المسوغات والعوامل الّتي فرضت على الامام الحسن (ع) أن يستجيب للوثيقة الّتي أملتها عليه الظروف . أرأيت لو أنّ حاكماً أو قائداً في التاريخ واجه بعض ما واجهه الامام (ع) أيسلك غير هذا السبيل ؟
فإنّ المواجهة ، بعد الّذي رأيت تعدّ ضرباً من اللاّ معقول ، لا يقدم عليها إنسان عادي ، فكيف يمارسها رجل عظيم كالحسن بن عليّ (ع) ؟
ولربّما ذهب البعض إلى القول أنّ الاجدر بالحسن (ع) أن يضحّي من أجل حقّه ، ولكن الحسن لو قاتل لقُتل وأهل بيته جميعاً ، ولمارست السياسة المنحرفة دورها في إطفاء نور الاسلام إلى الابد ، ولما وجد بعد ذلك مَنْ يُفرِّق بين الحق والباطل ، ولمّا أدركت الاُمّة ـ كما أدركت بعد حين ـ أي تسلّط كان عليها ، وأيّة سياسة عبودية انقادت إليها .
إنّ حرص الامام على الهدى والحق ، جعله يختار التوقيع على الوثيقة ليمارس بعد ذلك دوره في بيان الشريعة وأحكامها ، وأبعادها لاُمّة محمّد (ص) ، فيما تبقّى من حياته ، كما سترى في المرحلة الثانية .
ومن المناسب هنا أن نُدوِّن الوثيقة الّتي أبرمها الامام الحسن (ع) مع معاوية ، كما رواها ابن أعثم الكوفي ، علماً بأنّ هناك اختلاف في النصوص والصِّيغ ((49)) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com