اسم الكتاب: الامام الحسن بن عليّ (عليه السلام)
نص كتاب الصُّلح بين الامام الحسن ومعاوية بن أبي سفيان
«هذا ما صالح عليه الحسنُ بنُ عليّ بنُ أبي طالب،معاويةَ بنَ أبي سـفيان،صالِحَهُ على: 1 ـ أنْ يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة نبيِّه محمّد (ص) وسيرة الخلفاء الصالحين . 2 ـ ليس لمعاوية بن أبي سفيان أنْ يعهدَ لاحد مِن بعده عهداً ، بل يكون الامر مِن بعده شورى بين المسلمين(50). 3 ـ أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله،في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم. 4 ـ أنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم ، وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهدُ الله وميثاقُهُ ، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء بما أعطى الله من نفسه . 5 ـ أ نّه لا يبغي للحسن بن عليّ ولا لاخيه الحسين ولا لاحد من أهل بيت النبيّ (ص) غائلةً سرّاً ولا علانية ، ولا يُخيفُ أحداً منهم في اُفُق مِنَ الافاق . شهد على ذلك عبدالله بن نوفل بن الحارث ، وعمر بن أبي سلمة وفلان وفلان . ثمّ ردّ الحسنُ بن عليّ هذا الكتاب إلى معاوية مع رسل من قِبَلِهِ ليشهدوا عليه بما في هذا الكتاب»(51). وبعد أنْ تمّ التوقيع على الصُّلح ، قَدِمَ معاويةُ إلى الكوفة للاجتماع بالامام الحسن ، حيث ارتقى معاوية المنبرَ ليعلن متحدِّياً كلَّ القيم والاعراف الاسلامية ، أ نّه يسحق بقدميه كل الشروط الّتي صالح الحسـن عليها حيث خاطب الجمـوع المحتشـدة في مسجد الكوفة : « واللهِ إنِّي ما قاتَلْتُكُم لِتُصلّوا ، ولا لِتَصوموا ، ولا لِتَحجّوا ، ولا لِتُزَكّوا ، إنّكم لَتَفْعَلون ذلك ، وانّما قاتلتُكُم لاتأمّر عليكم ، وقد أعطاني اللهُ ذلك ، وأنتم له كارهون . ألا وإنّ كلَّ دم اُصيبَ في هذه الفتنة فهو مَطلولٌ،وكلّ شرط شرطتُهُ فتحتَ قَدَمَيّ هاتين»(52). أمّا أكثم الكوفي فيروي لنا أنّ معاوية خطب الناس وقال : « الان فقد جمعَ اللهُ لنا كلمتَنا وأعزَّ دعوتَنا ، فكلُّ شرط شرطتُهُ لكم فهو مردودٌ ، وكلُّ وعد وعدتُهُ أحداً منكم فهو تحت قدمي » . وتُعتبَر الوثيقة أقصى ما كان بإمكان الامام الحسن أنْ يحققه للاُمّة ولرسالتها ، ولو كان هناك بديل أفضل منها يستطيع أنْ يحقق فيه الخير للاُمّة لما توانى عن القيام به . ولعلّ في ردوده على المعترضين على توقيع الوثيقة خير توضيح لاهميّة موقفه هذا في دنيا المسلمين ، قال (ع) لبشير الهمداني عندما لامه على الصلح : « لستُ مذلاًّ للمؤمنين ، ولكنّي معزّهم ، ما أردتُ بمصالحتي إلاّ أنْ أدفع عنكم القتلَ ، عندما رأيتُ تباطُؤَ أصحابي ونكولَهُم عن القتال » . قال (ع) ذلك لبشير هذا ، لا نّه كان أوّلَ المرتعدينَ مِن القتال . وقال لمالك بن ضمرة عندما كلّمه بشأن الوثيقة : « إنِّي خشيتُ أن يُجْتَثَّ المسلمون عن وجه الارض ، فأردتُ أن يكونَ للدِّين داع » . وقال مخاطباً أبا سعيد : « يا أبا سعيد ! علّة مصالحتي لمعاوية ، علّة مصالحة رسول الله (ص) لبني ضَمْرَة وبني أشجع ولاهل مكّة حين انصرف من الحديبيّة » (53) . ولعلّ أهم مَنْ لاموا الامام الحسن على توقيع وثيقة الصُّلح هو حجر بن عدي ، فهو شخصية معروفة بالايمان والصلابة والعلم والفقاهة ، وكان وجهاً من أعيان صحابة رسول الله (ص) وصحابة عليّ وابنه الحسن ، حيث خاطب الامام ـ بعد أن سمع كلام معـاوية على المنبر وهو يتنصّل من كل الشروط الّتي وقّـعها مع الامام الحسن ـ : « أما والله ، لقد وددتُ أ نّك متَّ في ذلك ، ومتنا معك ، ثمّ لم نَرَ هذا اليوم ، فإنّا رجعنا راغمين بما كَرِهنا ، ورجعوا مسرورين بما أَحَبُّوا » . إلاّ أنّ الامام أرسل إليه بعد انصرافه إلى بيته ، ثمّ قال له : « إنِّي قد سمعت كلامك في مجلس معاوية ، وليس كل إنسان يحبّ ما تحبّ ولا رأيه كرأيك ، وإنِّي لم أفعل ما فعلت إلاّ إبقاءً عليكم » (54) . ولاهميّة تلك الوثيقة وآثارها الايجابية المرجوّة لمصلحة الاسلام والمسلمين أشار الامام محمّد الباقر (ع) إليها بقوله : « واللهِ ، لَلَّذي صنعَهُ الحسنُ بن عليّ (ع) كان خيراً لهذه الاُمّة ممّا طَلَعَتْ عليه الشمس » (55) .
|
|