قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسن بن عليّ (عليه السلام)
فترة ما بعد الوثيقة
بعد توقيع الوثيقة ، بقي الامام السبط (ع) في الكوفة أيّاماً قليلة ، والالم يعتصر قلبه للذي كان ، ثمّ تهيّأ للسفر إلى مدينة جدّه الاعظم (ص) . وعندما تحرّك موكبه الشريف ، خرجت الكوفةُ بجميع مَن فيها ، وهم يندبون حظّهم العاثِرَ ، والاسى يعلو نفوسهم ، وهم بين باك وآسف على ما كان !! كيف لا ، وهم يرون الذلّة بعد رحيل الحسن (ع) وآل البيت (ع) قد خيمت على مدينتهم ، والاستكانة قد علت نفوسهم ، وتحكّمت طغمة الفتنة فيهم . فها هو معاوية ينقل الخلافة والقيادة العامّة من الكوفة إلى دمشق ، وها هي القطعات العسكرية الاموية تدخل الكوفة ، وتشدِّد قبضتها عليها ، وتثيرُ الهلعَ في النفوس ، وتفرض إرهاباً منقطع النظير . مَنْ يُداهِن ويُنافِق يُجزَل له العَطاء . ومَنْ يُعارِض يُقْتَل . سارت قافلة الامام (ع) تطوي البيداء والالم يحزّ في نفسه ، وهو يفارق عاصمته ، وربوع ذكرياته المجيدة ، وأصفياءه وشيعته الّذين نصروه بكل ما أوتوا من تصميم وارادة ، حتّى اُسقِطَ ما في أيديهم ، وتمّت محاصرتهم ومطاردتهم بكل وسيلة وبكل اسلوب رخيص ، وبدأت الطغمة الاموية البطش بهم . حتّى إذا اقتربت قافلتُهُ مِن المدينة المنوّرة ، هبّ أهلها لاستقبال الامام وأهل بيته (ع) ، والبِشرُ يعلو وجوههم ، كيف لا وقد حلّت البركة بينهم وأقبل الخير كلّ الخير إلى ديارهم . وما أن اسـتقرّت الدار بأبي محمّـد (ع) وأهل بيته ، حتّى مارس مسـؤولياته الرسالية بنمط جديد . فإذا كان بالامس حاكماً ، يدير شؤون الاُمّة ويخطِّط لمستقبلها من خلال منصب الامامة السياسية ، ويقود السفينة إلى شاطئ السـعادة والخير والهدى ، فإنّه بعد الوثيقة قد اختطَّ بها درباً جديداً ، حيث أنشأَ مدرسة وقيادة فكرية كُبرى ، لتكون محطّة إشعاع للهدى والفكر الاسلامي ، تهتدي الاُمّة من خلالها إلى صراط الله المستقيم ورسالته الخاتمة . ولقد كان لتلك المدرسة دورٌ فعّالٌ في بلورةِ الذهنيّة العامّة ، وتسديد اتّجاهاتها وإنقاذها من موجة الانحراف الّتي تساندها الجهات الرسمية ، الّتي يقودها معاوية بن أبي سفيان . وقد آتَتْ مدرسةُ الامام السبط (ع) اُكُلَها ضعفين ، حين تخرّج في أروقتها جهابذة العلماء والرواة ، أمثال الحسن المثنى والمسيب بن نجَبَة وسويد بن غفلة والشعبي والاصبغ بن نباتة وأبو يحيى النخعي وإسحاق بن يسار ، وغيرهم . وإذا كان الامام (ع) قد حقّق للرسالة الاسلامية نصراً رائعاً بهذا الصنيع ، فإنّه أسدى للاُمّة وللرسالة في الوقت ذاته فضلاً جليلاً آخر ، فقد كان يدعو الناس للاستقامة في الخُلْق والدِّين ، وسلوك سبيل الرسول (ص) وأهل بيته (ع) ، والعمل بكل ما من شأنه إشاعة المعروف في المجتمع وإلغاء أي وجود للمنكر . هذا إلى جانب اهتماماته الاجتماعية ، من اهتمام بالفقراء والمساكين وذوي الحاجة ، وتفقّد ذوي المسكنة، ممّا أشرنا إلى بعضه عند الحديث عن بعض جوانب سيرته . وإذا تجـاوزنا دوره الفكري والثقافي ، فمن الطبيعي أن نلتقي بالامـام (ع) وهو يخطِّط لمستقبل الرسالة على المستوى الاجتماعي والسياسي . فالحسن (ع) من خلال اضطلاعه بالعمل الثقافي والاجتماعي نهج نهجاً فذّاً لصالح الرسالة الالهيّة والاُمّة ، حيث أوجد تيّاراً إسلامياً واعياً لدوره الرسالي في الحياة . فصارَ واضحاً للاُمّة أنّ الامامة الشرعية هي حقٌّ لاهل البيت(ع)،والحسن(ع)،طليعتهم،وأن معاوية وأضرابه لا يصلحون للحكم قط ، وأن طاعتهم لا تتفق والخط الاسلامي الاصيل . وقد صار بمقدور الامام الحسن (ع) ورجال الفكر الاسلامي الّذين تخرّجوا في مدرسته ، أن يوجدوا اُمّة واعيةً سياسياً ومعارضةً للحكم الاموي ، فكراً وأسلوباً ومساراً ، وأن تبقى هذه الاُمّة تنافح وتكافح عن الحق الاسلامي عبر الاجيال . على أنّ أجهزة الحكم الاموي لم يكن خافياً عليها ذلك النشاط الاسلامي الفتي ، فكانت تحسبُ حسابَهُ وتدركُ نتائجَه . ومِن أجل ذلك عقد أقطاب السياسة المنحرفة اجتماعاً لهم للتداول في ذلك الشأن ، وهم بالاضافة إلى معاوية ، عمرو بن العاص والوليد بن عقبة بن أبي معيط وعتبة بن أبي سفيان والمغيرة بن شعبة . وممّا جاء في حديثهم لمعاوية : « إنّ الحسن قد أحيا أباه وذِكْرَهُ ، قالَ فَصُدِّقَ ، وأمر فاُطيعَ ، وخفقت له النِّعالُ ، وأنّ ذلك لرافعه إلى ما هو أعظم منه ، ولا يزال يبلغنا عنه ما يسيء إلينا » (56) . وهذا الحديث على وجازته يعتبر أخطر تقرير يقدِّمه أقطاب البيت الاموي وقادته إلى زعيمهم معاوية ، حول نشاط الامام السبط (ع) ، فقولهم : « خفقت النعال خلفه » ، هو تعبير دقيق يدل على أنّ الحسن (ع) قد أعدّ اُمّة من الناس يسيرون خلفه ويجتمعون به ، ويخطِّط لهم ويثقفهم ويوضِّح لهم معالم الطريق وطبيعة المواقف ، وحقيقة الاسلام وقواعد حكمه العادل . ولقد نَمَتْ حركةُ الامام السبط (ع) ، حتّى بلغ به الحال أنْ يغادر إلى دمشق ، عاصمة الحكم الامـوي ، ويناقش معاوية ويبيّن له شطحاتِ الحكم وألاعيبه ، وإسفاف القائمين عليه ، ونأيهم عن الخط الاسلامي الاصيل ، بشكل أدّت فيه مناظراته(57) هناك إلى كسب المؤيِّدين والانصار إلى أهل البيت (ع) . وكان أهم ركائز تلك السياسة المعادية للامام وأتباعه : أوّلاً : اعتماد معاوية على عناصر أثبتت التجربة عدم التزامها بالقيم والاحكام الاسلامية في تحقيق مخطّطاتها ، بحيث كانت تلك العناصر لا تنظر في تصرّفاتها إلاّ لما يحقِّق مصالحها وأهواءها ويحفظ موقـعها عند معـاوية ، الّذي كان يغدق عليهم الاموال والضِّياع والرّشاوى ، وعلى رأس اُولئك المغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وزياد بن أبيه(58) ، وهو الّذي خطب الخطبة البتراء ـ خطبة لم يفتتحها بالبسـملة ـ عندما ولاّ معاوية على العراق ، فقال مخاطبا الناس : « وايم الله إنّ لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحـذرْ كلُّ امرئ منكم أن يكون مِن صرعاي ، وايم الله لاخذنّ البريءَ بالسّقيم والمُطيعَ بالعاصي والمُقبِلَ بالمُدْبِر ، حتّى تستقيمَ لي قناتُكُم ، وحتّى يقولُ القائل : إنجُ سعد فقد قتل سعيد . فقام إليه مرداسُ ابن اُدَيَّة فقال : قال تعالى : (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) وأنت تزعم أ نّك تأخذ البريء بالسقيم والمطيع بالعاصي والمقبل بالمدبر ؟ فقال له زياد:اُسْكُتْ،فوَالله ما أجد إلى ما أريد سـبيلاً،إلاّ أن أخوضَ إليه الباطلَ خَوْضاً»(59). وقد استغلّ معاوية نقطة الضعف والعقدة النفسية تلك في زياد ، الّذي كان يعرف بـ «ابن أبيه» لا نّه لا يعرف من كان أبوه ، فألحقه به باعتباره أخاه ، بعد أن شهد بعض الشهود بأن أبا سفيان قد زنى بأُمّه سميّة ، وإرضاءً لسيِّده معاوية فقد : « جعل زياد يتتبع شيعةَ عليّ بن أبي طالب فيقتلهم تحتَ كلّ حَجَر ومَدَر ، حتّى قتل منهم خلقاً كثيراً ، وجعل يقطعُ أيديَهُم وأرجُلَهُم ، ويسملَ أعيُنَهُم ، وجعل أيضاً يُغري بهم معاوية » (60) . ثانياً : مطاردة القيادات المؤمنة في الاقطار الاسلامية وقتل الكثيرين منهم وتشريدهم لا نّهم كانوا من أشياع عليّ بن أبي طالب (ع) وأتباعه ، وكانت هذه الموالاة كافية في نظر معاوية بن أبي سفيان لقتل كل من يتّهم بها ، فقد كتب إلى ابن اُخته المعروف بابن اُمّ الحكم أن يقتل عمرو بن الحَمْقِ الخُزاعي وهو من أصحاب رسول الله ، فقتله وقطع رأسه ، وطافوا برأسه ، وهو أوّل رأس طيف به في الاسلام . كما ضيّق على شيعة الامام عليّ ومنعهم من الجلوس إلى بعضهم ، وتجسّس عليهم ولاحق اجتماعاتهم ، كما صنع عندما طوّق اجتماعاً لحجر بن عدي مليئاً بأُناس كثيرين ، وأَ لقى بمن اُلقِيَ عليه القبض منهم في السجون (61) . « وصلب زياد بن أبيه مسلم بن زيمر وعبدالله بن نجي الحضرميين على أبوابهما أيّاماً بالكوفة بسبب ولائهما لعليّ بن أبي طالب تنفيذاً لقرار معاوية ، وقد عدّهما الحسين بن عليّ (رضي الله عنهما) على معاوية في كتابه إليه : (ألستَ صاحب حجر والحضرميين الّلذين كتب إليك ابن سميّة أ نّهما على دين عليّ ورأيه ، فكتبت إليه : مَن كان على دين عليّ ورأيه فاقتله ومثِّل به ، فقتلهما ومثّل بأمرك بهما ؟ ودين عليّ وابن عمّ عليّ الّذي كان يُضربُ عليه أبوك ، أجلسك مجلسكَ الّذي أنت فيه) » (62). وأخيراً وقع الصِّدام المباشر وجهاً لوجه بين حجر بن عدي وزياد بن أبيه فقد : « كان زياد بن أبي سفيان يوم جمعة يخطب ، فأطال الخطبة وأخّر الصلاة ، فلمّا خشي حجر فوت الصلاة ، أخذ كفّاً من حصى ورمى به زياداً ، وقام إلى الصلاة وقام الناس معه ، فنزل زياد وصلّى بالناس ، وكتب إلى معاوية يخبره ، فكتب إليه معاوية : أنِ ابعثْ به إليَّ ، فشدّه في الحديد وحمله إلى معـاوية » (63) . حيث قتله مع عشرة آخرين ، وقد سجّل لنا التاريخ صورة بشعة من صور القتل والارهاب لاتباع عليّ وأنصاره : « فقد اُحضِرَ عبدالرّحمان بن حسّان العنزيّ إلى معاوية فسأله : يا أخا ربيعة ! ما تقولُ في عليّ ؟ قال : دَعْني ولا تسألني فهو خيرٌ لك ، قال معاوية : لا أَدَعُكَ ، فقال الرّجل : أشهد أ نّه كان مِنَ الذاكرين لله تعالى كثيراً ، ومِنَ الامرين بالحقِّ ، والقائمين بالقسط والعافين عن الناس ، قال : فما قولك في عثمان ؟ قال : هو أوّلُ من فتحَ أبوابَ الظّلمِ ، وأغلقَ أبوابَ الحقِّ ، قال معاوية : قتلتَ نفسكَ ، قال : بل إيّاكَ قتلتُ ، ولا ربيعة بالوادي ـ يعني ليشفعوا فيه ـ فردّه معاوية إلى زياد ، وأمرهُ أنْ يقتلهُ شرَّ قتلة ، فدفنه حيّاً »(64) . وقد رُويَ أنّ حجراً بن عدي قال لمن حضره من أهله عندما قدّمه الجلاّد للذبح: «لاتنزعوا عنِّي حديداً ، ولاتغسلوا عنِّي دماً ، فإنّي ملاق معاوية على الجادّة »(65). لقد كانت تلك الكلمة المؤمنة الشجاعة كلمة خالدة عبّرت عن تفكير من يؤمن بالله واليوم الاخر ، يريد أن يلقى الله بقيوده الّتي قيّده بها معاوية لا لذنب اقترفه سوى أ نّه يدين بدين عليّ بن أبي طالب ، دين الاسلام ، وأن يظل موشحاً بدمّه شهيداً على مَن قتلوه وهو يحمل دعوة التصحيح والوقوف بوجه الانحراف . ثالثاً : التضييق على عموم شيعة عليّ بالقتل والكبت والترويع والتشريد وقطع الارزاق والارهاب وهدم الدور والمساكن ونهب أموالها وإعطائها غنائم لعملاء السلطة . رابعاً : الاستعانة ببعض الوعاظ المحترفين الموالين للسلطة لتشويه سيرة أهل البيت والامام عليّ (ع) على الخصوص وشتمه على المنابر ، إلى جانب تلفيق الاحاديث الّتي تمدح معاوية وحزبه . قال عبدالله بن الامام أحمد بن حنبل : « سألتُ أبي فقلت : ما تقول في عليّ ومعاوية ؟ فأطرق ثمّ قال : (أيش أقول فيهما ؟ إنّ عليّاً (ع) كان كثير الاعداء ، ففتّش أعداؤه له عيباً فلم يجدوا ، فجاؤوا إلى رجل قد حاربه ، فأطْرَوْهُ كياداً منهم له » (66) . وليس هذا وحسب بل ووضعت أحاديث في فضائل زياد بن أبيه ، حتّى قال يونس بن حبيب النحوي المتوفّى عام (183) هـ : « يزعم آل زياد أ نّه خطب إلى عمر ابن سنة تسع عشرة ـ أي خطب ابنة عمر ليتزوّجها ـ وأ نّه ولد في الهجرة ، ولو قدروا أن يقولوا تكلّم في المهد ، لقالوا » (67) . خامساً : بذل الاموال بلا حسـاب ، للزعماء والقيادات القبيلية ، الّتي يخشى من تحرّكها ، فعلى سبيل المثال نذكر : مالك بن هبيرة السكوني ، الّذي هاله ما نزل بحجر ابن عدي وأصحابه فراح يخطِّط لاعلان التمرُّد المسلّح على الحكم الاموي ، فما كان من معاوية إلاّ ونقض همّته ، بمائة ألف درهم !! بعثها إليه ، فطابت نفسه وتخلّى عمّا عزم عليه (68) . وهكذا سواه ، كما قال أحد الشُّعراء : فلسان ينوشـكم بالدنانـير يُقـطع وضـمير يهـزُّكم بالكراسي يُزعزع سادساً : وكان آخر بنود تلك السياسة الجائرة اغتيال الامام الحسن (ع) بالسم ، حيث دسّه معاوية إليه من خلال زوجة الامام «جعدة بنت الاشعث» ((69)) . وهكذا رحلَ الامام السبط (ع) إلى ربِّه وهو في ميدان من ميادين الجهاد ، من أجل الرسالة والدعوة الاسلامية ، الّتي قادها جدّه الرسول الاعظم (ص) . وكانت شهادته (ع) في السابع من صفر ـ أو في الخامس والعشرين من ربيع الاوّل ـ سنة خمسين للهجرة كما جاء في بعض الروايات . وكان قد أوصى (ص) أن يُدفن إلى جوار جدّه رسول الله (ص) ، إلاّ أنّ بني اُميّة ووالي المدينة منعوا من ذلك !! (70) . فاضطرّ أهل البيت (ع) ، أن يدفنوه في البقيع ، إلى جنب اُمّه فاطمة الزّهراء (ع) . فسلامٌ عليك يا أبا محمّد الحسن بن عليّ ، مظلوماً ، حيّاً ، وميّتاً . ( والحمد لله ربّ العالمين )
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|