اسم الكتاب: الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)
3 ـ ملامح من فكر الامام (عليه السلام) :
من المناسب أن نذكر طرفاً من نشاطاته الفكرية الرائدة كمصاديق عملية على ما يتمتّع به من علو شاهق في مستواه العقلي الّذي صقله منهج الله وحدّد مساره ومنهاجه: أ ـ قال له نافع بن الازرق ـ زعيم الازارقة من الخوراج ـ : صِف لي إلهك الّذي تعبده ، فردّ عليه الامام بقوله : « (يا نافعُ ! مَنْ وضعَ دينَهُ على القياسِ لم يَزَلِ الدّهرَ في الالتباسِ ، مائِلاً إذا كبا عن المنهاجِ ، ظاعناً بالاعوجاجِ ، ضالاًّ عن السّـبيلِ ، قائِلاً غير الجمـيلِ ، يا ابنَ الازرق ! أصِفُ إلهي بما وصفَ بهِ نفسَهُ ، لا يُدرَك بالحواسِ ، ولا يُقاسُ بالناسِ ، قريبٌ غيرُ ملتَصِق ، وبعيدٌ غير مستقصىً ، يوحَّدُ ولا يُبَعَّضُ ، معروفٌ بالاياتِ ، موصوفٌ بالعلاماتِ ، لا إلهَ إلاّ هوَ الكبيرُ المـتعال) . فبكى ابن الازرق وقال : ما أحسنَ كلامك » (15) . ب ـ قال عليه السلام عند مسيره إلى كربلاء وهو يقوِّم الموقف العام ، ويحدِّد مَدَى الانحراف الّذي آلت إليه الاوضاع ، ويشير إلى عزمه على كسب الشهادة من أجل الحق : « إنَّ الدُّنيا قد تغيّرتْ وتنكّرتْ ، وأدبَرَ معروفُها ، واستمرّت جدّاً فلم يبق منها إلاّ صُبابةٌ كَصُبابةِ الاناءِ ، وخسيسُ عيش كالمرعى الوبيلِ ، ألا ترون أنّ الحقَّ لا يُعمَلُ بهِ ؟ ! وأنّ الباطِلَ لا يُتناهى عنهُ ، ليرغبُ المؤمنُ في لقاءِ اللهِ مُحِقّاً ، فإنِّي لا أرى الموتَ إلاّ سعادةً والحياةَ معَ الظّالمينَ إلاّ بَرَما ، إنّ الناسَ عبيدُ الدُّنيا والدِّينُ لَعِقٌ على ألسنتهم يحوطونه ما درَّت معائِشهم ، فإذا مُحِّصوا بالبلاءِ قَلَّ الدَّيّانون » (16) . ج ـ وها هو يحدِّد بوعي صارم درجات العلاقة بالله : « إنّ قوماً عبدوا الله رعبة فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإن قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الاحرار وهي أفضل العبادة » (17) . د ـ وقد خطب (ع) مرّة ، محدِّداً مواصفات الحكم الاموي وما آلت إليه الاوضاع السياسية والادارية من وجهة النظر الاسلامية : «(أ يُّها الناس!إنّ رسول الله(ص)قال:(مَنْ رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرمِ اللهِ ، ناكِثاً لعهدِ اللهِ ، مُخالفاً لسنّةِ رسولِ اللهِ (ص) ، يعملُ في عبادِ اللهِ بالاثمِ والعدوانِ ، فلم يُغيِّرْ عليهِ بفعل ولا قول ، كانَ حقّاً على الله أن يُدخلهُ مدخله) ، ألا وإنّ هؤلاء قد لَزِموا طاعةَ الشّيطانِ ، وتَرَكوا طاعةَ الرّحمانِ ، وأظْهَرُوا الفسادَ ، وعطّلوا الحدودَ ، واستأثروا بالفيءِ ، وأحلُّوا حرامَ الله ، وحرّموا حلالَهُ ، وأنا أحقُّ مِن غيري ، وقد أتتني كتبكم ، وقَدمتْ عليَّ رُسُلُكُم ببيعتِكُم ، أ نّكم لا تُسْلموني ولا تَخْذلوني ، فإن تَمَمْتُم على بيعتكم تُصيبوا رُشدَكُم ، فأنا الحسين بن عليّ وابنُ فاطمة بنتِ رسول الله (ص) ، نفسي معَ أنفسكم ، وأهلي معَ أهليكم ، فلكم فيَّ اُسوة ، وإنْ لم تفعلوا ، ونقضتُم عهدَكُم وخلعتُم بيعتي مِن أعناقِكُم ، فلعمري ما هي لكم بِنُكْر،لقد فعلتُموها بأبي وأخي وابن عمِّي مسلم بن عقيل;والمغرورُ مَنِ اغترَّبِكُم،فَحظَّكم أخطأتُم،ونَصيبَكُم ضَيَّعتُم،ومَنْ نَكَثَ فإنّما يَنْكُثُ على نفسِهِ وسَيُغْني الله عنكم»(18). هذه شذرات يسيرة من عطائه العظيم الّذي يحتل مركزَ الرِّيادة في الفكر الاسلامي الاصيل ، ومَنْ شاء المزيد فليُراجع سيرته العَطِرة ، فإنّ له فيها خير عون على إدراكِ ما للحسينِ (ع) مِنْ بُعْدِ نظر وسعةِ فكر وإيمان (19) .
|
|