سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)


صور من الصِّراع

بايع المسلمون بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان بالخلافة للامام عليّ (ع) ، وسلّموا مقاليد الاُمور وإدارة الدولة له . ورفض معاوية بن أبي سفيان البيعة للامام عليّ (ع) وأعلن انفصاله ، ونصب نفسه خليفة على الشام الّتي كان والياً عليها أيّام الخليفتين عمر وعثمان بن عفّان .
مَن يدرس التاريخ السياسي لتلك الفترة العصيبة من تاريخ الاسلام ، يلاحظ أنّ الامام عليّاً (ع) واجه ثلاث كتل سياسية هي :
1 ـ الحزب الاموي الّذي قاده معاوية بن أبي سفيان .
2 ـ كتلة الخوارج الّذين انفصلوا عن جيش الامام عليّ (ع) وتمرّدوا عليه .
3 ـ كتلة عائشة وطلحة والزُّبير بن العوّام .
وبعد فترة من الحروب والصراعات بين الامام عليّ (ع) وبين هذه الاحزاب والكتل السياسـية اسـتطاع الامام عليّ (ع) أن يقضي على حركة عائشة ((20)) وطلحة والزُّبير في معركة الجمـل الشهيرة الّتي وقعت في البصرة،كما استطاع أن يدحر معاوية في معركة صفّين،وأن ينتهي الامر إلى التحكيم والتفاوض الّذي رفضه الامام عليّ بعد أن علم أ نّه خديعة وفذلكة سياسية مخطّطة،والّذي انتهى لمصلحة معاوية وخروج فئة الخوارج من جيش الامام عليّ(ع)،فاشتبك معهم فيما بعد في معركة طاحنة(معركة النهروان)فدَحَرَهُم فيها وشَتّتَهُم.
وفي غمرة هذا التطاحن والحروب الدامية والصراع السياسي المحتدم ، خطّطت فئة الخوارج الّتي أعلنت عداءها وتمرّدها على إمام المسلمين عليّ بن أبي طالب (ع) لاغتيال كلّ مِن معاوية وعمرو بن العاص وعليّ بن أبي طالب (ع) ، ورزئت الانسانية وخسرت الاُمّة أعزّ رجالها ، وقدوة طلائعها ، وحامل اللّواء والرّاية فيها ، رجل العلم والجهاد والعمل الصالح عليّ بن أبي طالب (ع) .
فقد نجحت المؤامـرة ضدّه ، ونفّذ عبدالرّحمان بن مُلْجَم الجريمة بحقِّ التـاريخ والانسانية ، واغتال أميرَ المؤمنين عليَّ بن أبي طالب (ع) فضربه ضربة قاتلة على رأسه الشريف بسيف مسموم ، عند صلاة الفجر في مسجد الكوفة ، في اليوم التاسع عشر من رمضان عام (40 هـ )، واستشهد في اليوم الحادي والعشرين من ذلك الشهر.
وباستشهاد عليّ أمير المؤمنين ، رجل الدولة والجهاد والسياسة ، رجلِ المبدأ والعقيدة ، رجلِ العدالة والقيم ، الّذي ما ساوم على حقٍّ ، ولا تنازل عن مبدأ ، ولا جفا قيمة من قيم الحق والعدالة ، أفرزت الاحداث وضعاً سياسياً جديداً ، وظروفاً تاريخيّة جديدة ، انقلبت المعادلة فيها ، واختلّ التوازن السياسي والاجتماعي في حركة المجتمع وتفكيره السياسي بعد غياب هذه الشخصية العظيمة ، كما دبّ باستشهاده الوهن والضعف إلى كيان الخلافة الراشدة ، وأخذ معسكر معاوية بالنموّ والتضخّم .
ورغم إيمان المسلمين بعظمة شخصية الامام الحسن السبط (ع) ، وقدسـيّته ومكانته السياسية والاجتماعية الفريدة ، وهيبته ، ومقامه المقدّس ، وتعريف رسول الله (ص) بمكانته والنص على تفضيله ، وعلى الرغم من وصيّة أبيه (ع) ومبايعة الاُمّة له بالولاية والخلافة بعد أمير المؤمنين (ع) ، على الرغم من ذلك كلّه ، فما أن استشهد الامام عليّ (ع) حتّى أعلن معاوية نفسه خليفة عاماً للمسلمين ، وكتب إلى الخليفة الرّاشد الامام الحسن بن عليّ بن أبي طالب (ع) ، يطالبه بالتنازل ، ويلوِّح له بالسّيف ويهدِّدهُ بالحرب .
وقد حفظ لنا التاريخ كلاًّ من كتاب معاوية وجواب الامام الحسن بن عليّ ، فقد كتب معاوية إلى الحسن بن عليّ (ع) يهدِّده ويطلب منه التنازل . وجاء ذلك بكتابه الّذي قال فيه :
« بسم الله الرّحمن الرّحيم :
أمّا بعد،فإنّ الله عزّ وجلّ يَفعَلُ في عِبادِهِ ما يشاء لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه وهو سريعُ الحساب،فاحذرْ أنْ تكونَ مَنيَّتُك على يَدِ رِعاع(21)مِنَ الناس وايْأسْ من أن تجدَ فينا غَميزَة (22)،وإنْ أنتَ أعرضتَ عمّا أنتَ فيه،وبايَعْتَنِي،وَفيتُ لكَ بما وَعَدْتُ،وأجَزْتُ لكَ ما شرطتُ، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس بن ثعلبة :
وإنْ أحْدٌ أسْدى إليكَ أمانَة فَأوْفِ بها تُدعى إذا مِتَّ وافيا
ولا تَحسَدِ المَولى إذا كان ذا غنىً ولا تَجْفه إنْ كان في المالِ فانِيا
ثمّ الخلافة لك من بعدي ، فأنتَ أولى الناس بها ، والسّلام» .
فأجابه الحسن بن عليّ (ع) :
« أمّا بعد ، وصل إليَّ كتابك تذكر فيه ما ذكرتَ ، فتركتُ جوابَكَ خَشيةَ البغي عليكَ ، وبالله أعوذُ مِن ذلك،فاتّبِعِ الحقَّ تَعلَمْ أنِّي مِن أهله،وعليَّ إثْمٌ أنْ أقولَ فأكذبَ، والسّلام»(23).
ولم يكن الامام الحسن ليذعن إلى طلب معاوية ، ولم يفكر بالتنازل عن رضى وقناعة ، بل كان يرى الشرعيّة في موقفه ، والامامة والخلافة والبيعة قد تمّت له ، لذا أعدّ العدّةَ ، وهيّأ الجيوشَ ، واشـتبكَ في معركة ضارية مع معاوية بن أبي سـفيان ، إلاّ أنّ خيانة بعض القادة ، ووسائل الرشوة والتلويح بالمناصب لبعض الشخصيّات ، وعوامل اُخرى جعلت الميزان العسكري والسياسي يميل لمعاوية ، فاضطرّ الامام الحسن إلى حقنِ الدماء ، وإيقاف النزيف ، وحفظ كيان الاسلام من أعدائه الّذين كانوا يهدِّدونه من الخارج (دولة الروم) ، ريثما يصفو الجوّ ، وتتهيّأ الظّروف للتحرّك الفعّال ، فوقّع معاهدة صلح مع معاوية لتتمكّن الاُمّة من استئناف وضع سياسي طبيعي بعد حياة معاوية .
وهكذا اضطرّ الامام الحسن(ع)إلى التنازل المؤقّت عن الخلافة وفق شروط واتفاقيات ما زال يحتفظ التأريخ بنصوصها ، ويروي لنا مؤدّاها باختلاف في النصوص والصِّيَغ(24):
1 ـ هذا ما صالحَ عليه الحسن بن عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلِّم إليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة رسول الله وسيرة الخلفاء الراشدين المُهتدين،وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً(25).
2 ـ على أن تكون له(للحسن)الخلافة من بعده(26)،فإن حدث فيه حدث فلاخيه الحسين(27).
3 ـ أنْ لا يُطالب أحداً مِن أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء ممّا كان أيّام أبيه الامام عليّ (28) .
4 ـ أنْ لا يتعرّض عمّاله إلى سَبِّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب على المنابر ، ولا ذكره بسوء ، ولا القنوت ((29)) عليه في الصلاة . فلم يُجِبْهُ إلى الكفِّ عن شَتْمِ عليّ ، فطلب أن لا يُشتَم وهو يَسمعُ ، فأجابه إلى ذلك ثمّ لم يفِ له به أيضاً (30) .
5 ـ أنّ الناس آمِنونَ حيث كانوا مِن أرضِ الله تعالى (31) .
6 ـ لا يحقّ لمعاوية التصرّف في المال الموجود في بيت مال الكـوفة ، وإنّما هو للامام الحسن (ع) .
7 ـ أنْ لا يبغي غائلة للحسن وأخيه الحسين ، ولا يتعرّض لاتباعهم وشيعتهم ولاموالهم ونسائهم وأولادهم بسوء .
كُتِبَت الصحيفة واُقِرَّتْ مِن قِبَلِ الطّرفين ، وما أنِ انتهى أمر الاقـرار بها حتّى وقف معاوية وسط أصحابه ثمّ قال :
« ألا وإنِّي كنتُ قد مَنَّيتُ الحسنَ أشياءَ ، وأعطيتُهُ أشياءَ ، وجميعُها تحتَ قدمي ، لا أفِيَ بشيء منها له » (32) .
وانتهت الخلافة الراشدة بتنازل الامام السبط الحسن بن عليّ (ع) عن الخلافة ، وعاد إلى المدينة بعد أن تحمّل أعباء الخلافة نحو ستّة أشهر بعد أبيه الامام عليّ (ع) .
ثمّ دخل معاوية الكوفة بعد التوقيع على الوثيقة مع الامام الحسن (ع) وأطبق جيشُهُ عليها ، فخاطبَ أهلَ الكوفةِ بخطاب تقدّم ذكرهُ ، وقد كان خطابه ذاك بمثابة إلغاء رسمي لبنود الوثيقة المبرمة مع الامام السبط حسب عبارته السالفة «كلُّ شرط شرطتُهُ فتحتَ قدميّ هاتين» ولم يمضِ على صفاء الجو السياسي لمعاوية غير أيّام حتّى بدأ ينفِّذ مخطّطاً مناقضاً تماماً للوثيقة ، وقد انصبّ مخطّطه العدواني البغيض على ما يلي :
1 ـ إشاعة الارهاب والتصفية الجسدية لكلّ القوى المعارضة للحكم الاموي سيما أتباع الامام عليّ (ع) منهم،ومتابعتهم،وإخراس كل لسان حُرٍّ بكل وسائل التنكيل والاضطهاد.
وبمقدور القارئ الكريم أن يدرك أبعاد تلك السياسة الهوجاء من خلال النص الاتي الّذي يوصي به معاوية أحد قادة جيوشه :
« فاقتلْ مَن لقيتَهُ ممّن ليسَ هو على مثلِ رأيك ، واخْرِبْ كلَّ ما مررتَ بهِ مِنَ القُرى ، واحْرِب الاموالَ ، فإنّ حَربَ الاموالِ شبيهٌ بالقتلِ وهو أوجع للقلب » (33) .
وإذا كان المخطّط الاموي المنحرف الّذي يعكس النصُّ السابقُ طبيعتَهُ وانحرافَهُ ، قد بدأ تنفيذهُ في عهد عليّ (ع) ، فإنّه بعد توقيع الوثيقة قد اتّخذ أبعاداً أشدَّ خطورة ، وأبعدَ أثراً في إراقة الدماء البريئة ، وتصفيةِ المعارضين بشتّى مذاهبهم ، وفي طليعتهم أتباع الامام عليّ وأهل بيته (ع) .
فقد كتبَ معاوية إلى ولاته في جميع الامصار : « اُنظروا مَنْ قامَت عليه البيِّنةُ أ نّه يُحبُّ عليّاً وأهلَ بيته ، فامحوه مِنَ الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه » (34) .
وكتبَ كتاباً آخر جاء فيه:«مَنْ اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكِّلوا به واهدموا داره»(35).
وقد صوّر الامام محمّد الباقر (ع) تلك المأساة الدامية بأقصر عبارة وأدقّها حين قال :
« فَقُتِلَتْ شيعتُنا بكلِّ بلدة ، وقُطِّعَت الايدي والارجُل على الظِّنّة ، وكان مَنْ يُذكِّر بحبِّنا والانقطاع إلينا سُجِنَ ، أو نُهِبَ مالُهُ ، أو هُدِمَتْ دارُهُ ، ثمّ لم يزلِ البلاءُ يشتدُّ ويزدادُ إلى زمان عبيدالله بن زياد قاتل الحسين(ع)»(36).
وكان في طليعة ضحايا تلك المجزرة الرهيبة كوكبة من الصحابة الابرار أمثال : حُجْرُ بنُ عَدِي وجماعته ، ورشيدُ الهَجَريّ ، وعَمرُو بنُ الحَمْقِ الخُزاعيّ ، وأوفَى بن
حصْن ، وسواهم كثير ، ومَن شاء الاحاطة بمزيد من الارقام الدالّة على مواقف معاوية فدونَهُ الطبريَّ والكاملَ وشرحَ النهج وغيرَها .
2 ـ إغداق الاموال من أجل شراء الضّمائر والذِّمم إمعاناً في إذابة الشخصية الاسلامية وتمكيناً للسياسة المنحرفة من تحقيق أهدافها السّوداء،وقد تمّ فعلاً شراءُ نوعين مِنَ الناس:
أ ـ بعض الوعّاظ والمحدِّثين الّذين كان لهم دور مفضوح في العمالة لمعاوية وافتراء الاحاديث الكاذبة ونسبتها إلى الرسول (ص) للنيل من عليّ (ع) وأهل بيته قاطبة ممّا لسنا الان بصدد ذكرها .
ب ـ شراء ضمائر الوجوه الاجتماعية الّتي يُخشى مِن تحرّكها ضدّ الحكم الاموي ، وهو أسلوب مارسه معاوية وغيره من ساسة الحكم حتّى صار إحدى متبنّيات السياسة الاموية في جميع مراحلها، وعلى وجه التحقيق وليس أدلّ على ذلك من إرسال معاوية إلى مالك بن هُبَيْرة السّكوني مئة ألف درهم حين بلغه استياؤه من قتل ابن عمّه الصحابي الجليل حجر بن عدي وأصحابه (رض) بأمر معاوية ، فما كان مِنَ السّكوني إلاّ أنْ أخذَ ثمنَ ضميرِهِ وتخلّى عن عزمه على التحرّك بوجه الظلم والفساد!!!
3 ـ المضايقة الاقتصادية وأسلوب التجويع :
وهو من أكثر الاساليب الاموية تأثيراً سلبياً في نفسيّة الاُمّة المسـلمة بإذلالها وإشاعة المَسْكَنة في نفوس أبنائها .
وبالنظر إلى أنّ السياسة المذكورة تقوم على أساس مُحاربةِ القوى المعارضة في رزقِها وقوتِها اليومي ، فقد سلكَ معاوية أبشع الطرق لمحاصرة شيعة أهل البيت (ع) على وجهِ الخصوصِ ومضايقتهم اقتصادياً كما تشير الوثائق التاريخيّة إلى ذلك ، ومنها بيان معاوية الّذي بلّغه لجميع ولاته بهذا الصدد : « اُنظروا مَنْ قامت عليه البيِّنة أ نّه يحبُّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان ، وأسقطوا عطاءه ورزقه » (37) .
وعلى المرء أن يقدِّر أبعاد تلك السياسة الهوجاء الّتي درج على انتهاجها البيت الاموي من تخريب للضمائر وإفسـاد للنفوس وهي مسـألة ليست يسيرة وليست طارئة ، وإنّما منحها معاوية صفة الاستمرارية طيلة العشرين سنة الّتي صفا الجو السياسي له فيها ( 41 هـ حتّى 60 هـ ) .
4 ـ العمل على تمزيق أواصر الاُمّة الاسلامية بإثارة الروح القومية والقبلية والاقليميّة بين قطاعاتها المختلفة إمعاناً منه في إلهاء الاُمّة في تناقضات جانبية على حساب تناقضها الاساس مع الحكم الاموي الجائر،وذلك في ممارسة إثارة الضغائن بين القبائل العربية وإشغالها بالصراعات الجانبية فيما بينها ، كالصراع الّذي نشب بين قيس ومضر ، وأهل اليمن والمدينة ، وبين قبائل العراق فيما بينها ! وإثارة العنصرية عند العرب ضدّ المسلمين من غير العرب الّذين يُعرَفون تاريخياً باسم الموالي ، وبمقدور المرء أن يجد آثار تلك السياسة الجاهليّة جلياً في أشعار مسكين الدارمي والفرزدق وجرير والاخطل وسواهم (38) .
5 ـ اغتيال الامام السبط الحسن بن عليّ (ع) باعتباره الممثِّل الشرعي للتيار الاسلامي السّليم في دنيا المسلمين .
6 ـ تتويج معاوية لولده (يزيد) ملكاً على الاُمّة تحت ظلال الكبت والاضطهاد والاغراء والترغيب ، خلافاً للوثيقة الّتي تقضي أن يكون الحسن خليفة للمسلمين بعد موت معاوية ، فإنْ كان الحسن هو الاخر قد رحل إلى ربِّه يومها فالحسينُ وليُّ الامر .
وهكذا استكمل معاوية مخطّطه في نقض كل بند من بنود الوثيقة الّتي عقدها مع الامام الحسن (ع) ، وقد ارتكب شططاً آخر تجاوز فيه حدود المفهوم الاسلامي في الحكم ، من خلال اتخاذ «الوراثة» ذات الطابع الدكتاتوري اُطروحةً للحكم في دنيا المسلمين ; الامر الّذي عرّض المبدأ الاسلامي والاُمّة الاسلامية إلى أعنف كارثة في تأريخها ، حيث بدأ مسـار حركتها يأخذ طريقه باتّجـاه مغايِر للخط الاسلامي الاصيل بشكل لا غبار عليه .
وقد تبلور واقع الانحراف الّذي خطّطت له السياسة الاموية والّذي رعاه معاوية وتبنّاه بشكله المرعب فور موته بتولِّي ابنهُ يزيد الحكم الموروث .
إنّ منح يزيد السلطة ليقود الاُمّة الاسلامية ، ويخطِّط لمستقبلها ، ويحدِّد مسارها ; معناه الانهاء العملي للوجود الاسلامي على الاطلاق ، وردّة واقعية عن مبادئ السّماء ، وعودة للجاهلية ولكن في ثوب جديد .
فيزيد هذا ـ كما تؤكّد المصادر التاريخـيّة ـ يغلب عليه طابع الشذوذ في شتّى أفكاره وممارساته ومشاعره .
وحين يعدم يزيد الجوّ التربويّ الّذي يوفِّره الاسلام عادةً لابنائهِ،فإنّ الامر لا يدعو إلى العجب بعد ذلك إذْ أطلعنا التاريخ الاسلامي على نشاطات مشبعة بروح الانحراف عن الاسلام ممّا كان ابن معاوية يُمارسهُ على مَسْمَع ومَرْأى مِن كثير مِنَ المسلمين في بلاد الشام،كاللّهو الماجن واللّعب الخليع وشرب الخمر ومنادمة الفتيات والغناء،وكان يُلبِسُ كلابَهُ أساورَ الذّهب(39).
قال المؤرِّخ البلاذري :
« كان ليزيدَ قردٌ يجعلُهُ بين يديهِ ويكنِّيهِ أبا قيس ويقول : هذا شيخٌ مِن بني إسرائيل أصاب خطيئةً فَمُسِخَ ، وكانَ يسقيه النّبيذَ ويضحكُ ممّا يصنعُ ، وكان يحملُهُ على أتان وخشبة ويُرسِلها مع الخيل » (40) .
وقال المؤرّخ ابن كثير :
« رُوِيَ أنّ يزيد كان قد اشـتهر بالمعازف وشرب الخمر والغناء والصّيد واتخاذ الغِلمان والقِيان والكِلاب والنِّطاح بينَ الكِباش والدّباب والقرود ، وما من يوم إلاّ يُصبحُ فيهِ مخموراً ، وكان يشدُّ القردَ على فرس مسرّجة بحبال ويَسوقُ بهِ ، ويُلبِسُ القِردَ قلانِسَ الذّهبِ ، وكذلك الغلمان ، وكان يُسابِقُ بين الخيلِ ، وكان إذا مات القردُ حَزنَ عليه ، وقيلَ إنّ سببَ موتِهِ أ نّه حملَ قِردةً وجعل يُنَقِّزها فعضّتْه » (41) .
وقال المؤرِّخ المسعودي :
« وكان يزيدُ صاحِبَ طَرَب وجَوارِحَ ((42)) وكلاب وقرود وفهود ومُنـادمة على الشّرابِ ، وجلسَ ذات يوم على شرابه، وعن يمينه ابنُ زياد، وذلك بعد قتل الحسين ، فأقبلَ على ساقيه فقال :
أسقني شِرْبَةً تُروِّي مُشاشي ((43)) ثُمّ مِلْ فاسقِ مثلَها ابنَ زياد
صاحِبَ السِّرِّ والامانَةِ عِنْدي ولتســديدِ مَغْـنَمي وجِهـادي
ثمّ أمرَ المغنِّين فغنّوا به » .
« وغلبَ على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعلُهُ مِنَ الفسوقِ ، وفي أيّامهِ ظهرَ الغناءُ بمكّة والمدينة ، واستُعْمِلَت الملاهي ، وأظهرَ الناسُ شِرْبَ الشّرابِ ، وكان له قردٌ يُكنّى بأبي قيس يُحْضِرُهُ مجلسَ مُنادَمَتِهِ ، ويطرحُ لهُ مُتَّكأ ، وكان قرداً خبيثاً ، وكان يحملهُ على أتان وخشبة قد رُيِّضت وذُلِّلت لذلكَ بسرج ولجام ، ويُسابقُ بها الخيلَ يومَ الحَلَبَةِ ، فجاءَ في بعضِ الايّامِ سابِقاً ، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل ، وعلى أبي قيس قباء من الحريرِ الاحمرِ والاصفرِ مشمّر ، وعلى رأسه قلنسوة مِنَ الحرير ذات ألوان بشقائق ، وعلى الاتان سرجٌ مِنَ الحرير الاحمر منقوشٌ ملمّعٌ بأنواع مِنَ الالوان » (44) .
ولم ينته الموقف إلى هذا الحد ، ولم تهدأ الحرب والصراع الممتد من بزوغ الدعوة الاسلامية بين الامويين وأهل البيت (ع) ، وجلس الحسنان (الحسن والحسين) بعيدين عن الميدان السياسي بصيغته العملية ، وبدأت الحملة تشتدّ ضدّ أهل البيت وضدّ أتباعهم من قِبَلِ معاوية وجهازه الحاكم ، والصراع يتصاعد ، والمحنة تتفاقم ، حتّى تُوفِّي الحسن (ع) فاتّجه الناس إلى الحسين (ع) ، وقرّروا البيعة له وخلع حكومة معاوية .
بينما قرّر معاوية أن ينصب ابنه يزيد خليفة على المسلمين من بعده،ويأخذ له البيعة بنفسه خلافاً للاعراف والاحكام الاسلامية المتّبعة في تعيين الخليفة،فأثار هذا القرار الرأي العام الاسلامي وخصوصاً الشخصيات الاسلامية البارزة كالحسين ابن عليّ(ع)،وعبدالرّحمان بن أبي بكر،وعبدالله بن الزُّبير،وعبدالله بن عمر،وشخصيات مرموقة اُخرى.
فقد نقل المؤرِّخون صوراً ومواقف تاريخيّة معبِّرة عن الرّفض والمواجهة ، نذكر بعضاً منها :
« وفي سنة خمسين فُتحت قوهستان عَنوةً ، وفيها دعا معاوية أهل الشام إلى البيعة بولاية العهد من بعده لابنه يزيد ، فبايعوه ، وهو أوّل مَنْ عهد بالخلافة لابنه ، وأوّل مَنْ عهد بها في صحّته. ثمّ أ نّه كتب إلى مروان بالمدينة أن يأخذ البيعة ، فخطب مروان فقال : إنّ أمير المؤمنين رأى أن يستخلف عليكم ولده يزيد سُنّةَ أبي بكر وعمر ، فقام عبدالرّحمان بن أبي بكر الصِّديق فقال : بل سنّة كسرى وقيصر ، إنّ أبا بكر وعمر لم يجعلاها في أولادهما ، ولا في أحد مِن أهلِ بيتهما .
ثمّ حجّ معاوية سنة إحدى وخمسين ، وأخذ البيعة لابنه ، فبعث إلى ابن عمر فتشهّد وقال : أمّا بعد ، يا ابن عمر ! إنّك كنتَ تُحدِّثني أ نّك لا تحبّ أن تبيت ليلة سـوداء ليس عليك فيها أمير ، وإنِّي اُحذِّرُكَ أنْ تشـقَّ عصا المسلمين أو تسعى في فساد ذات بينهم . فحمد ابن عمر الله وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد ، فإنّه قد كان قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنُكَ بخير مِنْ أبنائِهِم ، فلم يَرَوْا في أبنائِهِم ما رأيتَ في إبنك ،
ولكنّهم اختـاروا المسـلمين حيث علموا الخـيار ، وإنّك تحذِّرني أنْ أشقّ عصـا المسلمين ، ولم أكن لافعل وإنّما أنا رجل من المسلمين ، فإذا اجتمعوا على أمر فإنّما أنا رجل منهم . فقال : يرحمك الله ! فخرج ابن عمر .
ثمّ أرسلَ إلى ابن أبي بكر فتشهّد ثمّ أخذ في الكلام فقطع عليه كلامه ، وقال : إنّكَ لو وَدَدْتَ أ نّا وكّلناك في أمر ابنك إلى الله ، وإنّا والله لا نفعل ، والله لَتَرُدَّنَّ هذا الامر شورى في المسلمين ، أو لَنُعِدنَّها عليك جذعة ، ثمّ وثب ومضى ، فقال معاوية : اللّهمّ اكفنيه بما شئتَ ، ثمّ قال : على رِسلكَ أ يُّها الرّجل ، لا تشرفنَّ على أهل الشّام فإنِّي أخافُ أن يسبقوني بنفسكَ حتّى اُخْبَرَ العشيّةَ أ نّك قد بايعتَنا ، ثمّ كُنْ بعد على ما بدا لكَ مِن أمرِك .
ثمّ أرسلَ إلى ابن الزُّبير ، فقال : يا ابن الزُّبير ! إنّما أنتَ ثعلبٌ روّاغٌ ، كلّما خرجَ من جُحْر دخلَ في آخر، وإنّك عمدتَ إلى هذينِ الرّجلينِ فنفختَ في مناخرِهما، وحملتهما على غير رأيهما .
فقال ابن الزُّبير : إن كُنتَ قد مَلَلْتَ الامارةَ فاعتزِلْها ، وَهَلُمّ ابنَكَ فلنبايِعْهُ ، أرأيتَ إذا بايَعنا ابنَكَ معكَ لايّكما نسمعُ ونطيعُ ؟ لا تجتمعُ البيعةُ لكما أبداً .
ثمّ راح ، فصعد معاوية المنبر فحمدَ الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : إنّا وجدنا أحاديث الناس ذات عَوار ، زعموا أنّ ابن عمر وابن أبي بكر وابن الزُّبير لن يبايعوا يزيد ، وقد سمعوا وأطاعوا وبايعوا له ، فقال أهل الشّام : والله لا نَرضى حتّى يُبايِعوا له على رؤوسِ الاشهادِ ، وإلاّ ضربنا أعناقهم . فقال : سبحانَ الله ! ما أسرعَ الناس إلى قريش بالشّرِّ ، لا أسمع هذه المقالة مِن أحد منكم بعد اليوم ، ثمّ نزل . فقال الناس : بايع ابن عمر ، وابن أبي بكر ، وابن الزُّبير ، وهم يقـولون : لا والله ما بايعنا ، فيقول الناس : بلى ، وارتحلَ معاوية فلحق بالشّام » (45) .
وهكذا وقفت الاُمّة على عتبة تاريخ جديد من حياتها ، وأصبحت أمام خيارين :
إمّا أن تتبنّى سياسة الرفض القاطع للواقع الّذي فُرِضَ عليها مهما كان الثمن .
أو القبول بسياسة الامر الواقع ، حيث عليها أن تتنازل عن رسالتها وسرّ عظمتها وعنوان عزّتها في الحياة ، فكيف كان الامر ؟

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com