سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)


في المدينة المنوّرة

أدرك الحسين (ع) خطّة الحزب الاموي ، وعلم أنّ محنة سياسية مروّعة ستحل بالاُمّة ، وانّ واجبه الشرعي ، يستنهضه كقائد وإمام ، وأنّ الاُمّة لا تتّجه في محنتها إلى غيره ، لقد أصبح المُقامُ في المدينة المنوّرة غيرَ مُجْد ، والوضع السياسي متوتِّراً ، والرّأي العام يعاني من اضطراب وبلبلة ، والعهد الّذي بين معاوية والحسن (ع) قد ضُرِبَ به عرض الحائط ، ولم يَفِ معاوية بن أبي سفيان بشيء منه ، والوليد ومروان يلحّان بالبيعة عليه ، فأرسلا إليه مرّة ثانية رجالاً يدعونه للحضور فقال لهم :
«أصبحوا ثمّ ترون ونرى» (80) .
لذا قرّر الحسين (ع) الحركة السريعة ، والمبادرة لاتّخاذ الاجراء المناسب للوضع السياسي الخطير الّذي نشأ من تسلّم يزيد شؤون السلطة ومقدّرات الاُمّة ; خلافاً للعهد الّذي وقع بين الامام الحسن (ع) السبط وبين معاوية أوّلاً ; وخلافاً للاسلوب والطريقة الّتي ألفها المسلمون ثانياً ; وعدم لياقة يزيد لقيادة الاُمّة ثالثاً ; ولتسلّط الحزب والاُسرة الامويّة على السلطة رابعاً ; وللانحراف عن مبادئ الاسلام وقيم العدل والمساواة وحلول التسلّط الشخصي بدلاً من سيادة القانون خامساً .
لهذه الاسباب وأمثالها قرّر الحسين (ع) الحركة السريعة ، والتوجّه إلى مكّة المكرّمة ليعدّ للامر عدّته ، ويهيِّئ للاحداث الجديدة الاستعدادات المناسبة ، لذلك جمع الحسين (ع) أهله وحاشيته وأصحابه وانطلق إلى مكّة المكرّمة في اللّيلة الثانية من اجتماعه بالوليد والي المدينة ومروان بن الحكم أحد أعمدة السلطة الامويّة في المدينة وأبرز مخطِّطي سياستها العامّة . من هنا بدأت الانطلاقة الكبرى ، وبدأ نهر الدم الخالد يجري في أَبَدِ التاريخ ، انطلقت مسيرة الحسين (ع) وهو يعلم أنّ الاُمّة قد دخلت مرحلة حضارية وسياسية صعبة، لانّ الحزب الاموي قد أحكم قبضته على الاُمور، وأنّها بحاجة إلى هزّة وجدانية عنيفة وإيقاظ سياسي فاعل .
إنّ الاحداث الكبرى ، والهزّات الوجدانية العظيمة ، والتحوّلات الاجتماعية المُغيِّرة ، لا يمكن أن يُحْدِثَها إلاّ رجالٌ عظماء وإلاّ شخصيّات حدِّيّة تعيش في وجدان الاُمّة وتتفاعل مع ضميرها ، وتؤثر في حسّها ووعيها ، ولم يكن في تلك المرحلة من شخصية تملك هذه المؤهّلات إلاّ الحسين (ع) ، فهو يعلم أ نّه القادر على هزّ الحكم الاموي وتفجير البركان تحت عرش يزيد ، وأ نّه القادر على كلتا الحُسنين ، النصر أو الشهادة ، وأنْ يُحْدِثَ النّقلةَ والهزّةَ والحركةَ ، وأنْ يختطّ للاُمّة درب الجهاد والثورة على الحاكم الظالم ، فإنِ انتصر سيقيم عدل الاسلام ، ويُطبِّق أحكام الشريعة وقيم الحق الّتي نادت بها ، وإنِ استشهد فسيبقى شلاّل الدم المقدّس يجري عبر وديان الحياة ، يخصب الثورات ، ويسقي أغراس الشهادة .
كان الموكب القليلُ العددِ ، العظيمُ الارادة ، العبقريُّ التصميم ، الّذي زحف به الحسين من مدينة جدِّه الرسول الخالد محمّد (ص) إلى مكّة ليقرِّر هناك مستقبل المسيرة ، وثيقةً خالدةً من وثائق الرسالة الاسلامية المقدّسة ، وأساساً من اُسس التشريع والفكر السياسي ، لقد قرّر مبدأً سياسياً ، وأعلن أصلاً عقائدياً وقانونياً من اُصول الاسلام السياسية ، وكيف ينبغي أن يكون الموقف واُسلوب التعامل مع الحاكم المستبد ، والظالم المتسلِّط .
لقد ثبّت مبدأَ الانتفاضة والثورة ، وأسبغَ صفةَ الشرعية الكاملة لاوّل مرّة في تاريخ الاسلام على مثل هذا الموقف وتلك المواجهة للسلطة الجائرة ، لقد اجتمعت الكوكبة من آل البيت النبوي (ع) حول الحسين (ع) ، وشدّت الرِّحالَ ، وسلكت (81)درب الكفاح الطويل ، فقد اصطحب الحسين (ع) معه إخوته وأبنـاءه وبني أخيه وجلّ أهل بيته ، إلاّ محمّد بن الحنفية ، وقد عَظُمَ الامرُ عليه ، واسـتولى عليه حبّ الحسين (ع) ، فوقف بين يديه ينصحه :
« تَنَحَّ ببيعتِكَ عن يزيد ، وعن الامصار ما استطعتَ ، وابعثْ رُسلَكَ إلى الناس ، وادعُهُم إلى نفسك ، فإن بايعوا لكَ حمدتَ الله على ذلك ، وإنْ أجمعَ الناسُ على غيرِك لم يُنْقِصِ اللهُ بذلك دينَكَ ولا عقلَكَ ، ولا تذهب به مروءتُكَ ولا فضلُكَ ، إنِّي أخاف أن تأتي مصراً وجماعة من الناس فيختلفوا عليك ، فمنهم طائفة معك واُخرى عليك فيقتتلون فتكون لاوّل الاسنة ، فإذا خيرُ هذه الاُمّةِ كلّها نفساً أباً واُمّاً أضيعُها دماً وأذلّها أهلاً . قال الحسين (ع) : فأين أذهبُ يا أخي ؟ قال : انزل مكّةَ فإنِ اطمأنّتْ بكَ الدار فبسبيل ذلك ، وإنْ نأتْ بكَ لحقتَ بالرِّمالِ وشعف الجبالِ ، وخرجتَ من بلد إلى بلد حتّى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، ويفرق لك الرأي(82) ، فإنّك أصوب ما يكون رأياً ، وأحزمه عملاً حين تستقبل الاُمور استقبالاً ، ولا تكون الاُمورُ عليك أبداً أشكلَ منها حينَ تستَدْبِرُها ، قال : يا أخي ! قد نصحتَ وأشفقتَ وأرجو أن يكونَ رأيُكَ سديداً ، وموفّقاً إن شاء الله ، ثمّ دخل المسجد وهو يتمثّل بقول يزيد بن مفرّغ :
لا ذَعرتُ السّوامَ في شفقِ الصُّبـ ـحِ مغيراً ولا دُعيتُ يزيدا
يوم اُعطى مِنَ المَهانَةِ ضِيما والمنايا يَرصُدنَني أنْ أحيدا » (83)
وتحدّث عمر بن عليّ بن أبي طالب (أخو الحسين) معه ونعاه إلى نفسه ، فقد نقل السيِّد ابن طاووس ; قال :
«وحدّثني جماعة منهم أشرت إليه بإسنادهم إلى عمر النسّابة رضوان الله عليه فيما ذكره في آخر كتاب الشافي في النّسب بإسناده إلى جدِّه محمّد بن عمر قال: سمعتُ أبي ، عمر بن عليّ بن أبي طالب (ع) يحدِّث أخوالي آل عقيل قال : لمّا امتنع أخي الحسين (ع) عن البيعة ليزيد بالمدينة دخلتُ عليه فوجدتُهُ خالياً ، فقلت له : جُعِلتُ فِداكَ يا أبا عبدالله حدّثني أخوك أبو محمّد الحسن عن أبيه (ع) ثمّ سبقتني الدمعة ، وعلا شهيقي ، فضمّني إليه ، وقال : حدّثك أنِّي مقتول ، فقلت : حوشيت يا ابن رسول الله ، فقال : سألتُكَ بحقِّ أبيكَ بِقَتلي أخبرَكَ ؟ فقلت : نعم ، فلولا ناوَأتَ وبايعتَ ، فقال : حدّثني أبي ، أنّ رسول الله (ص) أخبره بقتله وقتلي وأنّ تربتي تكونُ بقربِ تُربتِهِ ، فتظنُّ أ نّك علمتَ ما لم أعلمْهُ ، وأ نّه لا اُعطي الدّنِيّةَ مِن نفسي أبداً ، ولَتَلْقَيَنَّ فاطمةُ أباها شاكية ما لَقِيَتْ ذرّيتُها مِن اُمّته ، ولا يدخل الجنّة أحد آذاها في ذرِّيّتها» (84) .
لم يجد الحسين (ع) مفرّاً من الخروج من المدينة والتحرّك في الافاق ، والاحتكاك بالرأي العام ، واستطلاع الاتّجاه السياسي للاُمّة ، ولم يُثْنِ عزيمتَهُ ، ولم يوقِفْ زحفَهُ كلّ الّذين أشفقوا عليه ، وتخوّفوا عليه من القتل ، فقد كان موقفه عزيمة لاتلين ، وإرادته جبلاً لا ينهدّ ، فقد تشبّثت به اُمّ سَلَمَة زوجة رسـول الله وناشـدتهُ أن لا يخـرج ، وأخبرته عن جدِّه رسول الله (ص) أ نّه يُقتَل ، فاعتذر لها وقال : «يا اُمّاه وأنا أعلم أنِّي مقتول» .
ووفد عليه عبدالله بن عمر بن الخطّاب ، وطلب منه العـدول عن رأيه والبيعة ليزيد ، فأبى الحسين (ع) ورفض إلاّ الخروج والمواجهة ، فلم يكن الامر الّذي آلت إليه الاُمّة ليسمحَ للحسين بالسّكوت ، لذلك ردّ على عبدالله بن عمر :
«يا أبا عبدالرّحمان ! أما علمتَ أنّ مِنْ هوان الدُّنيا على الله أنّ رأس يحـيى بن زكريّا اُهدي إلى بَغِيّ من بغايا بني إسرائيل ، وأنّ الله أمهلَ بني إسرائيل ولم يعاجِلْهُم بالعقوبة» (85) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com