قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)
وَداعاً يا رسول الله
ولم يغادر الحسين (ع) المدينة المنوّرة حتّى زار قبر جدّه رسول الله (ص) زيارة المودِّع الّذي لا يعود ، فقد كان يعلم أن لا لقاء له مع مدينة جدّه ولن يزور قبره بعد اليوم، وأنّ اللّقاء سيكون في مستقر رحمة الله، وأ نّه لن يلقى جدّه إلاّ وهو يحمل وسام الشهادة، وشكوى الفاجعة. وقف الحسين (ع) إلى جوار القبر الشريف فصلّى ركعتين ثمّ وقف بين يدي جدّه العظيم محمّد (ص) يناجي ربّه : «اللّهمّ ! هذا قبر نبيِّك محمّد (ص) ، وأنا ابن بنت نبيِّك ، وقد حضرني من الامر ما قد علمتَ، اللّهمّ! إنِّي اُحِبُّ المعروفَ، واُنكِرُ المُنكرَ، وأنا أسأ لُكَ يا ذا الجلال والاكرام بحقِّ القبرِ ومَنْ فيه إلاّ ما اخترتَ لي ما هو لك رِضىً ولرسولك رِضى»(86). وهكذا كانت عزيمة الحسين(ع)إصراراً ومضاءً، قرارَ الرِّجال،وحَزْمَ القائد الّذي لا يلين،وكيف يلينُ وقد أصبحَ مفزَع الاُمّـة،وملاذَ الرِّسالة؟والعلامةَ الفارقة،ومُفترَق المسير؟ إذن نحو مكّة ، إلى الحرم الامن ، ليبدأ التحرّك وتبدأ الانطلاقة من هناك . اتّجه ركبُ الحسين (ع) نحو مكّة(87) ، وسارت الكوكبة الرائدة في طريق الجهـاد والشهادة تَغُذُّ السّيرَ ، وتقطعُ الفيافيَ والقِفارَ ، سار الحسين (ع) ومعه نفر من أهل بيته وأصحابه وبرفقتِهِ نساؤه وأبناؤه واُخته زينب الكبرى وهو يقرأ قول الله تعالى : (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ ا لْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) . (88) وفي أثناء المسير ، وفي الطريق الموصل إلى مكّة المكرّمة ، لقيه عبدالله بن مطيع فأشفق على الحسين (ع) ، وتملّكه الخوفُ من غيابِ شخص الحسين (ع) ، وخُلوِّ الميدان من إمام وقائد رسالي ليس له في عصره من مثيل . لقد كانت الامال تُعقد على الحسـين (ع) ، والقلوب تتعلّق به ، والاُمّة ترجو حركته وثورته ، فهو الامل والمفزع لهذه الاُمّة في عصره ، والقوّة الّتي تستطيع أن تجابه السلطة اليزيدية الغاشمة ، لذلك كان عبدالله بن مطيع يخاطبه : «فَوَالله لئن هلكتَ لَنُسْتَرَقَنَّ ((89)) بعدَك» . لقد كان عبدالله بن مطيع يعـبِّر برأيه وكلمته عن الاتّجاه السائد للرأي العام الاسلامي ، فقد كان تعبيره ورأيه شريحة معبِّرة عن وضع اجتماعي عام ، كان يشعر بالاستعباد والذلّة والاستبداد الاموي ، ويرى في شخص الحسين السبط (ع) ، المنقذ والمحرِّر والرّائد ; لذلك يؤكِّد رأيه بالقسم : «فَوَالله لئن هلكت لَنُسْتَرَقَنَّ بعدَك» . إنّ هذا الرّجل يسأل الحسين (ع) ، ويريد أن يستطلع رأيه ، ويعرف موقفَهُ ، فقد أصبح موقف الامام الحسين (ع) موقف اُمّة . يسأل : « جُعلت فِداك ، أين تريد ؟ ـ أمّا الان فمكّة ، وأمّا بعد فإنِّي أستخيرُ اللهَ ، قال : خارَ اللهُ لك ، وجَعَلَنا فِداكَ ، فإذا أتيتَ مكّةَ فإيّاك أن تقربَ الكوفةَ ، فإنّها بلدةٌ مَشؤومةٌ ، بها قُتِلَ أبوكَ وخُذِلَ أخوكَ واغتيلَ بطعنة كادت تأتي على نفسه ، إلزَمِ الحَرَمَ ، فإنّكَ سيِّدُ العربِ ، لا يَعْدِلُ بكَ أهلُ الحجاز أحداً ، ويتداعى إليكَ الناسُ مِن كلِّ جانب ، لا تُفارِقِ الحَرَمَ ، فِداكَ عمِّي وخالي ، فوَالله لئن هَلَكْتَ لَنُسْتَرَقَنَّ بعدَك » (90) . المسافة شاسعة ، والارض مديدة ((91)) ، ورمال الصّحراء توقدُها حرارةُ الشمس اللاّفحة ، وقطار الحسين (ع) يخترقُ قلبَ الصّحراء ، ويجتازُ كثبانَ الرِّمال ، ولوافِحَ الحَصى . وهكذا سارت كواكب الفداء وطلائع الجهـاد تيمِّم وجهها شطر البيت الحرام ، لتنتهي إلى أرض الطّفوف ، إلى كربلاء ، إلى مثوى الخالدين ، ومنار الاحرار يقودها الحسينُ سالكاً الدّربَ الّذي اعتادَ الناس سلوكَهُ ، متحدِّياً السلطةَ والقوّةَ والمطاردةَ، مذكِّراً بهجرةِ أبيه عليّ بن أبي طالب من مكّة إلى المدينة يوم خرج ضُحىً بركبِ الفواطم ، متحدِّياً كبرياء قريش وصلفها ، خلافاً لما اعتاده المهاجرون من التستّر بظلامِ اللّيلِ ، وسلوكِ المنعطفاتِ ، والطّرقِ الغريبة على المارّة . إنّ روح عليّ ما زالت تسبحُ بين جنبيه، وقلبُ ذاك البطل الشُّجاع يربض كالجبل في أعماق . لقد استشعر أهل بيته وأحباؤه الخطرَ، وخافوا عليه من الملاحقة ومضايقة السّلطة ، كما فعلت قبل يومين مع ابن الزُّبير فطاردتْهُ حينَ خرجَ فلم تلحقْ به لا نّه سلكَ طريقاً غيرَ الطريق المألوف، فأشاروا عليه أنْ يهجُرَ الطّريق السّالكة إلى طريق آخر ، ويبتعد عن العيون ، فرفض الحسين (ع) ، وأصرّ على أن تكون الرّحلة عملاً إعلاميّاً، وحركة مضادّة، واحتجاجاً واضحاً، ومحفزاً مثيراً لضمير الاُمّة وإحساسها، يلتقي به الرّكبانُ ، ويشاهِدُهُ المسافرون ، ويعلم بهجرته الناس ، ليتساءلوا وليعرفوا ، لماذا هجر الحسين مدينة جدّه رسول الله (ص) وهو سيِّدها وابنها وأعزّ أهلها ؟ ليتحدّث الناس وليكثر الحديث حول الرِّحلة، ولِتَتَحوَّلَ الهجرة وعملية التغريب هذه إلى عمل إعلامي مضاد للسّلطة ، ليزرعَ الثِّقةَ في نفوسِ الناس ، ويمزِّقَ حاجب الخوف ، ويربِّي روح الصّلابة والتحدِّي الجريء . إنّه قادم على المقاومة ، وعازم على المواجهة ، فلا تردّد ، ولا ضعف ، ولا نكـوص ، لذلك تراهُ يردُّ بإصرار على الّذين قالوا له من أهل بيته : «لو تَنَكَّبتَ الطريقَ الاعظم كما فعل ابن الزُّبير كيلا يلحقَـكَ الطّلبُ ، فقال : لا والله ، لا اُفارقه حتّى يقضي الله ما هو قاض» (92) . فسارَ موكبه عَلَماً ينتصبُ على قارعة الطريق ، وصوتاً يُدوِّي في آفاق البيد ، وثورةً تخترقُ قلب الجزيرة ; إنّه الحسين ، وليس في الافاق مَن لا يعرف هذا القائد العظيم . احتشدت محافل المدينة،مجالس أبناء المهاجرين والانصار،وفيهم الصحابة والتابعون، يتحدّثون ويتناجون،لقد رحل ابن رسول الله(ص)،وهجر مدينة جدّه(ص)،إنّه قادم على أمر عظيم،لقد أبى البيعة،ورفض الخنوع لسلطة يزيد،وما عسى الاُمّة أن تنتظر؟ ها هي ديار عليّ والحسين والزّهراء قد أمسى عليها ليل الفراق ، وأحاطتها وحشة البُعْد والغُرْبة ، لقد نأى الحسين (ع) ، وأمستِ المدينةُ موحشة تبكي سيِّدَها الرّاحلَ ، والقلوبُ يعتصرُها الاسى ، والنفوسُ يفترسُها الالمُ ، ويحوطُها الخوفُ والوجل . إنّها تخشى الخذلانَ ، وتتخوّف العاقبةَ ، سيُخذَلُ الحسين (ع) ، وسيُقتَل ، سيغيب عن سماء المدينة نجم ليس بوسع السّماء أن تلمع بمثله . ها هي داره مطفأة الانوار ، وها هو بيته الرفيع أمسى خربة مهجورة ، وها هي شُرُفات الدّار المظلمة عيونٌ حيرى ترقبُ دربَ الحسـين (ع) . لقد كانت بالامس تعمرُها الصّلاةُ ، وتتعالى في أرجائها أصواتُ المتهجِّدين ، ويرى الناس فيها وديعة رسول الله (ص) ، وبضعة الزّهراء ، وبقيّة أهل الكساء ، وقد أمستِ اليومَ صوتَ ناع يبكي الرّاحلين ، وقلبَ آس يَنعَى المغتربين . ها هنا كان الحسين (ع) ، وفي هذه الدّار كان يجتمع أهل البيت (ع) ، ها هنا كان يناجي سُكينةَ ابنتَهُ والرّباب زوجَهُ ويردِّد في حبِّهما : لعَمْرُك إنَّني لاَُحِبُّ داراً تكونُ بها سكينةُ والرّبابُ اُحِبُّهُما وَأَبْذِلُ جُلَّ مالِي وليسَ لِعاتِب عِندي عِتابُ (93) لقد بقيت الدّار هي الاُخرى مَعْلَماً مِن معالم الاحتجاج ، وقلعةً مِن قلاع الصّمود والثّبات ، ولِساناً مِن ألسنةِ الاعلام والتعريف بالقضيّة من يوم هجرها الحسين (ع) ، وحتّى آخر عهدها ، يندبها الشّعراء ، ويناجيها الاُدباء . لقد أصبحت الطّلول تشكو غياب الحسين (ع) ، وتندب الراحلين ، وتحتجب في ظلمة اللّيل البهيم بصمتها الناطق ، وسـكوتها المعـبِّر ، وربوعها الخـالية وشموخها المهيب . وراح ركب الحسين (ع) يطوي الفلاة ، ويُغِذُّ السّير ، حتّى بلغ مكّة المكّرمة ، ودخل أرض البلد الحرام : «ليلة الجمعة لثلاث مَضَيْنَ من شعبان ، دخلها وهو يقرأ قوله تعالى : (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلَ ) »(94) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|