سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)


في الحرم الامن

حلّ الحسـين (ع) في مهبط الوحي ومدينة السّلام مكّة المكرّمة ، فنزل في دار العباس بن عبدالمطلـب واستقرّ فيها ليمارس مهامه السـياسية في ظلال الحصانة الشرعية لبيت الله الحرام .
كان دخوله مكّة مثيراً مدهشاً ، فقد استقبله المكِّيّون والمعتمرون من الوافدين لبيت الله الحرام وتوافدوا عليه فَرِحينَ به مُرَحِّبين ، سرى نبأ قدوم الحسين (ع) إلى مكّة ، وانتشر خبر خروجه من المدينة ورفضه لبيعة يزيد ، وبدأت الوفود والرسائل تَفِدُ عليه من أرجاء شتّى ، وبدأ يبعث بالكتب والرسل ، ويدعو للثورة وإسقاط سلطة يزيد وخلعِ بيعتِهِ الّتي اُخِذَتْ بالقهر والارهاب والرشاوي والتحايل ، خلافاً لاحكام الشريعة ومنهجها في تعيين الحاكم ، وبدأ التكتّل ، وعُقِدَتِ الاجتماعات في أماكن مختلفة من العالم الاسلامي ، واستبشرت جماهير الاُمّة بتحرّك الحسين (ع) ، وراحتْ تُعقدُ الندوات السياسيّة ، وتُشرحُ فيها الاوضاعُ ، وتُلقَى الخُطبُ ، فقد كان اختيار الحسين (ع) لمكّة المكرّمة ، وانتقاله من المدينة يستهدف :
إلفات نظر الرأي العام وإيقاظه وتحريكه ومراقبته واختياره ورصده عن كثب .
البدء في التعبئة والاعداد وشرح أبعاد القضيّة السياسيّة على ضوء مبادئ الحكم والسياسة والادارة في الاسلام .
التخطيط لقيادة الجماهير وتحديد منطلقات المواجهة من النواحي الزمانيّة والمكانيّة والحدثيّة .
البدء بالمواجهة وإعلان إسقاط حكومة يزيد وإقامة الدولة الراشدة تحت قيادة الحسين (ع) ; إقامة الدولة الّتي تقوم على أساس مبادئ القرآن والسنّة النبويّة الشريفة .
ونحن نقـرأ هذا كلّه في كتبه ومراسـلاته وحواره وإجـابته على الاسـئلة الّتي طُرحت عليه.
وكان من آثار هذا التحرّك ، أن دبّت روح الثورة في العراق ، مركز الحركة السياسية الموالية لاهل البيت آنذاك ، ودعوة الحسين (ع) لقيادته ، فقد اجتمع زعماء المعارضة من أنصار الامام الحسين بن عليّ (ع) في الكوفة في بيت سُليمان بنِ صُرَدِ الخُزاعيّ، واستعرضوا الاوضاع السياسية والاجتماعية وموت معاوية وانتقال السلطة إلى يزيد ، وتباحثوا في مشروع الحسين (ع) وتحرّكه وانتقاله إلى مكّة ورفضه لخلافة يزيد ، وقرّروا نصرة الحسين (ع) والانضواء تحت قيادته وإمامته ، وإعلان الولاء له ومكاتبته بذلك ، فقام سليمان بن صرد الخزاعي ، فألقى خطاباً في الحاضرين قال فيه :
« إنّ معاوية قد هلكَ ، وإنّ حسيناً قد تَقبَّضَ على القوم ببيعته ، وقد خرج إلى مكّة ، وأنتم شيعتُهُ ، وشيعةُ أبيه ، فإنْ كنتم تعلمون أ نّكم ناصروه ومجاهدو عدوِّهِ ، ونقتل أنفسـنا دونه ، فاكتبوا إليه وأعلِمـوه ، وإنْ خِفتُمُ الفَشَلَ والوَهَنَ فلا تغرّوا الرّجلَ في نفسه ، قالوا : لا ، بل نقاتِلُ عدوَّهُ ، ونقتلُ أنفسَنا دونه ، قال : فاكتبوا إليه ، فكتبوا إليه :
(بسم الله الرّحمن الرّحيم . سلام عليك . فانّنا نحمد إليكَ الله الّذي لا إلهَ إلاّ هو . أمّا بعد ، فالحمد لله الّذي قصم عدوّك الجبّـار العنيد الّذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزّها أمرَها ، وغَصبَها فَيْئَها ، وتأمّرَ عليها بغير رِضىً منها ، ثمّ قتلَ خيارَها ، واستبقى شرارَها ، وأ نّه ليس علينا إمـام ، فأقبل لعلّ الله أن يجمـعنا بكَ على الحقِّ ، والنعمانُ بن بشير في قصرِ الامارةِ لَسنا نجتمعُ معه في جمعة ولا عيد ، ولو بَلَغَنا إقبالَكَ إلينا أخرجناهُ حتّى نُلْحِقَهُ بالشّامِ إن شاء الله تعالى ، والسّلام عليكَ ورحمة الله وبركاته) . وسيّروا الكتابَ مع عبدالله بن سبع الهمداني وعبدالله بن وال ، ثمّ كتبوا إليه كتاباً آخر وسيّروه بعد ليلتين، فكتب الناس معه نحواً من مائة وخمسين صحيفة، ثمّ أرسلوا إليه رسولاً ثالثاً يحثّونه على المسير إليهم ، ثمّ كتب إليهِ شِبَثُ بن ربعي وحَجّـارُ بن أَبْجُر ويزيدُ بن الحـارث ويزيدُ بن رويم وعروةُ بن قيس وعمرو بن الحجّاج الزبيدي ومحمّد بن عمير التميمي بذلك » (95) .
واستمرّت الكتب والرّسائل تتوارد على الحسين (ع) وصيحات الاستغاثة تنطلق: «ليس علينا إمام ، فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحقّ والهُدى» . وفي رسائل اُخرى : «إنّ الناس ينتظرونك ، لا رأي لهم غيرك ، فالعجلَ العجلَ ، ثمّ العجل العجل» .
فكتب الامام الحسين (ع) إلى أهل الكـوفة كتاباً يطالبهم فيه باجـتماع الكلمة ووحدة الصف والوفاء بالعهد ، فلاهل البيت النبوي تجربة مُرّة قاسية عاشوها أيّام الامام عليّ (ع) وولده الحسن في قيادتهم لجماهير العراق ، لذلك كتب إليهم كتاباً ضمنه جواب رسـائلهم ، واعتماد ممثل عنه ، وهو ابن عمّه مسلم بن عقيل ليقيِّم الموقف ويستجلي الحقيقة ، ويمهِّد للبيعة والقيادة . وجاء في الكتاب :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم.من الحسين بن عليّ(ع)إلى الملا من المؤمنين والمسلمين. أمّا بعد،فإنّ هانياً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم،وكانا آخر مَن قدم عليَّ مِن رسلكم،وقد فَهِمتُ كلّ الّذي اقْتَصَصْتُم وذكرتم ومقالة جُلِّكُم أنّه ليسَ علينا إمام،فأقبِل لعلّ الله أن يجتمعنا بِكَ على الحقِّ والهُدى.وإنِّي باعِثٌ إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيـل،فإن كتب إليَّ أنّه قد اجتمع رأي مَلَئِكم،وذوي الحِجى والفضل منكم على مثل ما قَدِمَتْ بهِ رُسلُكُم، وقرأتُ في كتبكم،فإنِّي أقدِم إليكم وشيكاً إن شاء الله،فلعمري ما الامـام إلاّ الحاكمُ بالكتاب،القائمُ بالقسط،الدائنُ بدينِ الحقّ،الحابسُ نفسهُ على ذات الله، والسّلام»(96).
ووجّه الحسين (ع) عنايته إلى البصرة، واهتمامه بتعبئة جماهيرها ومخاطبة زعمائها وقادة الرأي والمعارضة فيها ، فكتب إليهم كتاباً جاء فيه :
«بسم الله الرّحمن الرّحيم . أمّا بعد ، فإنّ الله اصطفى محمّداً (ص) على خلقه ، وأكرمه بنبوّته ، واختاره لرسالته ، ثمّ قبضه الله إليه ، وقد نصحَ لعباده ، وبلّغَ ما اُرسِلَ بهِ ـ صلّى الله عليه وآله ـ ، وكنّا أهلَهُ ، وأولياءَهُ ، وأوصياءَهُ ، وورثتَهُ ، وأحقَّ الناس بمقامِـهِ في الناسِ ، فاسـتأثرَ علينا قومُنا بذلك ، فرضـينا ، وكرهنا الفرقة ، وأحببنا العافيـة ، ونحنُ نعلمُ أ نّا أحقّ بذلك الحقِّ المسـتحقّ علينا ممنّ تولاّه . وقد بعـثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب ، وأنا أدعوكم إلى كتابِ اللهِ وسنّةِ نبيِّهِ (ص) ، فإنّ السنّةَ قد اُميتَتْ ، والبِدْعَةَ قد اُحْيِيَتْ ، فإن تسمعوا قولي أهدِكُم إلى سبيلِ الرّشاد» (97) .
وهكذا بلغت أخبـار الحـركة الحسـينية البصرة ، وهي معقل من معاقل العمل والتحرّك السياسي ، والحاضرة الاسلامية الكبرى بعد الكوفة آنذاك ، وفيها زعماء للمعارضة ، ورأي عام مواجه للحكم الاموي ، وقد عانت من الولاة أيّام معاوية معاناة شديدة قاسية ، فعُقِدَ اجتماعٌ في بيتِ إحدى النِّساء العاملات في حقل السياسة ، وهي (مارية) والّتي كانت توالي أهلَ البيت ، وقرّروا نصرةَ الحسين (ع) والبيعةَ له ، ومكاتبته بذلك ، فقد ذكر ابن الاثير هذا الاجتماع وسجّله في كتابه الكامل في التاريخ:
«واجتمعَ ناس من الشيعة بالبصرة في منزلِ امرأة مِن عبد القيس يُقال لها مارية بنت سعدة وكانت تتشيّع،وكان منزلها لهم مألفاً يتحدّثون فيه،فعزم يزيد بن بنيط على الخروج إلى الحسين(ع)،وهو من عبدالقيس،وكان له بنون عشرة،فقال لهم:أيّكم يخرج معي؟ فخرج معه ابنان له:عبدالله وعبيدالله،فساروا فَقَدِموا عليه بمكّة ثمّ ساروا معه فقُتِلوا معه»(98).
وحينَ قدم كتاب الامام الحسين (ع) إلى أهل البصرة ، أجاب فريق منهم أمثال يزيد بن مسعود الّذي جمع بني حنظلة وبني سعد وبني تميم ، وخطبهم وحثّهم على نصرة الحسين (ع) وحذّرهم من الخذلان ، ومن جملة ما ورد في خطابه :
«وقد قام يزيدُ شاربُ الخمور ورأسُ الفجور يَدّعي الخلافةَ على المسلمين ويتأمّرُ عليهم بغير رضى منهم ، مع قصر حلم وقلّة علم ، لا يَعرِفُ مِنَ الحقِّ موطِئَ قدميه ، فَاُقسِمُ باللهِ قَسَماً مَبروراً لَجِهادُهُ على الدِّين أفضلُ مِن جهاد المشركين، وهذا الحسين ابن عليّ وابن رسول الله (ص) ذو الشرف الاصيل والرّأي الاثيل ، له فضل لايوصف وعلم لاينزف ، وهو أولى بهذا الامر لسابقته وسِنِّه وقِدَمِه وقرابته، يعطفُ على الصّغير ويُحسنُ إلى الكبير ، فَأَكْرِمْ به راعيَ رعيّة ، وإمامَ قوم وجبتْ لله به الحجّةُ ، وبلغتْ به الموعظة ، فلا تعشوا عن نور الحقّ ولا تسكعوا في وَهدِ الباطل ، فقد كان صَخرُ بن قيس انخذلَ بكم يومَ الجمل، فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله (ص) ونصرته ، والله لايقصِّرُ أحدُكُم عن نصرتِهِ إلاّ أورثه الله تعالى الذلّ في ولده والقلّة في عشيرته، وها أنا ذا قد لبست للحرب لامتها وادّرعتُ لها بِدرْعها ، مَنْ لَمْ يُقتل يَمُت ، ومَنْ يهربْ لم يَفتْ ، فَأَحسِنوا رحمكم الله ردّ الجواب .
فتكلّمت بنو حنظلة فقالوا : يا أبا خالد ! نحنُ نَبْلُ كنانَتِكَ وفُرسانُ عشيرتِكَ ، إنْ رميتَ بنا أصبْتَ ، وإنْ غزوتَ بنا فَتحتَ ، لا تخوض والله غمرةً إلاّ خُضناها ، ولا تَلقى والله شدّةً إلاّ لقيناها ، ننصرُكَ واللهِ بأسيافِنا ، ونَقيكَ بأبداننا ، إذا شئتَ فافعل .
وتكلّمت بنو سعد بن يزيد فقالوا : يا أبا خالد ! إنّ أبغض الاشياء إلينا خلافُكَ والخروجُ مِن رأيك ، وقد كان صخرُ بنُ قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا ، وبقي عزّنا ، فأمهلنا نراجع المشورة ، ونأتيك برأينا .
وتكلّمت بنو عامر بن تميم فقالوا: يا أبا خالد ! نحن بنو عامر بنو أبيك . وحلفاؤك لا نرضى إن غَضِبتَ ، ولا نوطن إنْ ظعنتَ ، والامرُ إليك ، فادعنا نُجِبكَ ، وَأْمُرنا نُطِعْكَ ، والامرُ لكَ إذا شِئتَ . فقال : والله يا بني سعد ! لئن فعلتموها لا رفع الله السّيف عنكم أبداً، ولا زال سيفُكُم فيكم، ثمّ كتب إلى الحسين (ع): (بسم الله الرّحمن الرّحيم. أمّا بعد ، فقد وصل كتابك ، وفهمتُ ما نَدَبتَني إليه ، ودعوتَني له من الاخذ بحظِّي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإنّ الله لا يُخلِ الارضَ قطُّ مِن عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة ، وأنتم حجّة الله على خلقه ، ووديعته في أرضه ، تفرّعتم من زيتونة أحمدية ، هو أصلُها وأنتم فرعُها ، فأقدِمْ سعدتَ بأسعدِ طائر ، فقد ذلّلتُ أعناقَ بني تميم ، وتركتُهُم أشدَّ تتابعاً في طاعَتِكَ من الابل الظماء لورود الماء يوم خَمْسها وكظّها ، وقد ذلّلتُ لكَ بني سعد ، وغسلتُ درنَ صدورها بماءِ سحابةِ مُزْن حينَ استهلَّ بَرقُها فَلَمَع) .
فلمّا قرأ الحسين (ع) الكتاب قال :
«ما لكَ آمنَكَ اُلله يومَ الخوف ، وأعزّكَ وأرواكَ يومَ العطشِ الاكبر» .
فلمّا تجهّز المُشار إليه للخروج إلى الحسين (ع) بلغه قتله قبل أن يسير فخرج من انقطاعه عنه ، وأمّا المنذرُ بن الجارود ، فإنّه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيدالله بن زياد ، لانّ المنذرَ خافَ أن يكون الكتابُ دسيساً من عبيدالله بن زياد وكانت بحرية بنت المنذر زوجة لعبيدالله بن زياد ، فأخذ عبيدالله بن زياد الرسول فصلبه ، ثمّ صعد المنبر فخطب وتوعّد أهل البصرة على الخلاف وإثارة الارجاف ، ثمّ بات تلك اللّيلة، فلمّا أصبح استناب عليهم أخاه عثمان بن زياد وأسرع هو إلى قصر الكوفة » (99) .
وهكذا اتّضح الموقف،وتحدّدت معالِم الحركة الحسـينيّة،وتحرّك الرأي العام، واستقطب الحسين العواطف والمشاعر،وهو يدير الحركة من مكّة المكرّمة خلال شهر شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة وأيّام من ذي الحجّة،حتّى أنّ مسلم بن عقيل رسول الحسين(ع)، حين قرأ رسالة الحسين(ع)على أهل الكوفة أجهشوا بالبكاء،وتعالت أصواتهم بالاستغاثة، والاستبشار،لذا تحدّدت وجهة الحسين(ع)،وحدّد منطلق الثورة،فاختيار المكان والزّمان والظرف السياسي المناسب شرط من الشروط الاساسيّة في نجاح الحركة الثورية.
وبعد كلّ المعلومات الّتي توفّرت لدى الحسين (ع) أصبح العراق هو البلد المرشّح للانطلاق وإعلان الثورة وقيام دولة الاسلام الراشدة .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com