سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)


الطّليعة والرِّيادة

«بسم الله الرّحمن الرّحيم ((100)) ، للحسين بن عليّ أمير المؤمنين (ع) ، من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين (ع) : أمّا بعد ، فإنّ الناسَ ينتظرونَكَ ، لا رأيَ لهم غيرُكَ ، فالعجلَ يا ابن رسول الله (ص) ، فقد اخضرّ الجنابُ ، وأينعِت الثمارُ ، وأعشبَتِ الارضُ ، وأورقَتِ الاشجارُ ، فأقدِم علينا إذا شِئْتَ ، فإنّما تَقدُمُ على جُنْد مُجَنّدة لكَ ، والسّلامُ عليك ورحمةُ الله وبركاته وعلى أبيكَ من قَبلك» (101) .
تسلّم الحسين (ع) الرسالة الاخيرة، ونظر فيها مليّاً ، ثمّ سأل حاملي الرسالة عمّن كتبها، وصاغَ العهد فيها ، فهي بيعة وتقويم للموقف ، وحثّ على العجل والمبادرة ، أجاب الرّسولان وصرّحا بأسماء الرِّجال الّذين كتبوا للحسين (ع) .
لقد رسمت الرسالة للحسين (ع) صورةَ الموقف ، وأقامَت بين يديه حُجّةَ التحرّك والانطلاق ، إلاّ انّه بعدُ لمّا يطمئنْ ، فلاهل البيت (ع) مع أمثال هذه العهود والمواثيق تجربة عاشها الحسين (ع) بنفسه مع أبيه عليّ أمير المؤمنين (ع) ، ومع أخيه الحسن (ع) ، إنّه يَقدِم على أمر خطير وعليهِ أن يحكم القرار ، ويتقن الموقف .
فزع الحسين (ع) إلى بيت الله الحرام ، واستعان بالصبر والصّلاة ، فوقف بين يدي ربّه وصلّى ركعتين بين الرّكن والمقام ، وسأل الله أن يجعل له الخيرة من أمره ، وأن يهديه إلى ما هو خيرٌ وصلاح .
ارتأى الحسين (ع) أن يرسل مندوباً عنه وممثلاً يوطئ له الاكناف ، ويهيِّئ له الاجواء ، ويعدّ له مستلزمات القيادة الميدانية في الكوفة ، ويصوِّر له واقع الاحداث ، ويعكسها عليه بدقّة وأمانة ، ليستطيع أن يقرِّر الموقف المناسب ، ولم يكن الحسين (ع) ليختار أي رجل لهذه المهمّة الشاقّة والمسؤوليّة الصعبة ، بل لا بدّ من أن يختار رجلاً قادراً على تمثيله ، يتّسمُ بالحكمة والشُّجاعة والنّصيحة لرسوله وللامام والاُمّة ، والاخلاص للقضيّة والايمـان بها ، فوقع اختياره على ابن عمّه مسلم بن عقيل ، فطلب حضوره فحضر بين يدي الامام ، وراح الحسين السبط (ع) يشرح الموقف لمسلم بن عقيل ، ويوضِّح له ما وردَ في الرسائل ، وما جاءت به الرّسل ، ويُطلعه على خفايا الاُمور ; ليكون قادراً على القيام بمهمّة السفارة والتمثيل ، ويملك من المعلومات والتوجـيهات ما يمكنه من تحمّل المسـؤوليّة ومعالجـة المواقف ، ومواجهة المستجدّات والطوارئ .
استجاب مسلم للمهمّة الصّعبة ، واستمع إلى نصائح الحسين (ع) وتوجيهاته : «فأمره بتقوى الله ، وكتمانِ أمرِهِ واللُّطفِ ، فإن رأى الناس مُجتمعين له ، عجّل إليه بذلك» (102) .
وكتبَ معهُ رسالة وجّهها إلى أهل الكوفة ، وقال له : «سِرْ إلى أهل الكوفة ، فإنْ كانَ حقّاً ما كتبوا به ، عرِّفني حتّى ألحقَ بك» .
انطلق مسلم بن عقيل متوجّهاً من مكّة إلى العراق في النصف من شهر رمضان سنة (60 هـ ) ، يصحبه دليلانِ يُدلاّنِهِ الطّريق ، كان الوقتُ صيفاً ، والمسارُ قائِضاً ، والشمسُ مُحرقة ، ورمالُ الصّحراءِ ترمي بشررها وظَمَئِها الرّكبَ المتكتِّم الزّاحف نحو الكوفة، لقد كان الطريق صحراوياً طويلاً ، والمسار صعباً ، فقد استغرقت الرحلة عشرين يوماً من مكّة إلى الكوفة ، فمسلم لم يصل الكوفة إلاّ بعد مضي خمسة أيّام من شهر شوال ، وقد خرج في النصف من رمضان ، ومرّت به أهوال ومخاطر في متاهات البيداء الشاسـعة الّتي قطعها أثناء السفر ، ففي إحدى ليالي المسير ضلّ الدليلان طريقهما ، وتاها في مدارج البيداء ، وظلّوا يسيرون تلك اللّيلة على غير الطّريق، وما أن استبان وجه الصباح، وبدت معالم المسير وعلامات توصل السالكين إلى الطريق ، حتّى أخذ العطش والارهاق من الدليلين كل مأخذ ، وكان الماء قد نفد ، واستحكم الاعياء بهما ، فعجزا عن المسير .
«فأومآ له إلى سُنن الطريق بعد أن لاح لهما ذلك ، فسلك مسلم ذلك السنن ، ومات الدليلان عطشا» (103) .
تعذّر على مسلم حمل الدليلين فتركهما ، وسارَ مُرغماً هو ومَن معه من رجال مسترشدين بإشارة الدليلين ، حتّى اكتشفوا الطّريق ، ولاحت لهم منابع الماء ، فحطّوا رِحالهم ، وأناخوا رَكْبَهُم ، وقد أعياهم المسير ، وآلمهم فقد الدليلين .
استقرّ مسلم قرب الماء بمنطقة تُدعى : «المضيق من بطن الخبت» (104) ، «وكتب إلى الحسين (ع) بأهوال الرحلة ، ومشاق الطريق ، وما لاقى في سفره المتعب هذا ، ثمّ أعلم الحسين (ع) بأ نّه ينتظر جوابه وأوامره في التحرّك والتوجّه لانجاز المهمّة ، وقد عرض عليه أن يعفيَهُ مِن هذه المهمّة لو شاء ذلك . طوى كتابه هذا وبعث به رجلاً من أهل الحيّ يُدعى قيس بن مُسَهّر ، ووجّهه إلى الحسين (ع) في مكّة المكرّمة ، وحين تسلّم الحسين (ع) الرسالة ، كتب كتاباً إلى مسلم يأمره بالمسير ويرفض طلب الاعفاء» (105) .
وفدت رسالة الحسين (ع) الجوابية على مسلم بن عقيل ، فامتثل الامر وتحرّك من وقته ، وسار باتّجاه الكوفة مارّاً بماء لطي ، فحلّ فيه فترة ثمّ واصل السير إلى الكوفة حتّى دخلها في الخامس من شوال ، فنزل دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي ، واتّخذها مقرّاً لعمله ونشاطه السياسي في الكوفة .
وها قد أقبل رسول الحسين (ع) وهو يحمل الرسالة ، ويمثِّل طليعة القيادة والمعارضة ، استبشر الناس وخفّوا لاستقباله ومبايعته وإعلان الولاء له .
بدأ مسلم يجري اتصالاته ، ويزاول نشاطه السياسي بهمّة وإخلاص ، وراحَ يجمع القواعد الشعبية ، ويعبِّئ المقاومة ، ويأخذ البيعة للحسين (ع) ، والوفود تقدِّم ولاءها ، والجماهير تعلن عن استبشارها ، حتّى أنّ الناس كانوا يبكون وهم يسمعون مسلم ابن عقيل يقرأ عليهم رسالة الامام الحسين (ع) ويحيِّيهم ، ويعلن استعداده للقدوم إليهم ، والاخذ بزمام القيادة وشؤون الامامة .
استمرّ مسلم بن عقيل يعبِّئ الكوفة،ويجمع الانصار،ويأخذ البيعة حتّى تكامل لديه عدد ضخم من الجند والاعوان ، فقد بلغ عدد مَن بايعه واستعدّ لنصرته ثمانية عشر ألفاً(106).
لقد أحسّ مسلم ، بصدق الدعوة وكثرة الانصار ، واطمأنّ إلى مستقبل التحرّك وقدرة هذه القوّة على مواجهة الاحداث ، والوقوف بوجه القوى المضادّة لتيّار الحسين (ع) ، فبادر بالكتابة إلى الحسين (ع) ونقل إليه صورة حيّة للاحداث والوقائع وجريان الاُمور في الكوفة ، وقيّم له الموقف ، وأعرب له عن تفاؤله ، وسأله القدوم .
استمرّ تيّار الانفعال الجماهيري يتدفّق نحو مسلم حتّى تحوّل إلى تيّار شعبي مُرعب ، وحدث سياسي يُنذِرُ السّلطةَ المركزية بالخطر ، ولم تكن مثل هذه الانباء لِتخفى على يزيد ، وعلى واليه على الكوفة النعمان بن بشير .
حاول النعمان معالجة الموقف بالوسائل السلمية والحدِّ مِن تدفُّق التيّار ، إلاّ أ نّه عجزَ عن ذلك . فلم ترق سياسة النعمان السلمية لعملاء السلطة وحلفائها ، وخافوا من تطوّر الاحداث وضياع مكانتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الّتي يتمتّعون بها على حساب معاناة الجماهير ، ومآسي المستضعفين ، فكتب أحد حلفاء بني اُميّة ، (عبدالله بن مسلم) إلى يزيد تقريراً صوّر له الاحداث وخطورة الموقف ، وأشار عليه بخلع النعمان ، ووصفه بالضعف والتهاون ، وطالبه بإرسال عنصر إرهابي يستطيع أن يُخضِعَ الجماهير بالقوّة ، ويسحق إرادتها ، ثمّ كتب عملاء آخرون ، بمثل هذا التقرير إلى السلطة المركزية ، (إلى يزيد بن معاوية) كعمارة بن عقبة ، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص ، جاء في التقرير الاوّل :
«أمّا بعد، فإنّ مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة ، وبايعته الشيعة للحسين بن عليّ بن أبي طالب (ع) . فإنْ يكن لكَ في الكوفةِ حاجة فابعث إليها رجلاً قويّاً ، ينفذ أمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوّك ، فإنّ النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف»(107) .
لقد أصبحت الكـوفة مرجلاً يغلي بالاحـداث،وحلبة يصـطخب فيها الصراع، وساحة يتصـارع فيها تيّاران،تيّار أهل البيت(ع)وتيّار الامـويين،وأصبحت الاوضاع تُنْذِرُ بالخطر،وغدا التوتّر شديداً يهدِّدُ بانفجار الموقف،ووقوع الصراع،وكاد الموج يقذف بزبد البحر،ويرمي بغثاء السيل لولا تدخّل عوامل كثيرة قلبت ميزان المعادلة وغيّرت المسار.
انطلقت الرّسل من الكوفة إلى كلٍّ من الحسين (ع) ويزيد ، وكلّ يستحث قيادته ، ويسأله المبادرة ، ويناشده احتواء الموقف ، لقد وصلت الرّسل إلى يزيد تنذره بهبوب العاصفة وانفلات الكوفة ، وتشكو عجز النعمان عن السيطرة على الوضع السياسي الّذي بات يُنْذِرُ الامويين بالخطر .
تسلّم يزيد الرسالة وراح يناقش الامر ويبحث عن أكثر الناس قسوة وقدرة على التوغّل في الارهاب والجريمة ، وأشدّهم حبّاً للسلطة وشرائها بأي ثمن ، وأكثرهم حقداً على أهل البيت (ع) وولاءً للعرش المتسلِّط ، فلم يجد بعد المشاورة وتفحّص قُدرات جلاوزته أفضل من عبيدالله بن زياد الّذي كان وقتها والياً على البصرة .
اعتمد يزيد في هذا التشخيص على سرجون مولى معاوية الّذي قال ليزيد : إنّ معاوية قد كتبَ عهداً في حياته يعيِّن فيه عبيدالله بن زياد(108)والياً على الكوفة،وأنّه يحتفظ بهذا الكتاب الّذي لمّا ينفذ بعد،وقد آن الاوان،فليس في سجلاّت السّلطة رجلٌ أطوع للعرش منه;استجاب يزيد على الفور لاقتراح مستشـاره وقرار أبيه فعيّن عبيدالله بن زياد ، وأصدرَ إليه أوامره باستعمال العنف والارهاب ، وعدم التواني في سفك الدماء حتّى يستأصلَ المعارضةَ ، ويوقف زحف الجماهير الرّافضة لسلطته الغاشمة ، فقد جاء في كتاب يزيد :
«أمّا بعد ، فإنّه كتبَ إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يُخبِرونني أنّ ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشقّ عصا المسلمين ، فَسِرْ حين تقرأ كتابي هذا حتّى تأتي الكوفة فتطلبَ ابن عقيل طلبَ الخرزةِ حتّى تثقَفَهُ فتوثِقَهُ أو تقتُلَهُ أو تنفِيَهُ ، والسّلام» (109) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com