سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)


نكوص وانعطاف

تسلّم عبيدالله بن زياد كتاب يزيد بن معاوية فبادر في اليوم الثاني وتحرّك نحو الكوفة يستحث الخطى ويسابق الاحداث،والناس تنتظر هناك قدوم الحسين(ع)،وتتهيّأ لاستقباله، ومعظم جماهيرها لا تعرف شخصية الحسين(ع)،ولم تكن قد التقته من قبل،فباغت ابن زياد جماهير الكوفة وهو يخفي معالم شخصيته ويتستّر على ملامحها،فقد تلثّم ولبس عمامة سوداء.
وراح يخترق الكوفة ، والناس ترحِّب له ، وتسلِّم عليه وتردِّد : «عليك السّلام يا ابن بنت رسول الله . وهم يظنون أ نّه الحسين بن عليّ عليه السلام» (110) .
ساءه ما سمع وراح يواصل السير نحو قصر الامارة ، فكانت هذه العبارات وروح الاستبشار الّتي شاهدها على وجوه الناس وهم يظنّون أنّ القادم هو الحسين (ع) كافية لان تعطيه صورة عن تعلّق الكوفيين بالحسين (ع) وحبّهم له وخسارة يزيد للرأي العام وقوى الجمهور ; حاول مرافقه مسلم بن عمرو الباهلي أن يباغت الرأي العام، ويُحدِثَ له صدمةً وانتكاسةً نفسيّةً،وليزرعَ في النّفوسِ بُذورَ الخوفِ والرّعب،فراحَ يُخاطب الجماهير المزدحمة:
«تأخّروا هذا الامير عبيدالله بن زياد» (111) .
وهكذا سار باتّجاه القصر ، والناس ملتفّة حول عبيدالله بن زياد يسوقها العقل الجمعي ، وتسيطر عليها الخديعة ، ويظنّونه الحسين (ع) ، فاضطرب النعمان وأطلّ من شرفات القصر يخاطب عبيدالله بن زياد ، وكان هو أيضاً قد وقع تحت تأثير الاشاعات ، وسيطرة الاراجيف ، ظانّاً أنّ القادم هو الحسين (ع) ، فخاطبه :
«اُنشِدُكَ اللهَ إلاّ ما تَنَحّيتَ،والله ما أنا بِمُسلم إليكَ أماني،وما لي في قتالِكَ مِن أرَب»(112).
صمتَ ابن زياد وراح يقترب من باب القصر ، والنعمان يطل برأسه من الشرفات يتفحّص الموقف ، ويرقب التجمّع الكبير ، حتّى شخّص أنّ القادم هو ابن زياد وليس الحسين (ع) ، ففتحَ الباب ودخلَ ابن زياد القصر وأغلقَ بابَهُ وباتَ ليلتَهُ ، وباتَت الكوفة على وجل وترقّب رهيب ، ومُنعطف سياسي خطير .
ففاجأها عند الصّباح ، وهو يحتلّ القصر بالنداء : الصلاة جامعة ، فقام خطيباً في الجموع المحتشدة وراح يمنِّي المطيع والظّالع في ركب السياسة القائمة بالاماني العِراض، ويهدِّد ويتوعّد المعارضة والرّافضين لحكومة يزيد ، حتّى قال :
«سوطي وسيفي على مَنْ تركَ أمري وخالَف عهدي» (113) .
ثمّ فرض على الحاضرين مسؤولية التجسّس ورفع المعلومات والتعريف بالمعارضين ، وهدّد مَن لم يُساهِم في هذه العملية وينفِّذ هذا القرار بالعقوبة وقطع المخصّصات والعطاءات المالية فقال :
«فَمن يجئ لنا بهم فبريء ، ومَن لم يكتب لنا أحداً فليضمن لنا مَن في عرافته أن لايخالفنا منهم مُخالِف ، ولايبغي علينا منهم باغ، فمَن لم يفعل برئت منه الذِّمّة ، وحلال لنا دمه وماله ، وأ يّما عريف وُجِدَ في عرافته من بُغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا ، صُلِبَ على بابِ دارِه واُلغيت تلكَ العرافة مِنَ العطاء» (114) .
وهكذا بدأ الانعـطاف ، وبدأت الاحـداث تتخذ مجرىً آخر ، لاحت بوادر النكوص والاحباط تظهر على جماهير الكوفة وبعض قياداتها ، وراحت سلطة عبيدالله بن زياد تقوِّي مركزها وتمسك بالعصا الغليظة وبوسائل القوّة والسيطرة المألوفة لديها ، مِنَ المال الرشوة والارهاب وتسخير الجواسيس لجمع المعلومات وبثّ الاراجيف ، وتوجيه الدعاية المضادة ، وبدأ موقع مسلم بن عقيل ، مندوب الحسين (ع) وممثله ، يضعف ويهتز ، فاضطرته الاوضاع الجديدة إلى أن يغيِّر اُسلوب عمله وموقعه ، فانتقل من دار المختار بن عبيدة الثقفي إلى دار الزعيم الكوفي الموالي لاهل البيت ، هانئ بن عروة ، واسـتقرّ فيها متخفِّـياً بعيداً عن أعين السّـلطات والملاحقة حتّى استطاعت عناصر الاستخبارات أن تكشف المكان الّذي يختبئ به مسلم بن عقيل .
فاستدعي هانئ بن عروة باُسلوب مبطن وغير مثير ، فقد بعث إليه عبيدالله بن زياد وفداً يدعوه لزيارته وإزالة الجفوة بينهما ، وما أن دخل هانئ قصر الامارة حتّى وجد نفسه أمام محكمـة وتُهَم توجّهُ إليه ، وجواسيس يشهدون عليه ، أ نّه يوالي الامام الحسين (ع) ويعبِّئ المقاومة ويشترك في تنظيم صفوفها المسلّحة ، ويجمع المال والسلاح والانصار ، ويخطِّط للاجهاز على السّلطة القائمة ، ويتستّر على مسلم بن عقيل ويُخبِئُهُ في دارِه . حاولَ الانكار والدفاع عن نفسه إلاّ أ نّه فوجئ بالهجوم عليه مِن قِبَلِ عبيدالله بن زياد بقضيب كان بيده وراح يُهشِّم به وجه هانئ وأنفه ، وهانئ يُدافع عن نفسه بعنف وقوّة فلم يستطع المقاومة ، وأخيراً أصدر ابن زياد أمراً بسجن هانئ وحبسه في إحدى غرف القصر ، ووضع تحت حراسة مشدّدة.
تسرّب الخبر إلى خارج القصر ، فتحرّكت مذحج (عشيرة هانئ) وأخذت تطوِّق القصر، فاستعمل ابن زياد اسلوب الخديعة والمراوغة معهم ، فطلب من شريح القاضي أن يخرج إليهم ويهوِّن عليهم الموقف ، ويخبرهم بسلامة هانئ ، وحُسن معاملته ، فتفرّق الجمع وانفضّت المقاومة .
لقد أصبحت الكوفة في مرحلة صراع دموي رهيب ، وكفاح مسلّح بين الفريقين ، وراح الناس يتحدّثون بتطوّر الاحداث واعتقال هانئ ، وراحت الاراجيف تنشر في كل مكان : أنّ جيشاً كثيفاً على وشك القدوم من الشّام لاسناد موقع السّلطة ، واستئصال المعارضة ، ومطاردة مسلم بن عقيل وأتباعه ، فبدأ الضعف والخور والخوف ينتشر في صفوف الثوّار ويستولي على الرأي العام .
كلّ هذا ومسلم بن عقيل يتابع الاحداث ويرقب الموقف ، وقد اتّخذ قراراً بالزحف على قصر الامارة والاستيلاء عليه والقضاء على حكومة عبيدالله بن زياد ، فجمع رجاله وأنصاره الّذين كانوا قد بايعوه وانضموا إلى حركته وأطلق شعاره : (يا منصورُ أَمِت) (115) . وهاجم قصر الامارة (116) ، وكانت قوّاته في بداية الامر تفوق قوّات ابن زياد كثيراً ، فتحصّن ابن زياد وأتباعه بالقصر وأغلقوا الابواب ، وراحَ يُسرِّب الاشخاص ويدسّهم في أوساط الناس يخذلونهم ويتظاهرون بالدعوة إلى حفظ الامن والاستقرار وعدم سفك الدماء ، ويحذِّرون من قدوم جيش جرّار من الشام ، لغرض كسب الوقت وتفتيت قوى الثوّار ، واستمرّ الموقف كذلك والناس تنصرف وتتفرّق عن مسلم ، وما أن نشر الظّلام أجنحته ، وغشي الكوفة ليل واجم مترقِّب ، حتّى لم يبق مع مسلم بن عقيل إلاّ عشرة رجال دخلوا معه المسجد وكانوا في بداية الانطلاقة يقدّرون بأربعة آلاف مقاتل .
أتمّ مسلم صلاة المغرب فالتفت إلى ما حوله فلم يجد أحداً يدلّه الطّريق أو يُؤْويه في ذلك البلد الغريب . وهكذا بقي مسلم وحيداً في مسجد الكوفة لا يعرف طريقه ، ولا يجد مَن يستعينُ به أو يلجأ إليه .
لقد كان موقفاً حرجاً وانكساراً مروّعاً يتطلّب مِنَ القائد إرادة نفسيّة ، وقدرة غير اعتياديّة على التصرّف والمجابهة . واجه مسلم الموقف بعزيمة لا تلين وإرادة لاتقهر، فراح يسير في شوارع الكوفة علّه يهتدي إلى حلٍّ، أو يعرف الطريق للخروج مِنَ الكوفة قبلَ أن يُلقى عليه القبضُ ، وليبلغ الحسين (ع) الّذي ما زال يَغذُّ السّير ، ويستحثُّ المسير متّجهاً نحو الكوفة ليتدارك الموقف ، ويحول دون وقوع الامام الحسين (ع) في حبائل الغدر والخيانة .
سلكَ السّبيلَ وراحَ يمشي في شوارع الكوفة وسِكَكِها ، وقد بدت كئيبة موحشة يسيطر عليها الارهاب، وتنتشر في أرجائها الجاسوسية، تبحث عن مندوب الحسين (ع) ، وسـفيره إلى الكـوفة ، قادهُ الطّريق إلى باب بيت كانت تقف على عتبة بابه امرأة ، اسمها (طوعة) ، شاء الله أن يخلد اسمها في سجل الجهاد . وقف على باب البيت والحيرة تسيطر على مشاعره ، والخجل يحوط شفتيه ، طلب الماء منها ، جاءته بالماء ، شَرِبَ ثمّ جلسَ على باب الدّار لا يدري أين يتوجّه .
أثارَ وضعه الحائر ، وسيماء الغربة عليه ، وجلوسه عند باب البيت ، انتباه طوعة ، فراحت تتساءل ، أ لَم تشرب الماء ؟ إذن لِمَ لا تَنصَرِف ؟ فأجاب : إنّه غريب ليسَ له دار ، ولا أهل في هذا البلد ، ثمّ عرّفها بنفسه : «أنا مسلم بن عقيل بن أبي طالب سفير الحسين ، ورسوله إلى الكوفة وابن عمّه» . فتحت له باب البيت ثمّ أدخلته فاختبأ ليقضي ليلتَهُ ، وينظر ماذا سيكون الغد (117) .
أمّا ابن زياد فقد بدأ في هذه الساعات التحرّكَ المُضادَّ ، وعرف بمصير المقاومة الّتي قادها مسلم بَعد صلاة المغرب ، فنادى مؤذِّنه : «ألا برئت الذمّة من رجل من الشرط والعرفاء أو المناكب أو المقاتلة صلّى العتمة إلاّ في المسجد» (118) .
استجابت جموع غفيرة تحت ضغط الخوف والارهاب والرّشوة. وراحوا يتوافدون على المسجد حتّى امتلا ، صلّى بهم ابن زياد صلاة العشاء ، ثمّ راحَ يوجِّه خطابه إلى أهل الكوفة ، يهدِّد وينذر ويتوعّد ، وقد هاجم مسلم بن عقيل هجوماً عنيفاً ، وجاء في الخطاب :
« أمّا بعد، فإنّ ابن عقيل السّفيه الجاهل قد أتى ما قد رأيتم من الخلاف والشقاق ، فبرئت ذمّة الله من رجل وجدناه في داره ، ومَن جاء به فلهُ دِيتُهُ ، اتّقوا الله عباد الله والزموا طاعتكم وبيعتكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلاً .
يا حُصين((119)) بن نمير ! ثكلتك اُمّك إنْ ضاعَ باب سكّة من سكك الكوفة أو خرج هذا الرّجل ، ولم تأتني به ، وقد سلّطتك على دور أهل الكوفة ، فابعث مراصِدَ على أفواه السّكك وأصْبِحْ غداً فاستبرئِ الدّورَ وجسْ خلالها حتّى تأتيني بهذا الرّجل » (120) .
وهكذا أصدر أمره بتحرِّي بيوت الكوفة وتفتيشها بيتاً بيتاً،بحثاً عن مسلم وتنقيباً عنه وهو مختبئ في دار المـرأة المجاهدة(طوعة)ينتظر فرصة للخروج أو الاتصال بمَن يعينه على مهمّته.
وشاءت الاقدار أن يطّلع ابن لطوعة على مخبأ مسلم ، ويكتشف أمره ، ثمّ سارع إلى ابن زياد تحت وطأة الخوف والطمع في الجائزة المرصودة لهذا الامر فأبلغ الخبر صباحاً ، وجاءت قوّات قوامها سبعون رجلاً تطوِّق الدّار ، وتبحث عن مسلم .
سمع مسلم وقع حوافر الخيـل وضجيج الرِّجال ، فتأهّب للقتال وأعدّ سلاحه للنِّزال ، طُوِّقَت الدّار واقتُحِمَت على مسلم بن عقيل ، إلاّ أ نّه لم يُسلِمْ ، وراحَ يُقاتِل بعُنف وضراوة مُذهِلَة حتّى اضطرّ العناصر المتسلِّلة إلى الخروج منها .
استعملوا اُسلوباً آخر لاخراج مسلم ، فراحوا يلقون عليه من السّطوح النيران والحجارة ، فاضطرّوه إلى ترك الدّار والخروج إلى الطّريق العام دون أن يلقي سلاحه ، وهو ماض في الضّرب والقتال حتّى أثخنته الجراح،وكثر النّزف عليه،فنادوا:لكَ الامان، لا تقتل نفسك . قبلَ مسلم نداءهم وسارَ معهم وقد حُمِلَ على بغلة إلى دار الامارة، ثمّ بدت بوادر الخيانة ونقض العهد في الطّريق، فقد جرّدوه من سيفه وتركوه أعزل .
اُتيَ به إلى قصر الامارة فدخل على ابن زياد ولم يحيِّه بتحيّة الامارة ، ثمّ وقف أمام ابن زياد كالطود الشّامخ ، لا يهزّه هولُ المحنة ، ولا يُزعزعه الموقفُ الصّعب . ودارَ بينهما كلام غليظ ومشادّة عنيفة ، انتهت بقول ابن زياد : إنّك مقتول ، فأجاب مسلم :
إذن هَبوني فرصةً أوصي فيها وصيّتي .
رضخَ ابن زياد لطلبِ مسلم ، فوقع اختياره على عمر بن سعد لحفظ الوصيّة وأدائها لوجود قرابة وصلة رحم بينهما . أوصى مسلم بثلاث وصايا ((121)) . انتهى من أداء الوصية في ناحية قريبة من مجلس ابن زياد ، فعاد عمر بن سعد إلى مجلسه وراح يفشي نصوص الوصية ويسخر بالوصايا .
استمرّ ابن زياد يتهدّد مُسلماً ويهجم عليه بعبارات السبّ والشّتم والتّهم الفظيعة، ومُسلم يجـابهه ويردّ عليه بعُنف وصَلابة . لم يف أحد لمسلم بالعهد والامان الّذي اُعطيَ له ، ولم يكن ابن زياد ليترك مسلماً حيّاً ، وهو الّذي جاء لمجابهته وإحباط تحرّكه ، وقد سنحت له الفرصة ، ومكّنته الاوضاعُ مِن خصمه .
أمر ابن زياد شرطته أن يصعدوا بمسلم أعلى القصر ، وقال لبكر بن حمران الّذي كان مسلم قد جرحه جروحاً بليغة : خُذِ السّيف واضرب عنقه ، ثمّ ألقِ بجسده ورأسه من أعلى القصر .
اقتيد مسـلم وهو يُكبِّر الله ويمجِّـده،ويسـتقبل الشّهادة بنفس راضية وروح بطوليّة عالية.
فانهال سيف الغدر على عنقه ، وافترس حقدُ الطّاغية أوداجَ رَقَبَتِهِ ، وحالَ حدُّ السّيف بين رأسه وجسده، وراحا يركعان من أعلى القصر على صعيد الشرف والجهاد(122)ليلتحق بالشّهداء والصِّدِّيقين والنّبيِّين والصّالحين ، ثمّ امتدّت سيوف الجلاّدين إلى هانئ بن عروة ، واقتيد مكتوف اليدين إلى سوق الغنم في الكوفة فَقُتِلَ هناك واقتُطِعَ رأسهُ ، وبُعِثَ برأسَيهما إلى الشّام ، ليوضعا بينَ يَدَي يزيد بن معاوية . أمّا الجسدان فشدّهما الجلاّدون بالحِبال وجُرّا في أزقّة الكوفة وأسواقها .
وهكذا انتهت المقاومة ، وخمدت الثورة في الكوفة لتبدأ ثورة جديدة ، ولتتحوّل هذه الدماء الحرّة الثائرة إلى بركان غضب وثورة ، يصمت برهة لينفجر فيما بعد بعنف وشدّة ، ولتكون عاصفة تهدأ فترة لتهبّ رياحها الكواسح على تلك الهياكل المنتصبة على جماجم الثائرين من أجل الاصلاح والهداية .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com