قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)
إلى كربلاء
تسلّم الحسين بن عليّ (ع) خطاب مسلم بن عقيل وتقريره عن الاوضاع والظروف السياسية واتّجاه الرأي العام ، فقرّر التوجّه من مكّة المكرّمة إلى الكوفة ، ليبدأ من هناك إدارة الاحداث وتوجيه الحركة وممارسة مهام الامامة والقيادة . عزم عليه السلام على الرحيل فجمع نساءه وأطفاله وأبناءه وأخوته وأبناء أخيه وأبناء عمومته ، وشدّ رحاله وهيّأ قطاره وقرّر الخروج من مكّة المكرّمة . انتشر خبر قرار الهجرة ، وسرى بين الناس نبأ رحيل الحسين (ع) ، فاتّجهت القلوب نحوه والنفوس إليه، تتشبّث به وتناشده العدول عن رأيه، وقد تملّكها الخوف من غياب شخصه (ع) واُفولِ نجمه ، وراح العديد من مخلصي الحسين (ع) والمشفقين عليه يتشبّثون به ويستشفعون إليه ، علّه يعدل عن رأيه ويتراجع عن قراره . اعتذر الحسـين (ع) عن كلّ رأي يطالبه بالهدنة ، ورفض كلَّ مسعىً يحثّه على القعود عن التحرّك والمواجهة، فقد كان له قرار ، وكانت لديه رؤية عقائدية وسياسية واضحة ، وبصيرة بمجرى الاحداث وقوانين الصراع والاختبار التاريخي ، لقد أحسّ الحسين (ع) أنّ خطراً داهماً يهدِّد الاسلام ، وأنّ قعوده وسكوته لا يعني السّلامة . فيزيد لا يُهادنُ قيادةً مبدئيّةً كالحسين (ع) ، والحسين (ع) لا يطلبُ حياةَ الدَّعةِ والاسترخاء على حساب المبادئ والقيم ، وأنّ الاُمّة الّتي ترى في الحسين (ع) القائد والرّائد، ستفقد ثقتها بقيادتها وستركن للخنوع، وسترى قطاعات واسعة من جماهير الاُمّة في سكوت الحسين (ع) الاقرار والشرعية في حكومة يزيد . فقد صار (ع) المعيار والمقياس لشرعية الحكم وعدمه ، لا بدّ للحسين من المسير وإعلان الثورة ; لذلك اعتذر من عمر بن عبدالرّحمان بن الحارث بن هشام ، ومن محمّد بن الحنفية (أخيه) ، ومن ابن عمّه عبدالله بن جعفر ، وعبدالله بن عباس ، ولم يرضخ لاقتراحاتهم ، بل رفض الامان الّذي حصل عليه عبدالله بن جعفر الطيار من عمرو بن سعيد بن العاص عامل يزيد على مكّة ، وصارحه بأنّ سرّاً كبيراً وغاية عظيمة يستبطنها الموقفُ ، وليسَ بوسعه أنْ يبوحَ به . لقد خاطب عبدالله بن جعفر بقوله : «إنِّي رأيتُ رؤيا ، رأيت فيها رسول الله ، واُمِرْتُ فيها بأمر أنا ماض له ، عليَّ كان أو لي ، فقال : فما تلك الرّؤيا ؟ قال : ما حدّثتُ أحداً بها ، وما أنا محدِّثٌ بها حتّى أَلقى ربِّي» (123) . إنّ هناك سرّاً عظيماً ، وحقيقة كبرى تكمن في حركة الحسين (ع) ، وتتركّز في ثورته ، فإنّ الّذي يتابع الحـوارَ والالحاحَ والنصيحةَ الّتي قُدِّمَتْ للحسـين (ع) مِن أصحابه وأهل بيته (ع) وكلّهم يتوقّع الخيانة ، ويُعْرِب للحسين عن مخاوفه من عدم الوفاء، يُدرِك أنّ للحسين (ع) قراراً وهدفاً لايمكن أن يتراجع عنه ، فقد كان واضحاً من خلال إصراره وحواره أ نّه يتوقّع النتائج الّتي آلَ إليها الموقف ، ويُشخِّصها بدقّة ووضوح ، إلاّ أ نّه كان يرى واجبه الرِّسالي ومسؤوليّته الشرعيّة تملي عليه الحركة والتصدِّي للسّلطة الامويّة القائمة ، مهما يكن الثمن فادحاً ، والعطاء من جانبه عظيماً . ونقرأ ما يوضِّح ذلك في خطبته الّتي ألقاها بعد محاورته مع عبدالله بن عمر بن الخطاب ، الّذي أشار عليه بالطّاعة والانقياد للسلطة الحاكمة ، فقال له : إتّقِ الله يا أبا عبدالرّحمان ولا تدعنّ نصرتي . ثمّ قام (ع) فخطب : «الحمدُ لله ، وما شاء الله ، ولا قوّة إلاّ بالله ، خُطَّ الموت على وُلدِ آدم مخطّ القلاّدةِ على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخِيِّرَ لي مصرعٌ أنا لاقيه ، كأنِّي بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا ، فيملان منِّي أكراشاً جُوَفاً وأحويةً سغباً ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم ، رِضا الله رِضانا أهل البيت ، نصبرُ على بلائه ويوفِّينا اُجور الصابرين. لن تشذّ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس ، تقرّ بهم عينُهُ ويُنجَزُ بهم وعدُهُ ، مَن كان باذلاً فينا مُهجَتَهُ ، ومُوَطِّناً على لقاء نفسه ، فَلْيَرْحَل معنا ، فإنِّي راحِلٌ مُصبِحاً إن شاء الله»(124) . انطلق الحسين (ع) من مكّة المكرّمة يوم التروية يوم الثامن من ذي الحجّة عام (60 هـ ) متوجِّهاً إلى العراق بعد أن كتبَ إليه مسلم بن عقيل وطلبَ منه القدوم . انطلق موكب الحسين (ع) يغذُّ السّيرَ ، ويقطعُ الفيافي والقفارَ ، باحِثاً عن الشهادة ، مُستهدِفاً أرض العراق ، ينتقلُ من ماء إلى ماء عبرَ صحراء الجـزيرة ، وكلّما مرّ به ركبان، أو التقى به قادِمون مِنَ العراق أوجسوا عليه خيفةً ، وفاضَت قلوبهم عليه إشـفاقاً ، وكرّروا عليه القول : «إرجعْ يا ابن رسولِ الله» والرّكبُ ماض والعزيمـةُ مشحذةٌ ، وكثيراً ما كان يقول : «والله لا يَدَعُوني حتّى يستخرج هذه العلقةُ مِن جوفي ، فإذا فعلوا سلّطَ اللهُ عليهم مَنْ يُذِلّهُم حتّى يكونوا أذلّ مِن فَرَمِ المرأة» (125) . وكان يقول لعبدالله بن الزُّبير بعد حوار كان بينهما في مكّة المكرّمة : «إنّ أبي حدّثني أنّ لها ((126)) كبشاً به تُستحلّ حُرمتُها ، فما أحبُّ أن أكونَ ذلك الكبش» (127) . ثمّ قال له : «والله لان اُقتَل خارِجاً منها (مكّة) بِشِبْر أحبُّ إليَّ مِنْ أن اُقتَلَ داخل منها بشبر ، وايمُ الله لو كنتُ في حُجر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني حتّى يقضوا فيَّ حاجتهم» (128) . فكلّ شيء واضح أمام الحسين (ع) ، وهو مصمِّم على الكفاح والشهادة ، فليس النصر يُحسب دائماً بالنتائج الانيّة ، فقد يحتاج الحدث الكبير فترة زمنية يتفاعل فيها مع جملة من الحوادث والاسباب ليعطي نتائجه ويفرز ثماره . لقد أصبح واضحاً لدى الحسين (ع) أنّ الشهادة هي الطريق لتحقيق الهدف ، وأنّ الثورة ضرورة تاريخيّة وعقائديّة لايصحّ التخلّف عنها، أمّا المخلصون الّذين اعترضوا على تحرّكه فكانوا ينطلقون من مبدأين أساسيين : 1 ـ الخوف مِن أنْ تخسرَ الاُمّة القيادةَ الرساليةَ ، فيخلو الميدان لسلطة يزيد ، تعبث بالاُمّة ومقدّراتها ، واتّضح هذا الهاجس في قول عبدالله بن مطيع حين نزل الحسين (ع) بحيِّهم وهو ماض في طريق الهجرة : «ولئن قتلوكَ لا يهابون بعدكَ أحداً أبداً ، والله إنّها لحرمة الاسلام تُنْتَهَك» (129) . 2 ـ أنّهم كانوا يحسبون النصرَ بحساب استلام زمام السلطة وغلبة القوى العسكرية، وكان الحسين (ع) يحسب النصر بالثبات على الحق، ووضع الاُمّة على المسار الصحيح، وإقامة معالم المسيرة ، وتثبيت الاسلوب الّذي تقاوم به الاُمّة السلطات الجائرة ، وعندها ستبقى هذه المبادئ قوّة فعّالة في ضمير الاُمّة ووعيها ، سيّما وأ نّها تستمد قيمتها الوجدانية ودفعها الحركي من الدم والشهادة والفداء المقدّس ، لذلك كان إصرار الحسين (ع) ، وكانت عزيمته ، وكان مضاؤه . لقد رأى الناس أنّ وجود الحسين (ع) مع هذه الظروف ضرورة تاريخيّة لهم ، ورأى الحسين (ع) أنّ الفداء والشهادة هو الضرورة الّتي يجب أنْ يقدم عليها ; ورأى الناس أنّ عدم قدرة الحسين (ع) على إسقاط النظام بالقوّة العسكرية المسلّحة يستوجب التراجع عن المواجهة، ورأى الحسين (ع) أنّ فقدان القوّة المسلّحة وفشل الحلّ العسكري هو قادر على تعويضهما بدمّه المقدّس ، فسيبقى صوته يدوِّي في آفاق التاريخ ، وسيبقى ميدان مصرعه زلزالاً يهزّ عروش الظالمين، وحبّات الرِّمال الّتي امتزجت بدمه الطاهر جيشاً يقاتل أبد الدهر ، لذلك سار أبو الاحرار شوقاً إلى الشهادة وتعشّقاً للقاء الله . انطلق ركبه يوم الثامن من ذي الحجّة ، فتناهى الخبرُ إلى والي يزيد على الحجاز عمرو بن سعيد بن العاص، فأرسل مجموعة من رجاله ليعترضوا مسير الحسين (ع)، فتواجه معهم بعنف وتضارب الفريقان بالسِّياط ، فانسحب رجال عمرو بن سعيد . ومضى ركب الحسين (ع) لا يلوي على شيء فقلبه يحوم حول مصرعه في أرض الميعاد ، وقطاره يستحثّ الخُطى نحو سُرادقِ الشهادة . وفي طريق المسير ، وفي منطقة التنعيم صادفوا إبلاً قد يَمّمت وَجْهَها شطرَ الشام ، وهي تحمل الهدايا ليزيد بن معاوية، قادمة من اليمن، فاستوقفها الحسين (ع) واستولى عليها، فقد أصبح في حرب مُعلَنة مع يزيد، ولايعترف له بشرعيّة، ثمّ أحسنَ الحسين (ع) إلى الرِّجـال الّذين اسـتؤجرت إبلهم ، وعرض عليهم الانضمام إلى مسـيرته ، فالتحق معه نفر منهم ، واعتذر آخرون ، فدفع لهم كراء الابل الّتي يسـتحقّونها ، وواصل المسير وفي نفسه شوق وتطلّع لمعرفة الاوضاع السياسية ، وطبيعة الرأي العام في العـراق ، فصادفه الفرزدق الشاعر المعروف في موضِع يُقال له (الصّفاح) ، فسأله الحسين (ع) وطلب منه أن يُصَوِّرَ له الاوضاع الّتي خَلَفها وراءه ، فوصـفها الفرزدق بقوله : «قلوبُ الناسِ مَعَكَ،وسيوفُهُم معَ بني اُميّة،والقضاءُ يَنزِلُ مِنَ السّماء،واللهُ يفعلُ ما يشاء». فقال الحسين (ع) : «صدقت ، لله الامر والله يفعل ما يشاء ، وكلّ يوم ربّنا في شأن، إنْ نزلَ القضاءُ بما نحبُّ فنحمدُ الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشّكر ، وإنْ حالَ القضاءُ دونَ الرّجاء فلم يَعْتد مَن كان الحقُّ نيّتَهُ ، والتّقوى سَريرتَه» (130) . سرى نبأ مسير الحسـين (ع) ، فاضطرب الموقف الاموي ، وشعرت السـلطات بالخوف من انقلاب سياسي يطيح بعرش يزيد . وماجَ الحجـاز والعراق بأهله ، وتحدّثت الرّكبان بأنباء الثائر العظيم، وفزعت أحياء الاعراب على طول خطّ المسير، فكلّما ورد الحسين (ع) ماءً ، أو مرّ بحيٍّ التحقَ بهِ جمع من الاعراب فتناهى الخبر إلى عبيدالله بن زياد وهو والي يزيد على الكوفة ، وعلم بمسير الحسين (ع) وانطلاقته العملاقة، فأعدّ جنده ورجاله، ووضع خطّة لقطع الطّريق أمام الحسين (ع) والحيلولة دون وصوله إلى الكوفة ، فبعثَ مدير شرطته الحصين بن نمير التميمي ، وكلّفه بتنفيذ المهمّة ، فاختار الحصين موقعاً استراتيجياً يسيطر على طريق مرور الحسين (ع) ، فنزل (بالقادسية) واتّخذها مقرّاً لقيادته ونظّم خطّاً عسكريّاً يمتدّ من القادسية حتّى (خفّان) وآخر يمتد من القادسية حتّى (قطقطانة) ، ومدّ انتشار هذه القوّات حتّى (جبل لَعْلَعْ) . أمّا الامام الحسين (ع) فما زال مُجِدّاً في السّير تطوي ظعائنُهُ أبعادَ الفلاة ويواصل قطارُهُ الزّحفَ نحو العراق ، حتّى بلغ موضعاً يسمّى (الحاجز) ، ومن هنا كتب كتاباً إلى أهلِ الكوفة يَشحذُ فيه هِمَمَهُم ، ويَحثُّهم على الثّبات والمواجهة ، ويعلمهم بمسيره وقدومه . طوى الحسين (ع) كتابه ، وأوفد قيس بن مسهّر الصّيداوي لهذه المهمّة ، فانطلق نحو الكوفة يحمل كتاب الحسين (ع) ، ويبشِّر بقدوم القائد المغوار لتستعد للاستقبال وتتهيّأ للانضواء ، إلاّ أنّ قيساً لم يستطع تنفيذ مهمّته فقد وقع أسيراً بيد قوّات الحصين المنتشرة في القادسية ، فنُقِلَ إلى عبيدالله بن زياد ، واُحضِرَ في مجلسه ، فلم يضعفْ ، ولم يخضعْ للتهديد والوعيد ، ولم يستجبْ لعبيدالله بن زياد الّذي طلب منه أن يصعد المنبر ويسبّ الحسين (ع) ، بل كان جريئاً وبطولته نادرة ، فصـعد المـنبر وحثّ الناس على نصرة الحسين (ع) ولعن ابن زياد وأباه واستغفر لعليّ ، فاستشاط ابن زياد غضباً ، وطلب من جلاوزته أن يصعدوا به إلى أعلى القصر ويرموه إلى الارض ، فنفّذوا قراره الظالم ، واُلقيَ برسول الحسـين (ع) من فوق قصر الامارة وتقطّع جسده الطّاهر ، واستُشهِدَ رضوان الله عليه . وإذن ، ها هي الكوفة تضطرب وتموج ، والعاصفة قد بانت نذرها في اُفُقِ البلاد ، والانتكاسة الخطرة قد لاحت معالمها ، وبدأ ميزان القوى يميل لمصلحة سلطة يزيد ابن معاوية ، وبدأ الوهنُ يدبُّ ، والانحلالُ يسري إلى تكّتل أهل البيت ، وبدأ الارهاب والجاسوسيّة والرّشوة تفعل فعلها ، فذابت المعارضة ، ونكص المبايعون ، وسرى الخوف والارهاب ، وانتشرت الشائعات والاراجيف المضادّة ، وقُتِلَ مسلم ابن عقيل وهانئ بن عروة وسُجِنَ المختار بن عبيدة الثقفي ، وانقلبت الكوفة على أعقابها . والحسـين (ع) يواصل المسير ، ويبعث بالرسل ، وليس لديه معلومات جديدة عن تطوّر الاحداث ومجريات الاُمور ، فأرسل عبدالله بن بقطر((131)) إلى مسلم ابن عقيل ليستجلي الموقف ، ثمّ ينقل للحسين (ع) صورة الاحداث ، إلاّ أنّ الحسين (ع) فوجئ في الطريق في موضع يُدعى (الثعلبية) بانتكاسة (132) الثورة واستشهاد مسلم بن عقيل (ع) ، أمّا رسوله هذا إلى مسلم فقد وقع أسيراً بيد جنود الحصين الّذين اتّخذوا مواقعهم في أماكن تسيطر على طريق المرور حول القادسية ، فنقل من القادسية إلى عبيدالله بن زياد في الكوفة . وكان كرسول الحسين السابق مثالاً للصّلابة والجرأة والاخلاص ، فقد طلب منه ابن زياد أن يصعد فوق القصر ، ويسبّ الحسين (ع) ، فصعد عبدالله وسبّ عبيدالله ابن زياد ، وأخبر النـاس بقدوم الحسـين (ع) ، فانهزم ابن زياد أمـام هذا العنف والاصرار ، فأمر بإلقائه من فوق القصر فاُلقيَ بهِ من هناك ، فتحطّم جسده الطاهر ، وبقيَ به رمق من الحياة فأجهز عليه أحد الجلاوزة فذبحه بالسيف . ووصل خبر أسر الرسول واستشهاده للحسين (ع) في موضع يُدعى (زُبالة) ، وهكذا راحت تتوارد على الحسين (ع) أنباء الانتكاسة ، وتلوح له بوادر الانعطاف الخطير ، وشعر بالخذلان ونقض العهود ، فوقف في أصحابه وأهل بيته وأتباعه يبلغهم بما استجدّ من الحوادث ، ويضع أمامهم الحقائق ، ليكونوا على بصيرة من الامر ، فوجّه خطابه إليهم ، مصارحاً إيّاهم ، قائلاً لهم : «قد خذلنا شيعتُنا فمن أحبّ أن ينصرف فلينصرف ليس عليه منّا ذِمام ، فتفرّقوا يميناً وشمالاً حتّى بقيَ في أصحابه الّذين جاؤوا معه من مكّة» (133) . استقرّ الحسين (ع) تلك اللّيلة في (زُبالة) وهو يَنعى مسلماً وهانئاً ، وعبدالله بن بقطر ، ويقلِّب الاُمور ويفكر في مستقبل الحركة ومصير الاُمّة . وحين أذِنَ الصّباح بالافصاح ، ولاحت خيوطُ الضياء ، تحرّك القطار ، وواصل المسير مارّاً (ببطن العقبة) عبر مسالك الصحراء الوعرة ، والمستقبل البهيم يرتسم أمامه ، والثقة بالله تملا جوانحَهُ ، سارَ نهارَهُ وتابعَ مسيره حتّى توارى قرص الشمس وأرخى اللّيل سدوله ، وضربَ الظّلام أطنابه ، فبلغ الحسين (ع) موقعاً يُقال له (شراف) ، فأناخ الرّكبُ المتعبُ رحاله وحطَّ أثقالَهُ ، وقضى ليلته هناك ، ومع الصّباح تحرّكت الظعائن وسارت الهوادج ومضى المـوكب يسـير والشمس تتعالى في اُفق السّماء حتّى انتصف النهار ، وبينما هم منهمكون في مسارهم والنجائب ((134)) تَسْتَحِثُّ الخُطى ، وتُسابِقُ حرارةَ الشمس ، وتتوقّى هجير الرّمضاء بطل الهوادج ، نظر رجل من أصحاب الحسـين (ع) فلاحت له عن بُعد مساحات سوداء ، وأشباح مبهمة حسبها جنائن النخيل وبساتين العراق ، فكبّر بصوت مرتفع فأجابه الحسين مكبِّراً ، ثمّ سأله : لِمَ كَبَّرْتَ ؟ قال : رأيتُ النّخيلَ ، فظنّ أ نّهم قد دخلوا أرض العراق ولحقوا بأحيائها . لم يكن الّذي شاهده الرّجل هو أشـجار النخـيل،ولا بساتين السّـواد،ولكنّها القطعات العسكرية الزاحفة،الجند والخيول والرِّماح والرّايات وغبار الزّحف المتكاثف حول المعسكر. لذا أجابه أصحابه ، ليس في هذه الارض نخلة قط ، فقال الحسين (ع) : ما ترون إذن ؟ قالوا : نراه والله أذان الخيل((135)) ، فرّد الحسين (ع) قائلاً : أنا والله أرى ذلك . لقد فوجئ الحسين (ع) وأصحابه مع قلّة العدد وعدم التهيّؤ للقتال وانكشاف الارض بهذا الجيـش الكثيف الزاحف نحوهم من القادسـية ، فاستشار أصـحابه ، وسألهم : ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا ، ونستقبل القوم بوجه واحد ؟ فأشاروا عليه بالاتّجاه إلى جبل (ذو حسم) والتحصّن به ، فاتّجه الحسين (ع) نحو اليسار ليلجأ مع أصحابه إلى الجبل ، وعسكر العدوُّ المتشكِّلُ مِن ألف مُقاتِل يزحف نحوهم بسرعة وإصرار بقيادة الحُرِّ بن يزيد الرِّياحي الّذي اُمِرَ بمحاصرة الحسين (ع) والتضييق عليه والجعجعة ((136)) به ، فراحَ الحُرُّ يُضايقُ الحسـينَ (ع) ، ويُسـابقه لاحتلال الموقع الاستراتيجي الحصين من الجبل ، فسبقه الحسين (ع) إلى الموقع وأمر بخيامه فَضُرِبَت . كان الوقتُ ظهراً ، والحَرُّ شديداً ، ورمضاءُ ((137)) الصحراء متّقدة ، وجيش الحُرّ يكتوي بحرِّ الظّهيرة ، وخيوله تلهث مِنَ العطش ، ورجالُهُ تتلوّى مِنَ الظّمأ . ومعَ كلِّ ذلك فقد اندفع نحو الحسـين (ع) ، وأمر رجـاله بالوقوف أمام مضاربه والاحاطة بموقعه . نظر الحسين (ع) إليهم بأخلاق النبوّة الّتي عامل بها رسول الله (ص) أهل مكّة يوم الفتح والنصر ، وبروح العطف الّتي تربّى عليها في بيت الامامة ، فحنا عليهم بقلبه الكبير ، وشملهم بشعوره الانساني النبيل ، وأمر أصحابه بسقي الخيل والرِّجال ، بل وشارك هو بنفسه بتقديم الماء وإرواء بعض العَطشى المتلهفين . فرغ الحسين(ع)وأصحابه من سقي الجيش وإرواء العطشى،وكان وقت صلاة الظهر قد حان ، وآن للحسين (ع) أن يعرج بصلاته إلى الملكوت الاعلى ، فأمر الحجّاج بن مسروق بالاذان للصلاة فأذّن ، وما أن انتهى المؤذّن ، حتّى قام الحسين (ع) خطيباً بين المعسكرين موضِّحاً للحُرِّ والجند الّذين كانوا معه رأيه ومبادئه ، ثمّ طالبهم بالوفاء بالعهود والمواثيـق ، وذكّرهم بالكتب والرّسـل الّتي أرسلوها إليه ، فسكتَ الجميعُ ولم يردّوا على الخطاب . أمَّ الحسين (ع) المعسكرين للصلاة ، وأقامها فيهم ، ثمّ بقي المعسكران بعد الفراغ من صلاتهم متواجهين دونما تحرّش أو استفزاز عسكري . أمّا الحسين (ع) فقد تهيّأ للرّحيل وقت العصر وصلّى صلاته ثمّ وجّه خطاباً آخر للجيش الاموي ، ونَثَرَ أمامهم خُرجَيْنِ مملوءين كتباً ورسائل من أهل العراق يدعونه فيها للقدوم والبيعة ، وحاول الحسين (ع) الانصراف ، فلم يتركه الحُرّ بن يزيد الرِّياحي ، وبعد جدال بينه وبين الحسين (ع) قال له : إنِّي اُمِرْتُ أنْ اُقدِمَكَ الكوفةَ ، ثمّ اقتنع بأن يأخذ الحسين (ع) طريقاً ، لا يوصله إلى الكوفة ولا يردّه إلى المدينة ، فسارَ الحسين (ع) على ذلك ، وسارَ الجيش الاموي يراقبه ويطوِّق حركته ، والحُرّ يحاوره ويهدِّده بالقتل ، فكان الحسين (ع) يردّ عليه : «أفَبالمَوت تُخوِّفُني ، وهل يَعدُوا بكم الخَطبُ أنْ تقتلوني ، وسأقولُ كما قال أخو الاوس لابن عمّه وهو يريدُ نصرةَ رسول الله (ص) فخوّفه ابن عمّه ، وقال : أين تذهب فإنّك مقتولٌ ، فقال : سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى إذا ما نَوى حقّاً وجاهَدَ مُسْلِما ووَاسى الرِّجالَ الصّالحينَ بِنَفسهِ وفارَقَ مَثْبُوراً وخالَفَ مُجْـرِما فإنْ عِشْتُ لَم أندَمْ وإنْ مِتُّ لَمْ اُ لَمْ كفى بِكَ ذُلاًّ أنْ تَعـيشَ وتُرغَمَا» (138) يئس الحُرُّ من الحسين (ع) وتنحّى عنه ، فسار الحسين حتّى انتهى إلى (عذيب الهجانات) ، ثمّ استمرّ حتّى وصل إلى (قصر بني مقاتل) فنزل به ، وفي ساعة متأخِّرة من اللّيل أمر فتيانه بالتزوّد من الماء والبدء بالرّحيل ، وامتطى الحسين (ع) جواده وقد أخذ السّهر والاعياء منه مأخذه ، فغشيه النوم لحظة ثمّ انتبه وهو يقول : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين» . ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثة ، فأقبل ابنه عليّ بن الحسين (ع) ، فقال : مِمَّ حمدتَ الله واسترجعت؟ فقال : يا بُنيّ ! إنِّي خَفقتُ خَفقةً فَعَنَّ ليَ فارِسٌ على فرس وهو يقول : القوم يسـيرون والمنايا تسير إليهم ; فعلمتُ أ نّها أنفسنا نُعِيَت إلينا . فقال له : يا أبة ! لا أراك اللهُ سوءاً ألسْنا على الحق ؟ قال : بلى ، والّذي إليه مرجعُ العِباد . قال : فإنّنا إذن لا نُبالي أن نموتَ مُحقِّين . فقال له الحسين (ع) : جزاكَ اللهُ مِن ولد خَيْرَ ما جزى ولداً عن والده» (139) . واخترقت خيوطُ النور إهابَ اللّيل البهيم ، وبدا وجه الصّباح المليء بالاسرار والمفاجآت . نزل الحسين (ع) وصلّى صلاة الصُّبح ، ثمّ انطلق ركبه وهو يتباعد عن جهة الكوفة ويتياسر في سيره حتّى انتهى إلى موقع يُدعى (نينوى) . وفي نينوى ، في هذه القرية بدأ الموقف يأخذ أبعـاداً جديدة ، والاحداث تتحرّك متسـارعة ، ففيها هبّتْ نذرُ العاصفة ، فقد فوجئ الحرُّ والحسين (ع) برسول عبيدالله بن زياد يحمل رسالة عاجلة شديدة اللّهجة موجّهة إلى الحرِّ بن يزيد الرِّياحي يقول فيها : «أمّا بعد ، فَجَعْجِعْ بالحسين (ع) حين يبلغُكَ كتابي ، ويقدمُ عليكَ رسـولي ، فلا تُنزلُهُ إلاّ بالعَراء في غيرِ حِصْن وعلى غيرِ ماء ، وقد أمرتُ رسولي ، أنْ يَلزمَكَ ولا يُفارِقَكَ حتّى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسّلام»(140). انتهى من قراءة الكتاب ثمّ توجّه إلى الحسين(ع)فقرأه عليه،وأطلعه على رأي عبيدالله بن زياد فيه.فقال له الحسين(ع):إذن دَعنا ننزل (نينوى) أو (الغاضريّات) أو (شفية). رفض الحرُّ طلب الحسين (ع)،وتذرّع بالخوف من عناصر الاستخبارات والرّقابة في جيشه،ثمّ بادر زهير(141)بن القين واقترح على الحسين(ع)النزول في منطقة قريبة تُدعى(العقر)فرفضَ الحسين(ع)ذلك،وأصرّ على مواصلة المسير ليرد أرض الميعاد،ولِيَحُطَّ رحله حول سُرادق الشهادة،في أرضِ كربلاء.وقبلَ أن يتحرّك الرّكب ويواصل السّير قام الامام الحسين(ع)خطيباً فقال: « إنّه قَدْ نَزَلَ بنا مِنَ الامرِ ما قد تَرونَ ، وإنّ الدُّنيا قَدْ تَغيّرتْ وتَنَكّرَتْ وأدْبَرَ مَعروفُها، واستمرّتْ حَذّاء، ولم تَبْقَ منها إلاّ صُبابةٌ كصُبابَةِ الاناء ، وخَسيسٌ كالمرعى الوَبيل ، ألا تَرونَ إلى الحقِّ لا يُعمَلُ بهِ ، وإلى الباطلِ لا يُتناهى عنهُ ، لِيرغبَ المؤمنُ في لقاءِ ربِّهِ مُحِقّاً ، فإنِّي لا أرى الموْتَ إلاّ سعادةً ، والحياةَ معَ الظّالمينَ إلاّ بَرَما »(142) .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|