قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)
الارض الموعودة
وهكذا قاد القدر المسـيرة ، وأخذ القضاء بزمام الركب حيث الموعد والمثوى ، فسار ولم يقطع مسافات طويلة حتّى اعترضه الجيش الاموي ، واضطرّه للنزول ، توقّف الحسين (ع) وراح يسأل ، وكأ نّه يبحث عن كربلاء : « ما اسم هذه الارض ؟ فقيل له : أرض (الطف) ، فقال : هل لها اسم غير هذا ؟ قيل : اسمها كربلاء ، فقال : (اللّهمّ ! أعوذ بك من الكرب والبلاء) . ثمّ قال : (هذا موضع كرب وبلاء ، انزلوا : ها هنا مَحَطَّ رحـالنا ، ومَسفَك دمائنـا ، وها هنا محلّ قبورنا ، بهذا حدّثني جدّي رسول الله) » (143) . اليوم هو الخميس الثاني من المحرّم ، سنة (61 ) للهجرة (144) ، وها قد نزل الحسين (ع) في أرض كربلاء ، أرض الدماء والفداء والشهادة ، أرض الخلود والكفاح والثورة . وضرب فِسطاطَهُ وراحَ يُعِدُّ سلاحَهُ ويُصلحُ سيفَهُ ، ويردِّد الشعرَ قائلاً : يا دهرُ اُفٍّ لكَ مِن خَليلِ كَمْ لكَ بالاشراقِ والاصيلِ مِن طالب وصاحب قَتيلِ والدّهرُ لا ينفعُ بالبديلِ وكلّ حيٍّ سالك سبيلِ ما أقربَ الوعدُ مِنَ الرّحيلِ وإنّما الامـرُ إلى الجلـيلِ (145) الحسين (ع) يردِّد أبيات الشعر وزينبُ شقيقَتُهُ ، وحاملةُ لواء التعريف بالثورة مِن بعده تنصتُ إليه، وتقرأُ مِن خلال الشعر مَشاعرَهُ وأحاسيسَهُ، فتندبَهُ وتناديه بصوت يملؤه الحنان ، ويشوبه الذعر : «هذا كلام مَنْ أيقن بالقتل ، فقال (ع) : نعم ، يا اُختاه ! فقالت زينب : واثكلاه ينعى الحسين (ع) إليَّ نفسه» (146) . وراحت الجيوش تتوالى ، وراح عبيدالله بن زياد يبعث بقوّاته المسلّحة بشتّى صنوفها المتوفّرة لديه ، وكان من أبرز الّذين انتدبهم لتنفيذ الجريمة ومقاتلة الحسين (ع) هو عمر بن سعد ، فاعتذر في بادئ الامر إلاّ أ نّه خضع بعد ذلك لتهديد ابن زياد بسحب العهد المكتوب له بولاية الرّي بعد أن بات ليلته يُصارِع نفسه بين الملك ومطامع الدُّنيا ، ومظاهر الاُبّهة والسلطة ، وبين الالتزام بمبادئ الحق والعدل والتنزّه عن الايغال بالجريمة والدماء الطاهرة ، فاختار حُطامَ الدُّنيا والركضَ وراء السّراب والاوهام الخادعة والمشاركة بقتال دُعاة الاسلام إلى الحق ، ومحاربة حَملَة راية الهُدى والاصلاح ، وقد سُمعَ يقول ويردِّد الشعر : أَأَتْرُكُ مُلْكَ الرَّيِّ والرَّيُّ رغبةً أم أرجعُ مَذْمُوماً بِقَتْلِ حُسَينِ وفي قَتْلِهِ النّارُ الّتي لَيْسَ دونها حِجابٌ وملكُ الرّيِّ قُرّةَ عَيْنِ (147) فقبل التكليف واتّجه نحو مواقع الحسين (ع) وهو يقود أربعة آلاف مقاتل ، فاتّخذ من نينوى مقرّاً لقوّاته ، وموقعاً لتحرّك قطعاته ، على مقربة من الحسين (ع) . وحين نزل عمر بن سعد بجيوشه وقوّاته يحاصر مخيم الحسين (ع) ، فتح الحسين (ع) معه الحوار واجتمع به عدّة اجتماعات ، فكتبَ عمر بن سعد إلى عبيدالله بن زياد يقترح عليه فكرة توصّل إليها مع الامام الحسين (ع) ، وهي أنْ يرفعَ الحصارَ عن الحسين (ع) ويفتح أمامه مجالَ العودةِ ويوقفَ نزيفَ الدم الّذي بدأ يأخذ مجراه على أرض العراق . وصل الكتاب إلى ابن زياد فاستحسن الفكرة في بادئ الامر وحاول العمل باقتراح عمر بن سعد ، إلاّ أنّ الشمر بن ذي الجوشن الّذي كان من ألدّ أعداء الحسين (ع) والحاقدين عليه حذّر عمر بن سعد من أنّ الحسين (ع) إنِ استطاعَ النجاةَ مِن هذا الحصار سيكون في موقع القوّة ، وسينقلب الميزان العسكري لمصلحته وما عليه إلاّ استغلال الموقف وإرغام الامام الحسين (ع) على الاستجابة للبيعة والخضوع لارادة عبيدالله ، فكان هذا الاقتراح المشؤوم هو الطّرحَ الشّيطانيَّ الّذي غيّرَ الاحداثَ ، وبَدَأَ الكارثةَ ، ورسمَ المُنعَطَفَ في مسارِ تاريخ الاُمّة . وهكذا تبدأ الاحداث التاريخيّة الكبرى أحياناً من مواقف أو تصريحات أو آراء عرضية ككلمة الشمر بن ذي الجوشن هذه ، الّتي ساهمت بقتل الحسين (ع) ، وجرّت على الاُمّة تلك المحن والويلات والصراعات ، حتّى انتهى الامر إلى سقوط الحكم الاموي ، وانتهاء دولة بني اُميّة . استجاب عبيدالله بن زياد إلى اقتراح الشمر ، وحمّله رسالةً تهديدية إلى عمر بن سعد ، وأمرهُ بتنفيذ القرار ، أو الاعتزال وتسليم الاُمور إلى الشمر بن ذي الجوشن ، وجاء في الرسالة : «إنِّي لَمْ أَبعثك إلى الحسين لِتَكُفَّ عنه ، ولا لتطاوله ولا لِتُمنِّيه السّلامةَ والبقاءَ ، ولا لِتَعتذِرَ عنه ، ولا لِتكونَ لهُ عندي شـافعاً ، أنظر فإنْ نزلَ الحسينُ وأصحابه على حُكمي واستسلموا فابعث بهم إليَّ سِلْماً ، وإنْ أَبَوْا فازْحَفْ إليهم حتّى تقتلهم وتمثِّل بهم ، فإنّهم لذلكَ مُستحقّون ، وإنْ قُتِلَ الحسـين فأَوْطِئ الخيلَ صدرَهُ وظهرَهُ ، فإنّه عاقٌّ ظلوم ، ولستُ أرى أنّ هذا يضرّ بعد الموت شيئاً ، ولكن على قول قد قلتُهُ : ( أن لو قتلتُهُ لفعلتُ هذا به ) ، فإنْ أنتَ مَضَيتَ لامرِنا فيه جزيناكَ جزاءَ السّامع المُطـيع ، وإنْ أَبَيتَ ، فاعْتَزِلْ عملَنا وجُندَنا ، وخَلِّ بين شمر بن ذي الجَوْشَـن وبين العسكر ، فإنّا قد أمرناهُ بأمرِنا ، والسّلام» (148) . حملَ شمرُ بن ذي الجَوْشَنِ الرِّسـالةَ ، وأقبلَ يتأبّطُ شرّاً ويضرمُ للحربِ ناراً ، فاستقبله عمر بن سعد وقرأ ما في الكتاب وهو يصارع نفسه بين مواجهة الحسين (ع) الّتي يحلم عن طريقها بالسلطة والموقع السياسي والمكانة المرموقة عند رؤسائه وقادته ، وبين تحمّل أوزار الجريمة والجناية على الاُمّة والمبادئ ، فسوّلت له نفسه أن يرجِّح السلطة والمال على الحقّ ورضاء الله ، وقرّر أنْ يقود المعركة ، وأن يفجِّر ينبوعَ الدم الزاكي ، وأنْ يُمارِسَ المذبحةَ البشعةَ بنفسه ، وبمعونة شمر بن ذي الجوشن . حرّك عمر بن سعد جيوشه وفرسانه في السابع من المحرّم لتطويق الحسين (ع) من جانب الفرات والحيلولة بين آل الرسول وبين الماء ، ليموتوا عطشاً ، أو يضطرّوا للتسليم كجزء من خطّة الحرب والحصـار . وهكذا ، تجمّعت نذر الشر في نفسـه ، وجمع خيله ورجاله ووزّع قطعاته وعيّن القادة والاُمراء ، وبدأ يزحف نحو مخيّم الحسين (ع) . ابتدأ الزحف الاثم عصر يوم الخميس التاسـع من شهر مُحَرَّم الحرام،وراحوا يلوِّحون بالسيوف والرِّماح،والحسين(ع)جالس أمام فسطاطه مُحْتَب(149)بحمائل سيفه،ينظرُ في صحراء الطفّ،ويجولُ في آفاقِ الحدثِ الكبير،ويرقبُ جولةَ الباطِل،وحمحمةَ الشيطان، وترتسم أمامهُ لوحةُ المشهدِ،وتُصوَّرُ لهُ فصولُ المعركةِ والشهادة،فـيراها كوكباً تأ لّق في سماءِ التاريخ،وحركةً لا تهدأ في ضميرِ الاحـرار;لم يكـن الحسين(ع)ملتفتاً إلى جموع عمر بن سعد ، ولم يكن على علم بقرار الزّحف ، أقبلت اُختُهُ بطلة كربلاء زينب تنبِّهُهُ وتنادي : «أما تسمعِ الاصواتَ قدِ اقتربت» . ولم تبرح زينب مكانها حتّى قدم العبّاس بن عليّ (ع) أخو الحسين (ع) ينادي : «يا أخي ! أتاكَ القوم» . نهضَ الحسين (ع) وقد رأى أنْ يُخاطِبَ الجموعَ ، ويستكشفَ النّوايا ، ويَستجلي الموقِفَ ، فطلبَ مِن العبّاس أن يتحدّث إليهم ، وأن يُحاورهم ويستطلع آراءهم . كان الصّلفُ والغرورُ قد استولى على تفكير القيادة والسلطة ، والاماني السرابية قد ملكت وعيهم وإرادتهم ، فهم يتسابقون لحرب الحسين (ع) ، ويتسارعون لسفك الدم الطاهر ليحظوا بالجاه والسلطة، ويغنموا المال والثراء الموعود ، لذا كان جوابهم : «فَلْيَنْزِلِ الحسينُ (ع) على حُكْمِ الاميرِ أو نقاتِلَه» . نقل العباس رأي القيادة العسكرية الامويّة إلى الامام الحسين (ع) ، وأخبرَهُ بصلفهم وعنادهم وإصرارهم على أنْ يخضع الحسينُ (ع) لارادة السلطة ويُبايعَ يزيد أو يقاتلون . إذن لا مناص من المواجهة ، والحسين (ع) لا عودة له ولا رجوع عن القرار ، «إنّ مِثْلي لا يُبايعُ يزيد» ، وإذا كان ولا بدّ فما زال يردِّد القول : «لا أرى الموتَ إلاّ سعادة ، والحياةَ مع الظالمين إلاّ بَرَما» . وما زالَ يحمل شعاره الّذي ورثه عن رسول الله ، وخاطب الجيش الاموي به في منطقة (البيضة) قبل أيّام : « أ يُّها الناس ! إنّ رسولَ الله قال : مَنْ رَأى سُلطاناً جائِراً ، مُستَحِلاًّ لحرامِ الله ، ناكِثاً عَهدَهُ ، مُخالِفاً لِسُنّةِ رسولِ اللهِ ، يَعملُ في عبادِ اللهِ بالاثمِ والعدوانِ ، فلم يُغيِّرْ عليهِ بفعل ولا قول كانَ حقّاً على اللهِ أن يُدخِلَهُ مُدخَلَه » . وها هو يرى سلطة يزيد وسياسته وجهازه الحاكم مصداقاً لذلك ، فلم يبق أمامه إذن إلاّ أن يتأهّب للقاء العدو ، وأنْ يخوض الغمرات ، ويرفعَ لِواءَ الجهاد والثورة ، ويستبسلَ من أجلِ إقامة الحق وتطبيق شريعة العدل الالهي المقدّس . لذا طلب من العبّاس أنْ يعودَ إلى ابن سعد ويستمهِلَهُ اللّيلةَ ، لِيُفكِّرَ في الامرِ مَلِيّاً ، ويُعطيَ قراره الحاسمَ غداً ( العاشر من محرّم ـ يوم عاشوراء ـ ) . عرضَ العبّاس طلب الحسين (ع) ووقف ينتظر نتائج الحوار بين عمر بن سعد واُمرائِهِ ومعاونيه ، فأجابوا الطّلبَ ، وعادَ العبّاسُ يحملُ للحسينِ (ع) الخبر .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|