قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)
ليلة عاشوراء
ما كانَ طلب الحسين (ع) تأجيل قراره إلى يوم غد لغرض التفكير في الامر ، أو تقويم النتائج وحساب الموقف وحسب ، بل لعلّه قد فرغ من ذلك ، وكل شيء بدا واضحاً ومشخّصاً أمامه ، إنّما أراد في هذه اللّيلة أن تكون ليلة عبادة ودعاء ، وليلة وداع ووصيّة ، وليلة حديث للاهل والاصحاب والاحبّة ، فهو يدري ما كان يُخبِئُهُ الغد ، ويحويه القدر ، لذلك خاطب أخاه حين بعث إليهم في المرّة الثانية : « ارجع إليهم فإنِ اسـتَطَعْتَ أنْ تُؤخِّرَهُم إلى غَدْوَة وتَدفَعَهُم عنّا العَشِـيَّةَ لعلّنا نُصلِّيِ لِرَبِّنا اللّيلةَ ، وندعوهُ ونستغفرهُ ، فهوَ يعلمُ أنِّي قد كنتُ اُحِبُّ الصّلاةَ له ، وتلاوةَ كتابِهِ وكَثرةَ الدُّعاء والاستغفار » (150) . إذن الموقف رهيب ، وها هي الجيوش تحيط بظعنِ الحسين (ع) ، والنِّساء والصِّبية مِن آل الرسول (ص) ، يرقبون المحنة بقلوب حرّى ونفوس واجفة ، والحسين (ع) يتحرّك حول المخيم ، ويخطِّط لحماية الاطفال والنِّساء من غاراتِ الجيشِ المتحفِّز بروحِ الحقدِ والكراهيةِ للاجهازِ على هذه الكوكبة النيّرة وإطفاء نورها مِن اُفق الاسلام . كانَ الوقتُ مساءً والشمسُ قد أرهقها المشهدُ الكئيبُ ، وأثقلَ خُطاها مسيرُ ذلك اليوم الثّقيل ، فراحت تتوارى خلف اُفق الصحراء ، وتبتعدُ عن رحابِ الارضِ لئلاّ تشهد الكارثة والمأساة ، ولتتركَ الارض للقمر في ليلته العاشرة يرافق الحسين (ع) ويشهد دعاءه ، ومناجاته . وقُبيل المغيب وقف الحسين (ع) في أصحابه وأهل بيته (ع) خطيباً لِيُخْبِرَهُم أنّ القوم لا يُريدونَ قتل غيره ، وبوسع كل واحد أن ينسحب تحت جنح الظّلام، وينجو مِنَ القتل، فرفض الجميع ذلك وأصرّوا على القتال والفداء. جنّ اللّيلُ ، وأرخَى الصّمتُ سدولَهُ ، وهدأَ الطّير والهوام ، ونامَت جفون الخلائق كلّها، إلاّ آل محمّد (ص) وأنصارهم باتوا ليلتهم بينَ داع ومصلٍّ وتال للقرآن ومُستَغْفِر في الاسْحار ، وبينَ مُودِّع ومُوص بأهلِهِ وأبنائِهِ ونسائِه ، فكانَ لهم دويّ كدويّ النّحل ، وحركة واستعداد للقاء الله سبحانه . يُصلحِون سيوفَهُم ، ويُهَيِّئونَ رماحَهُم ، فباتوا تلك اللّيلة ضيوفاً في أحضان كربلاء ، وباتَ التاريخ أرِقاً ينتظر الحدثَ الكبيرَ ، وما يتمخّض عنه ميلادِ الصّباح ، وباتَت سيوفهم ورماحهم أقلاماً تتهيّأ لتخطّ في صفحات التاريخ بمدادِ الدم المقدّس أروعَ فصل كُتِبَ في عمرِ الانسان . الحسين (ع) يودِّع أهله وأحبابه ، ويزور السجّادَ وزينبَ وسُكينةَ وليلى والرّبابَ والباقرَ (ع) ويوصي آخر وصاياه ، ويعهد بآخر عهد له ، وقد استسلم للقدر ، وباع نفسه لله ، وقرّر أن يسقيَ شجرةَ الهدى والايمان بغزير دمه ، وفيض معاناته . ليلة ليلاء وَغَد موحش على آلِ محمّد (ص) ، وقد أحاطت بهم الخيلُ واللّيلُ والغـربةُ والجـيشُ الّذي راحَ يتكاثف ويتجـمّع الالف بعد الالف ، والمئة بعد المئة ، والعشرات بعد العشرات بعد العشرات ، حتّى أمسى جيشاً عرمرماً ، وقد غاب عنهم وجه رسول الله (ص) ، ونأى بالغريّ((151)) أبوهم أمير المؤمنـين عليّ (ع) ، وقد باعد بينهم وبين المدينة المنوّرة حيث يرقد جدّهم الرسول (ص) والحسن السبط واُمّهم الزّهراء مسير شهر((152)) للابل والرُّكبان ، وها هم قد باتوا ليلتهم غُرباء ، يتهدّدهم جيش العدوّ بالقتل والاسر والسّبي . انقضت ليلة الهدنة ، وطلع ذلك اليوم الرهيب ، يوم الجمعة ، يوم عاشوراء ، يوم الدم والجهاد والشهادة ، وطلعت معه رؤوس الاسنّة والرِّماح والاحقاد وهي مُشرعةٌ لِتَلْتَهِمَ جسدَ الحسين (ع) ، وتفتكَ بدُعاةِ الحقّ والثوّار من أجل الرِّسالة والمبدأ . عبّأ عمر بن سعد رجاله وفرسانه ، فوضع على ميمنة الجيش عمرو بن الحجّاج ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عروة ((153)) بن قيس ، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي ، وأعطى الرّاية دُريداً ((154)) مولاه . نظر الحسين (ع) إلى الجيش الزاحف ، وتأمّل به طويلاً ، وهو لم يزل كالطـود الشامخ ، قد اطمأ نّت نفسه ، وهانت دنيا الباطل في عينه ، وتصاغر الجيش أمامه ، فكان وأصحابه كما قال الشاعر فيهم : لَبِسوا القلوبَ على الدّروعِ وأقبَلوا يَتهافَـتونَ على ذهـابِ الانفُـسِ فلم تُرهِبْهُ كثرةُ الجيوش ، ولم توهنْ عزيمتَهُ كثافةُ الصِّفاح والاسنّة ، بل استشرق من عليائه الرّوحي المتعال ، ورفع يدي الضّراعة والابتهال إلى الله سبحانه ، وراحَ يُناجي : « اللّهمَّ ! أَنتَ ثِقَتي في كُلِّ كَرْب ، وَأَنتَ رَجائي في كُلِّ شِدَّة ، وَأَنتَ لي في كُلِّ أمر نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَعُدَّةٌ ، كَمْ مِن همٍّ يَضْعُفُ فِيهِ الفُؤادُ ، وَتَقلُّ فِيهِ الحِيلَةُ ، وَيُخْذِلُ فِيهِ الصَّدِيقُ ، وَيشمتُ فِيهِ العَدُوُّ ، أَنزَلتُهُ بِكَ وَشَكوتُهُ إِليكَ ، رَغْبَةً مِنِّي إِليكَ عَمَّن سِوَاكَ ، فَفَرَّجْتَهُ عَنِّي وَكَشَـفْتَهُ ، فَأنْتَ وَليُّ كُلِّ نِعْمَـة ، وَصَاحِبُ كُلِّ حَسـنَة ، وَمُنتَهى كُلِّ رَغْبَة » (155).
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|