اسم الكتاب: الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)
مصارع الشُّهداء
رحل((182)) موكب السبايا من أهل بيت النبوّة ، ومَن رافقهم ، وليس فيهم إلاّ نسوة وصبية وعليّ بن الحسين السجّاد((183)) (ع) ، وبقيت جثث الشُّهداء تذرو عليها الرِّياحُ سوافي الرِّمال ، وتطوِّقها بركُ الدماءِ ، قد حيل بينها وبين الرّؤوس الطواهر . بقيت تلك الجثث الزاكيات مطرحة في ميدان القتال،فهنا يربض جسد الحسين(ع)، وهناك يمتدّ جثمان أخيه العباس،وهنا تتحلّق نجومٌ مِن أجسام آل أبي طالب،وترقدُ جثمانُ كواكب الانصـار،فهم متناثرون يملؤون أرض المعركة،فكانت بهم سماءً،وكانوا فيها أنجماً. لقد رحل السجّاد (ع) ، وهو ينوء بحمل القيود وسلاسل الاسر ، ويبعث بزفرات الحزن ودموع الاسى ، وقلبُهُ يتلفّتُ ، ويحومُ حولَ أرضِ المعركة ; ودّع الموكبُ الاسيرُ جسدَ الحسين (ع) ، وبودّه لو لم يُدلجْ في المسير ، ولو يُترَكْ ليقيم إلى جوار الاجساد الزّواكي ، مضى الرّكب وغابَ في مساربِ الصّحراء ، وبقي خيالُ الشّعراء ، ولوعة الاُدباء تحومُ حولَ الميدان وترسمُ بقوافيها لوحةَ الطفِّ حمراءَ داميةً تنضحُ بالدم ، وتفيض بمشاعر الحزن واللّوعة ، وتذكي روح الكفاح والثورة . لنقرأ هاتين القطعتين الشعريتين اللّتين تصوِّران شيئاً من عمق تلك المأساة ، قال الشاعر عبدالسّلام بن رغبان المشهور باسم ديك الجن : جاؤوا برأسِكَ يا ابنَ بنتِ محمّد مُترمِّلاً بدمــائِهِ تَرميلا وكأ نّما بِكَ يا ابنَ بنتِ محمّد قتلوا جِهاراً عامِدينَ رَسولا قتلوكَ عطشـاناً ولمّا يَرْقبـوا في قتلِكَ التأويلَ والتنزيلا ويُكَبِّرون بأنْ قُتِلْتَ وإنّما قَتَلوا بِكَ التكبيرَ والتهليلا وقال الشاعر الفيلسوف أبو العلاء المعرِّي : وعلى الدّهرِ مِن دماءِ الشّهيديـ ـن عليٍّ ونجلِهِ شاهدانِ فهما في أواخرِ اللّيلِ فَجـرا نِ وفي أولياتِهِ شَـفَقان (184) لنترك الشعراء في ناديهم ولننضم إلى اُولئك الرجال من بني أسد ، من سـكّان الغاضرية ، الّذين وقعت المعركة على مقربة من ديارهم ، فقد خرجوا يتفحّصـون القتلى ، ويتسقّطون أنباء المعركة ، بعد أن رحل جيش عمر بن سعد ، وبقيتِ الجُثَثُ مُطرّحةً في مصارعها ثلاثةَ أيّام ، تنتابُها الوحوشُ ، وتَسفي عليها الرِّياحُ ، وتلفَحُها حرارةُ الشّمس المحرقة (185) . توجّه رجال من بني أسد : «وكانوا نُزولاً بالغاضِريّة إلى الحسين (ع) وأصحابه، فصلّوا عليهم ودفنوا الحسينَ (ع) حيثُ قبرُهُ الانَ ، ودَفَنوا ابنَهُ عليّ بن الحسين الاصغر (ع) عند رجله وحفروا للشّهداء من أهلِ بيتهِ وأصـحابهِ الّذين صُرِعوا حوله ممّا يلي رجلي الحسين (ع) وجمعوهم فدفنوهم جميعاً معاً ، ودفنوا العباس بن عليّ (ع) في موضعه الّذي قُتِلَ فيه على طريق الغاضرية حيث قبرُهُ الان» (186) . وهكذا ربضَ جسدُ الحسين (ع)، على مقربة مِن شاطئ الفرات في أرض كربلاء(187)عَلَماً تهوي إليه الافئدة، ومَناراً يُنيرُ الدّربَ للثّوّارِ ، والتحقَ هو بالشُّهداء والصِّدِّيقين والصّالحين والنبيِّين وحَسُنَ اُولئكَ رفيقاً ; بعد أن اختَطّ الدّربَ للثّوّار ، وثَبّتَ مَبدأَ الثّورةِ طريقاً للاحرار .
|
|