قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام الحسين بن عليّ (عليه السلام)
السّبايا العائدون
سارت الابل تُطأطِئُ رؤوسَها حياءً،وهي تحملُ آلَ محمّد(ص)اُسارى إلى عُبيدالله بن زياد.سارت نحو الكوفة بُعيد الظّهر مِنَ اليوم الثاني من أيّام الفاجعـة(اليوم الحادي عشر). زحفَ الرّكب الاسير،وليس حوله إلاّ البيدُ والقِفارُ وذكرياتُ ذلك اليوم المؤلم الفجيع وليلة الفراق الموحشة،ليلة الحادي عشر،الّتي قضوها على مقربة من مصارع الشُّهداء. وإلاّ اُولئك القساة الجفاة القتلة الّذين يتلذّذون بألم الاُسارى ، ونَدبِ الصّبايا المفجوعة وعويل النِّساء الفاقدات ، وآلام عليّ بن الحسين وهو يحمل أثقال السّلاسل، ويعاني من ذلك المرضِ العضال . دخل الرّكب الكوفة ، ففزع مَنْ فيها ، وخرجت الناس إلى الشّوارع والطّرقات ، بينَ مُتسائل لا يدري لمن السّبايا ، وبينَ عارف بِهَوْلِ الكارثة ، يكفكفُ أدمعاً ، ويضمرُ ندماً ، ويحسُّ بعذابِ الضّمير ، ولوعةِ الخذلان . اخترق موكب آل محمّـد (ص) الفجيع جموع أهل الكوفة ، متّجهاً إلى قصر الامارة ، وهم ينظرون ويبكون لِما حَلَّ بالبيتِ النبوي الكريم ، ولما اكتسبت أيديهم ، وخَدَعَتْ وعودُهُم سبطَ رسول الله (ص) وإمامَ المسلمين الحسين بن عليّ (ع) ، وها هم يرون أهله ونساءه ونساء أصحابه سبايا اُسارى يُسامونَ سوءَ العذاب مِن آل زياد ، وها هو رأس السِّبط الشّهيد يُحلِّقُ في سماء الكوفة ويَطلُّ مِن عليائهِ من فوق رأس رمح طويل، وقد دُعيَ ليكون قائد هذه الاُمّة، وإمامها الهادي إلى سبيل الرّشاد. حدّقت زينب بنت عليّ بن أبي طالب الجموع المحتشدة،ومرارة الفقد تملا فمها، ودماء الحسين(ع)تجري أمام عينها،وذلّ الاسر يحيط بموكبها،نظرت إلى أهل الكوفة نظرةَ غضب واحتقار،وخَطَبَتْهُم مُقَرِّعةً مؤنِّبة،بعد أن أشارت إليهم بالسكوت، فارتدّت الانفاس وخَمدتِ الاصوات ونكست الرؤوسُ تنتظرُ سماعَ الكلمة الّتي ستقولها عقيلة بني هاشم،زينب،بنت فاطمة الزّهراء،اُخت الحسين الشّهيد،فتوجّهت إلى أهل الكوفة بقولها : « الحَمْدُ للهِِ والصَّلاةُ على أبي محمّد وآله الطيِّبين الاخيار . أمّا بَعدُ، يا أهلَ الكوفة ، يا أهلَ الختلِ والغَدْر ; أتبكونَ ، فلا رَقأتِ الدّمعةُ ، ولا هَدأتِ الرّنّةُ ، إنّما مَثَلُكُم كمَثَلِ الّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعدِ قُوّة أنكاثاً ، تتّخِذونَ أيمانَكُم دَخَلاً بينكم ، ألا وهلْ فيكُم إلاّ الصَّلِفُ النَّطِفُ والصَّدْرُ الشَّنِفُ ، ومَلَقُ الاماءِ ، وغَمزُ الاعداء ، أو كمرعىً على دِمنة ، أو كفضّة على مَلْحودة ، ألا ساءَ ما قَدَّمتْ لَكُم أنفسكم أنْ سَخِطَ الله عليكم ، وفي العذابِ أنتم خالِدون ، أتبكونَ وتنتحبونَ ، إي والله فابكوا كثيراً ، واضحكوا قليلاً ، فلقد ذهبتُم بِعارِها وشنارِها ، ولَنْ تَرْحَضُوها بغسل بعدها أبداً ، وأنّى ترحضونَ قتلَ سليلِ خاتم النبوّة ، ومعدنِ الرِّسالة ، وسيِّدِ شبابِ أهلِ الجنّة ، وملاذِ خيرتكم، ومَفزعِ نازِلَتِكم، ومنارِ حجّتكم، ومَدرَهِ سُنّتِكُم، ألا ساءَ ما تَزِرون، وبُعْداً لكم وسُحْقاً ، فلقد خابَ السّعْيُ وتَبّت الايدي ، وخَسِرَت الصّفْقَةُ ، وبُؤتم بِغَضب مِنَ الله ، وضُرِبَت عليكُم الذِّلّةُ والمَسْكَنَةُ ، ويلكم يا أهل الكوفة : أتدرونَ أيّ كبد لرسولِ اللهِ فريتُم ، وأيّ كريمة لهُ أبرزتُمْ ، وأيّ دَم لهُ سفكتُمْ ، وأيّ حُرْمَة لهُ انتهكتُم ، ولقد جئتُم بها صَلعاءَ عَنقاءَ سَوداءَ فَقْماء ، ـ وفي بعضها ـ خَرْقاء ، شَوْهاءَ كَطلاعِ الارضِ أو ملءِ السّماء ، أفعجبتُم أنْ مطرتِ السّماءُ دماً ، ولَعذابُ الاخِرَةِ أخزى وأنتم لا تُنصرون ، فلا يَسْتَخِفَنّكُم المهلُ ، فإنّه لا يحفِزُهُ البِدارُ ، ولا يخافُ الثأر ، وإنّ ربّكم لبالمرصاد » (188) . وسارَ الموكب الحزين يخترق شوارع الكوفة ويتّجه صوب قصر الامارة ليقف السبايا من آل محمّد (ص) ، ومن شاركهم محنة الطف وشرف الشهادة أمام عبيدالله ابن زياد ، وهو جالس في القصر قد فتح أبوابه لاستقبال الناس وقبول التهاني بالنصر وإرهاب من يحاول تحدِّي السّلطة الامويّة هناك . جلس وبين يديه رأس الامام الحسـين (ع) يعبث به ويضربه بقضيب في يده وعليه علامات الفرح والنّشوة . أثار هذا الموقف الدنيء شيخاً صحابياً مسنّاً (زيد ابن أرقم) فصاح بابن زياد وهو يضرب وجه الحسين (ع) بقضيبه : «إرفع قَضِيبَكَ عن هاتين الشَّفَتين ، فَوَالله الّذي لا إله غيرُهُ لقد رأيتُ شَفَتَي رسـول الله (ص) عَليهما ما لاَ اُحصيهِ ، ثمّ انتَحَبَ باكياً ، فقال ابن زياد : أبكى الله عَيْنَكَ ، أَتبكي لِفَتْحِ الله ، ولولا أ نّك شيخ قد خَرِفْتَ ، وذهب عَقْلُك لَضَربْتُ عُنُقَك» . غضب زيد بن أرقم فخرج من مجلس ابن زياد يُكَفكِفُ دموعَهُ وتتجسّد أمام عينيه صورة رسول الله (ص) وهو يحتضن حسينَهُ الحبيبَ أيّام طفولته ، ويحمله على صدره ، وقد اشتهر عن زيد انّه قال عند خروجه وقد سمعه الناس : «أنتم يا معشرَ العرب ! العبيدُ بعد اليوم ، قتلتم ابنَ فاطمة ، وأمّرتم ابنَ مرجانة ، فهو يقتل خيارَكُم ويستعبدُ شرارَكُم ، فرضيتُم بالذلِّ ، فبُعداً لمن رضي بالذل» (189) . وما أن غاب الشيخ الصحابي حتّى قدمت السّبايا (190) تُحْمَل إلى قصر الامارة . واُدخلت النِّساء والاطفال وعليّ بن الحسين السـجّاد ، على ابن زياد ، فانبرى ابن زياد مخاطباً زينب (اُخت الحسين) ، المرأة الّتي حملت راية الثورة والتعريف بأهداف الحسين (ع) (بعد استشهاده) طيلة حياتها الّتي لم تدم طويلاً ، مخاطباً إيّاها وشامتاً بها : «الحَمْدُ للهِِ الّذي فَضَحَكُم وقَتَلَكُمْ وأَكذَبَ أُحْدُوثَتَكُم» (191) . جاءه الردّ صاعقةً تمزِّقُ سكونَ المجلس الرّهيب وتتحدّر على لسان زينب ، المرأة الواثقة بالله ، الصّابرة على قضاء الله ، المؤمنة بأهدافها : «الحمدُ للهِِ الّذي أكرمَنا بنبيِّه محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، وطهّرنا من الرِّجس تطهيراً (192) ، إنّما يُفتَضَحُ الفاسِقُ ويُكذَبُ الفاجِرُ وهو غيرُنا . فقالَ ابن زياد : كيفَ رأيتِ فِعْلَ الله بأهلِ بيتـك ؟ قالت : كتبَ الله عليهم القتلَ فبرزوا إلى مضـاجِعِهم ، وسيجمعُ الله بينكَ وبينهم فتُحاجّونَ إليه ، وتَختَصِمون عنده» (193) . واستمرّ الكلام سجالاً بين زينب وابن زياد ، حتّى جيء بعليّ بن الحسين السجّاد (ع) ليقف أمام عبيدالله بن زياد . فتساءل ابن زياد : من أنت ؟ أجاب الامام السجّاد : أنا عليّ بن الحسين . سأل ابن زياد : أ لَم يقتُلِ اللهُ عليَّ بن الحسين ؟ فردّ السجّاد : كان لي أخ يُسمّى عليّاً قتلَهُ النّاس . فقال ابن زياد : بل قتلَهُ اللهُ . فردّ السجّاد : «اللهُ يتوفّى الانفُسَ حينَ موتها» . استثار موقفُ السجّاد الصّلبُ وردُّهُ المُواجهُ ابن زياد ، فراح ينادي الجلاوزة : اضربوا عنقه. فتعلّقت عمّته زينب به وصاحت : «يابن زياد حَسْبُك من دمائنا ، والله لا اُفارقهُ ، فان قتلته فاقتُلْني معه» (194) . تراجعَ ابن زياد، وخرجَ من المجلس إلى المسجد ليخطب الناس ويُبَلِّغ بقتل الحسين (ع) وانتصار يزيد . سمعه عبدالله بن عفيف الازدي(195) ، يخطب الناس ويقول : «الحمدُ للهِِ الّذي أظهرَ الحقَّ وأهلَهُ ، ونصرَ أميرَ المؤمنينَ يزيدَ وحِزبَهُ وقتلَ الكذّابَ ابن الكذّابَ الحسين بن عليّ وشيعته» (196) . فاستشاطَ الازدي غضباً ، ووقف بجرأة الرِّجال يتحدّى الصَّلَفَ والغُرورَ ، ويمزِّقُ أجواءَ الارهاب الّتي فرضها السّيفُ والسّوطُ، فردّهُ ردّاً عنيفاً قائلاً: «يا ابن مرجانة! إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنتَ وأبوكَ والّذي ولاّكَ وأبوه ، يا ابن مرجانة! أتقتِـلُونَ أبناءَ النبيِّين وتتكلّمونَ بكلامِ الصِّدِّيقين» (197) . وقعت الكلمات الجريئة هذه على ابن زياد وقعَ الصّاعقةِ وهو متسربلٌ بكبرياءِ الامارة ، ونشوةِ النّصر الاثيم ، فلم يجد مَلاذاً للخروج من هذا الموقف الصّعب إلاّ الامر بقتل الازدي الشّجاع ، إلاّ انّه اصطدم بسبعمائة رجل مِنَ الازد يحولون بينه وبين عبدالله بن عفيف . ولم يهدأ غضبُهُ وحقدُهُ ، بل لاذَ بالغدر وانتظر سانحةَ اللّيل وهجعةَ العيون ، فبعثَ بمجموعة من جلاوزتِهِ لتغير على الازدي وتخرجه من بيته ، ثمّ قُتِلَ وصُلِبَ ، فراحَ شهيداً يُردِّد كلمة الحق ، ويَجْبَهُ بها وجه الطّغاة . لم يقف حقد ابن زياد وقساوته واسلوبه الوحشي إلى حدٍّ ، بل راحَ يطوفُ في اليوم الثاني برأس الحسين (ع) في شوارع الكوفة ، يرهبُ أهلَها ، ويتحدّى روح المعارضة والمقاومة فيها . اُعيد الرّأس الشّريف إلى القصر ، ليأخذ طريقه إلى الشّام نجماً يتأ لّق في هامِ الرِّماح ، وشعاراً لا يهبط من علياءِ المجد ، ووساماً يزيِّن صدر التاريخ ((198)) . تقدّم رأسُ الحسين (ع) رؤوسَ الكوكبة الّتي خُلِّفتْ أجسادها في صحراء الطّف ، وراحَ الموكب الالق يخترق صحراء العراق ، ورأس الحسين (ع) يشرف من عليائه سماءً لا تظلّها سماءٌ ، وآية تُتلى في مصحف الشّهادة لا تنسـخها آية ، وراية تقـود جحافل الثّوّار لا تعلوها راية . وسارَت خلفه زينب (اُخته) وقد تسلّمت لواء الثورة يوم أغمدَ الحسينُ (ع) سيفَهُ لِتَنتَضِيَ حُسامَ الكلمة ، وتُبشِّرَ بقيمِ الحسين (ع) . التحقَ ركب النِّساء والاطفال والسجّاد عليّ بن الحسين ، الّذي وُضِعَت السّلاسل بيدهِ وجُمِعَت إلى عنقه(199) وحُمِلوا جميعاً على «أقتابِ الابلِ الّتي كانت بغيرِ وِطاء» (200) . التحقوا بموكب الرّؤوس الّذي سبقهم في المسير، وراحوا يسيرون سواءً إلى جنب رأس الحسين (ع) إلى دمشق عاصمة الخلافة ، بناءً على أوامر صادرة من يزيد بن معاوية كتبها في رسـالة إلى ابن زياد قال فيها : «سَرِّحِ الاُسارى إليَّ»(201) ، فقد أراد هذه المرّة أن ينفِّسَ عن حقدِهِ برؤيتِهِ عائلةَ رسـول الله (ص) تقفُ أمامه وهي في القيود والسّلاسل . الرّؤوس تتقدّمُ المسيرةَ ، والسجّادُ وزينبُ وباقي النِّساء والاطفال يُساقون قَسْراً خلفَ رأس الحسين (ع)، والقلوبُ تحومُ حولَهُ ، والنفوس تذوبُ أسىً ولوعةً لمنظره .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|