اسم الكتاب: الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
حلمه وتواضعه :
وهذا طرف آخر من أخلاقه العظيمة : « شتمَ رجل زين العابدين (ع) فقصدَهُ غِلمانُهُ ، فقال : (دَعوهُ ) ، ثمّ قال للرّجل : (الكَ حاجةٌ ؟ ) فخجلَ الرّجلُ ، ثمّ أعطاه ثوباً وأمر له بألفِ درهم ، فانصرف الرّجلُ وهوَ يقول : أشهدُ أ نّك ابنُ رسولِ الله (ص) » (36) . «وسبَّهُ رجلٌ مرّة،فسكتَ الامام(ع)عنه،فقال الرّجل:إيّاك أعني،فقال الامام:(وعنكَ اُغْضي)». « وكانت له جارية تسكبُ عليه الماءَ ليتهيّأ للصّلاةِ ، فتعبتْ فسقطَ الابريقُ من يدها، فرفع رأسه إليها، فقالت: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظِ ) قال (ع): (قد كظمتُ غيظي)، قالت : (وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ) قال (ع) : (عفا اللهُ عنكِ ) ، قالت : (وَاللهُ يُحِبُّ المحْسِنِينَ ) قال : ( إذْهَبي فأنتِ حرّةٌ لوجهِ اللهِ عزّ وجلّ ) » (37) . وانتهى إلى قوم يغتابونه ، فوقف عليهم وقال : « إنْ كنتم صادقين غفرَ اللهُ لي ، وإنْ كنتم كاذبين غفر الله لكم » . « ونال منه الحسنُ بن الحسن فشتَمَهُ ، فلم يُكلِّمْهُ ، فلمّا انصرفَ ، قالَ لجُلَسائِهِ : قد سمعتُم ما قالَ هذا الرّجل ، وأنا اُحِبُّ أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا رَدِّي عليه ، فقالوا له : نفعلُ ، وقد كنّا نحبُّ أنْ تقولَ لهُ ونقولَ ، فمشى وهو يقول : (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظِ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المحْسِنِينَ ) ، فلمّا بلغ منزلَهُ ، وناداهُ ، خرجَ إليه متوثِّباً للشّرِّ وهو لا يشكُّ أنّه إنّما جاءه مكافياً على بعض ما كان منه ، فقال له عليّ ابن الحسين (ع) : ( يا أخي ! إن كنتَ قلتَ ما فيَّ فَأَسْتغفِرُ اللهَ منهُ ، وإن كنتَ قُلتَ ما ليسَ فيَّ يغفرُ اللهُ لكَ ) ، فقبّل الحسن ما بين عينيه ، وقال : بلى ، قلتُ ما ليسَ فيكَ وأنا أحقُّ به » (38) . ومن مصاديق إنسانيّته المُثلى كذلك، أنّه كان له ابن عم فكان عليّ بن الحسين (ع) يأتيهِ باللّيل متنكِّراً فيناولهُ شيئاً مِنَ الدنانير ، فيقول له : لكن عليّ بن الحسين لا يُواصِلُني لا جزاهُ اللهُ خيراً، فيسمعُ الامام (ع) ذلك، ويحتملُ ويَصبرُ ولا يُعرِّفهُ بنفسِهِ ، فلمّا رحلَ الامام (ع) إلى ربِّه تعالى ، فقدَ الرّجل تلكَ الصِّلةَ المُعتادَة ، فعلم أنّها منه ، فجاء إلى قبرِهِ باكياً . وهناك مِنَ المواقف السّامية ما لا مجالَ لاستقصائه . وروى الطبري : « أنّ هشام بن إسماعيل كان أميراً على المدينة المنوّرة ، فأظهر القسوةَ وأشاعَ الارهابَ ، وتحمّلَ منه عليّ بن الحسـين (ع) وأهلُ بيتِهِ الشيءَ الكثيرَ ، وقد عزلهُ الوليد ابن عبد الملك ، وأمر بإيقافه أمام الناس لِيُجْلَد ، فمرّ به عليّ بن الحسين (ع) وهو واقف عند دار مروان، فسلّم عليه، وأمر أتباعَهُ بعدمِ التصدِّي له بمكروه ، وقد أرسل إليه : ( أنظر إلى ما أعجزَكَ مِن مال تُؤخذُ به فعندنا ما يَسعُكَ(39)، فَطبْ نَفْساً منّا ومِن كُلِّ مَن يطيعنا ) ، فنادى هشام : اللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالاتِه » (40) . وعلى أثر قيام ثورة «الحَرَّة» ولّى بنو اُميّة الادبار هاربين من بطش الثورة ، وكان في طليعة الهاربين مروان بن الحكم ، فاستغاث بعبد الله بن عمر بن الخطّاب أنْ يؤدِّيَ له عيالَهُ ، وفي طليعَتِهم زوجتُهُ عائشةُ بنت عثمان ، فأبى عليه ابن عمر ، فاسـتغاثَ بالامامِ السجّادِ (ع) فما كان من الامام إلاّ أنْ أغاثَهُ ، وأضافَ أهلَهُ إلى أهلِهِ ، وقابَلَ إساءةَ بني اُميّة التاريخية لاهلِ البيت (ع) بمنتهى الاحسان (41) . هذه بعض شواهد منهاجه في التعامل مع الناس، وقد كان بحقٍّ الصورةَ التجسيديّةَ المُثلى للمنهج الالهي الكريم .
|
|