سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)


3 ـ الجانب الفكري :

سبق أنْ أشرنا في حديث سابق إلى أنّ الرّسول القائد (ص) ، والائمّةَ الهُداةَ من أهلِ البيت (ع) قد تسنّموا قِمةَ التسلسُلِ في درجاتِ الشخصية الاسلامية ، باعتبار خضوعهم لاعداد رسالي خاص في شتّى عناصر الشـخصية ومكوّناتها ، ومن هنا فإنّ الامامَ السجّاد ، وجميع الائمّة الهُداة (ع) قد توفّر لهم مِنَ السّمُوِّ العقلي الرّائد ، وفي شتّى مجالات الحياة ، ما لم يتوفّر لِسواهُم مِنَ البشر ممّن هم دون الانبياء (ع)؛ يعلِّل ذلك طبيعة التعلّق بالله ، الّذي يتوفّر للامام (ع) ـ كلّ إمام ـ فهوَ يتلقّى العلمَ إمّا عن الرّسول (ص) كما هي الحال في الامام عليّ بن أبي طالب (ع) ، أو يتلقّاه بالواسطة عن طريق إمام سـابق يُشرِفُ على تربيته إنشاءً روحيّاً وفكريّاً وسلوكيّاً ، وأمّا الاُمور المستجدّة في حياة الناس ، فإنّ سموَّ الكيان الداخلي للامام وصفاءه الرّوحي يؤهِّله لملكة المعرفة عن طريق العلم الحضوري ، إذ أنّ علمه في هذا المضمار يتلقّاه عن طريق الالهام الذاتي ، وبمقدور أيّ مُنصف أنْ يَعِيَ هذه الحقيقةَ من خلالِ تتبّعه لحياةِ الائمّةِ الميامين (ع) ، إذ لم يحدِّثنا تاريخُ حياتهم قطُّ أنّ أمراً قد اُشكِلَ عليهم في باب من أبواب المعرفة ، أو أنّهم قد تعذّرت عليهم الاجابة عن سؤال أو استفسار أو إشكال ، سواء في أمر فكري أو تشريعي أو علمي أو نحو ذلك ، ووفقاً لما تسمح به المحاولة ـ محاولة الحديث عن الامام السجّاد (ع) ـ سنطرح طرفاً من نشاطاته الفكريّة الرائدة :
فها هو يحدِّدُ أنواع الذنوب وآثارَها الخطيرة في حياة الانسان ومسيرته التاريخيّة فرداً كان أم اُمّة:
قال أبو خالد الكابلي : سمعتُ زينَ العابدين يقول :
«الذنوبُ الّتي تغيِّر النِّعم: البغيُ على الناس، والزّوالُ عن العادة في الخير واصطناعِ المعروف ، وكفرانُ النِّعمِ ، وتركُ الشّكرِ ، قال الله تعالى : (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) .
والذنوبُ الّتي تورِثُ النّدمَ : قتلُ النّفسِ الّتي حرّم الله ، قال تعالى في قصّة قابيل حين قتل أخاه هابيل فعجز عن دفنه : (فأَصْبَحَ مِنَ النَادِمِينَ ) ، وتركُ صِلَةِ القَرابةِ
حتّى يَستغنوا ، وتركُ الصّلاةِ حتّى يخرجَ وقتُها ، وتركُ الوصيّةِ ، وردُّ المظالم ، ومنعُ الزّكاةِ حتّى يحضُرَ الموتُ وينغلقَ اللِّسان .
والذنوبُ الّتي تُنزِلُ البلاءَ : تركُ إغاثَةِ الملهوفِ ، وتركُ مُعاونةِ المظلوم ، وتَضييعُ الآمر بالمعروف والنّهي عن المنكر .
والذنوبُ الّتي تُديل الاعداءَ42:المجاهرةُ بالظّلمِ ، وإعلانُ الفجورِ ، وإباحةُ المحظورِ ، وعِصيانُ الاخيارِ ، والاتِّباعُ للاشرار .
والذنوبُ الّتي تردّ الدُّعاء : سوءُ النيّةِ ، وخُبْثُ السّريرةِ ، والنِّفاقُ مَعَ الاخوانِ ، وتركُ التصديق بالاجابةِ ، وتأخيرُ الصّلواتِ المفروضاتِ حتّى تذهبَ أوقاتُها ، وتركُ التقرّبِ إلى الله عزّ وجلّ بالبِرِّ والصّدقةِ ، واستعمالُ البِذاءِ والفُحشِ في القول » (43) .
ويشخّص الامام (ع) المفهوم الحقيقي للزهد كما حدّده القرآن الكريم ، ويحدّد موضعه على خارطة المفاهيم الاسلامية كالورع واليقين والرضا :
سُئِلَ (ع) عن الزُّهد ، فقال :
« الزُّهدُ عشرةُ أشياء: فأعلى درجة الزُّهد أدنى درجةِ الوَرعِ، وأعلى درجةِ الوَرعِ أدنى درجةِ اليقين ، وأعلى درجةِ اليقينِ أدنى درجةِ الرِّضا ، ألا وإنّ الزُّهدَ في آية من كتاب الله ، قوله تعالى : (لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ) »(44) .
وها هو يضع الضوءَ الاخضرَ أمامَ الانسان المسلم الرِّسالي، ويُفرِزُهُ بقوّة ووضوح من كلِّ أشكال الدّعاوَى العريضةِ ، مِن خلالِ إبرازِ عناصرِ شخصيّتِهِ الحقيقيّةِ الّتي أرادها منهجُ الله تعالى ، وشرعُهُ العظيم .
قال (ع) :
« إذا ما رأيتُمُ الرّجلَ قد حَسَّنَ سمتَهُ وهديَهُ ، وتَماوَتَ في منطقِهِ ، وتخاضَعَ في حركاتِهِ ، فرويدالا يغرنّكم ، فما أكثرَ مَن يُعجِزُهُ تناولُ الدُّنيا ، وركوبُ الحرام منها ، لضعفِ نيّتهِ ومهانَتِهِ وجُبن قلبِهِ ، فنصبَ الدِّينَ فَخّاً لها(45)، فهو لا يزالُ يختلُ الناسَ بظاهرِهِ ، فإنْ تمكّن مِن حرام اقتحَمَهُ .
وإذا وجدتموهُ يَعفُّ عن المالِ الحَرامِ، فرويداً لا يغرنّكم فإنّ شهواتِ الخَلْقِ مختلفةٌ، فما أكثَرَ مَنْ يَنبو عن المالِ الحَرامِ وإنْ كَثُرَ ويحملُ نفسَهُ على شوهاءَ قبيحة فيأتي منها مُحرّماً . فإذا رأيتموهُ عن ذلك مُجتنِباً ، فرويداً لا يغرنّكم حتّى تنظروا ما عقده عقله ، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ، ثمّ لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه بعقله ، فإذا وجدتم عقله متيناً، فرويداً لا يَغرنّكم حتّى تنظروا: أمَعَ هواهُ يكونُ على عقلِهِ ؟ أم يكونُ معَ عقلِهِ على هواهُ ؟ كيف محبّتُهُ للرِّئاساتِ الباطلةِ وزهدُهُ فيها ، فإنّ في الناسِ مَن خَسرَ الدُّنيا والآخرة ، ويترك الدُّنيا للدُّنيا ، ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضلَ من رئاسةِ الاموالِ والنِّعمِ المُباحةِ المحلّلة ، ويترك ذلك أجمع طلباً للرِّئاسةِ حتّى إذا قيل له : اتّق الله أخذتهُ العزّةُ بالاثمِ فحسبهُ جهنّمُ ولبئسَ المهاد ، فهو يَخبطُ خَبطَ عشواء ، يقودُهُ أوّل باطله إلى أبعدِ غاياتِ الخسارةِ ، ويمدُّ بهِ بُعدُ طَلَبِهِ لما لا يقدر في طغيانِهِ ، فهو يُحلُّ ما حرَّمَ الله ، ويُحرِّمُ ما أحلَّ الله ، لا يُبالي بما فاتَ مِن دينه إذا سلمتْ له رئاستُهُ الّتي قد شَقِيَ مِن أجلِها ، فاُولئك الّذينَ غضبَ الله عليهم ولعنهم ، وأعدّ لهم عذاباً مهيناً .
ولكنّ الرّجلَ ، كلَّ الرّجلِ ، نِعمَ الرّجلُ ، هو الّذي جعلَ هواهُ تبعاً لامرِ اللهِ ، وقواهُ مبذولةً في قضاءِ اللهِ ، يرى الذِّلَّ معَ الحقِّ أقربَ إلى عزّ الابدِ مع العزِّ في الباطل ، ويعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرّائها ، يؤدِّيه إلى دوامِ النّعيم في دار لا تَبيدُ ولا تَنفَدُ ، وأنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إنِ اتّبعَ هواهُ يؤدِّيه إلى عذاب لا انقطاعَ لهُ ولا زوال ، فذلك الرّجلُ ، فَبِهِ تَمسّكوا ، وبِسُنَنِهِ فاقتَدوا ، وإلى ربِّكم به فتوسّلوا ، فإنّه لا يَردُّ لهُ دعوةً ، ولا يخيّبُ لهُ طَلِبَة » (46) .
ومن تراثه الفكري الخالد رسالته إلى بعض أصحابه، المعروفة بـ «رسالة الحقوق» وهي لائحة دستورية من الطراز الاوّل ، تُبْرِزُ ما للنّاسِ من حقوق ، وما عليهم من واجبات ، سواء في حياتهم الخاصّة أو العامّة ، فهي تحدِّد واجبات الانسان تجاه ربِّه الاعلى ، وكيفيّة التصرّف بالنِّعم الّتي أسبغها عليه ، وكيف يحكّم شرع الله في قواه الّتي أكرمه بها ، وتحدِّد كذلك حقوق الناس وطبيعة التعامل بينهم وحجمه ، وما يجب أنْ يكون عليه ، ثمّ تُشخِّصُ الحقوق المتـبادلة بين الافراد والحاكم ، إلى غير ذلك من مسائل حقوقية هي في مضمون الحضارة لُحمَتُها وسداها، وهذه فقرات من تلك الرِّسالة الخالدة ، نطرحها كمثال على السّموّ الفكريّ الشّاهق الّذي بلغهُ الامام عليّ بن الحسين (ع) :
« ... فأمّا حقُّ الله الاكبرُ عليك : فَأَنْ تعبدُهُ لا تُشْرِكُ بهِ شَيئاً ، فإذا فَعلتَ ذلكَ بإخلاص ، جعلَ لكَ على نفسِهِ أنْ يَكفِيَكَ أمرَ الدُّنيا والآخِرَة ، ويحفظَ لكَ ما تُحبّ منها .
وأمّا حقُّ نفسِكَ عليك : فَأَنْ تستعمِلْها بطاعةِ اللهِ عزّ وجلّ ، فتؤدِّيَ إلى لسانِكَ حقَّهُ ، وإلى سَمعِكَ حَقَّهُ ، وإلى بَصَرِكَ حَقَّهُ ، وإلى يَدِكَ حَقَّها ، وإلى رِجْلِكَ حَقَّها ، وإلى بَطْنِكَ حَقَّه ، وإلى فرجِكَ حَقَّهُ ، وتستعين باللهِ على ذلك .
وأمّا حقُّ اللِّسانِ : فإكرامُهُ عَنِ الخَنا(47)، وتعويدُهُ على الخيرِ ، وحملُهُ على الادبِ ، وإجمامُهُ إلاّ لموضِعِ الحاجَةِ والمنفعةِ للدِّينِ والدُّنيـا ، وإعفاؤُهُ مِن الفضولِ الشّنعةِ ، القليلةِ الفائدةِ ، الّتي لا يُؤْمَنُ ضَرَرُها معَ قلّة عائدتها ، ويُعَدُّ شاهِدَ العقلِ والدليلِ عليه ، وتزيُّنُ العاقلِ بعقلِهِ حُسْنُ سيرَتِهِ في لِسانِهِ ولا قوّةَ إلاّ باللهِ العظيم .
وأمّا حقُّ رَعيّتِكَ بالسّلطان : فَأَنْ تعلمَ أنّهم صاروا رَعيّتَكَ لِضَعْفِهِم وقُوّتِكَ ، فيجبُ أنْ تعدلَ فيهم ، وتكونَ لهُم كالوالِدِ الرّحيمِ ، وتغفرَ لهُم جَهْلَهُم ، ولا تُعاجِلْهُم بالعُقوبَةِ ، وتشكُرَ اللهَ على ما أولاكَ ، وعلى ما آتاكَ مِنَ القوّةِ عليهم .
وحقُّ جليسِكَ : أن تُلينَ لهُ كَنَفَكَ ، وتُطيبَ لهُ جانِبَكَ ، وتُنصِفَهُ في مُجاراةِ اللّفظِ ، ولا تَقومَ مِن مجلِسِكَ إلاّ بإذنِهِ ، ومَنْ يجلسُ إليكَ يجوزُ لهُ القيامُ عنكَ بغيرِ إذنك ، وتَنسى زلاّتِهِ ، وتحفظُ خَيراتِهِ ، ولا تُسْمِعُهُ إلاّ خيراً .
وأمّا حقُّ الجارِ : فحفظُهُ غائِباً ، وكرامَتُهُ شاهِداً ، ونُصْرَتُهُ ومَعونَتُهُ في الحالَين جميعاً ، لا تَتَّبِعْ لهُ عَوْرةً ، ولا تَبحَثْ لهُ عَن سَوْأة لِتَعْرِفَها ، فإنْ عَرَفْتَها منهُ عَن غيرِ إرادة منكَ ولا تَكلّف ، كنتَ لما عَلمتَ حِصناً حَصيناً وسِتراً سَتيراً .
وأمّا حقُّ الصّلاةِ : فأنْ تَعلَمَ أنّها وفادةٌ إلى الله ، وأنّكَ قائِمٌ بها بينَ يدي الله ، فإذا عَلمتَ ذلكَ كُنتَ خَليقاً أن تقومَ فيها مَقامَ الذّليلِ الرّاغبِ الرّاهبِ الخائفِ الرّاجي المسكينِ المُتضرِّعِ المُعظِّمِ مَن قامَ بينَ يديهِ بالسّكونِ والاطراقِ ، وخُشوعِ الاطرافِ ، ولين الجـناحِ ، وحُسْنِ المـناجاةِ لهُ في نفسِهِ ، والطّلبِ إليهِ في فَكاكِ رَقبَتِكَ الّتي أحاطَتْ بها خَطيئَتُكَ ، واستهلكتها ذُنُوبُكَ ، ولا قُوّةَ إلاّ بالله العظيم .
وأمّا حقُّ الصّومِ : فأنْ تَعلَمَ أنّه حِجابٌ ضَربَهُ اللهُ على لِسانِكَ وسَمعِكَ وبَصَرِكَ وفَرْجِكَ وبَطْنِكَ لِيَسْتُرَكَ بهِ مِنَ النّارِ ، وهكذا جاء في الحديث : ( الصّومُ جُنّة مِن النّار ) ، فإن سَكَنَتْ أطرافُكَ في حَجْبَتِها رَجَوْتَ أنْ تكونَ محجوباً ، وإنْ أنتَ تركتَها تضطربُ في حِجابها وترفَعُ جَنباتِ الحِجابِ فتطلعَ إلى ما ليسَ لها بالنظرةِ الدّاعيةِ للشّهوةِ والقوّةِ الخارجَةِ عن حدِّ التقيّةِ لله ، لم تأمن أنْ تَخرُقَ الحجابَ وتخرُجَ منه .
وأمّا حقُّ الصَّدَقةِ : فأنْ تَعلَمَ أنّها ذخرُكَ عندَ ربِّكَ ، ووديعتُكَ الّتي لا تحتاجُ إلى الاشهادِ ، فإذا عَلمتَ ذلك كُنتَ بما استودعتَهُ سِرّاً أوثَقُ بما استودعتُهُ عَلانية ، وكُنتَ جديراً أن لا تكونَ أسرَرْتَ إليهِ أمراً أعلَنتَهُ ، وكانَ الآمر بَينكَ وبَينهُ فيها سرّاً على كلِّ حال ، ولم تَستظهرْ عليهِ فيما استودعتَهُ منها بإشهادِ الاَسْماعِ والاَبْصار عليهِ بها ، كأنّها أوثقُ في نفسِكَ وكأ نّك لا تَثِقُ بهِ في تأديَةِ وَديعتِكَ إليكَ ، ثمّ لم تَمتَنَّ بِها على أحد لأنّها لكَ، فإذا امتَنَنْتَ بِها لَم تأمنْ أنْ يكونَ بها مثلُ تهجين حالكَ منها إلى مَنْ مَنَنْتَ بِها عليهِ لانّ في ذلكَ دليلاً على أنّك لَم تُرِدْ نفسَكَ بِها ولو أرَدْتَ نَفسَكَ بِها لَم تَمتَنَّ بِها على أحد ، ولا قُوّةَ إلاّ بالله .
وأمّا حقُّ الشّريكِ : فإنْ غابَ كفيتَهُ ، وإنْ حَضَرَ ساوَيتَهُ ، ولا تعزِمْ على حُكمِكَ دونَ حُكمِهِ ، ولا تعملْ برأيِكَ دونَ مُناظَرَتِهِ ، وتحفظَ عليهِ مالَهُ ، وتنفيَ عنهُ خيانَتَهُ فيما عَزَّ أو هانَ ، فإنّهُ بَلَغَنا : ( إنّ يَدَ اللهِ عَلى الشّريكَينِ ما لَم يَتَخاوَنا ... ) » (48) .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com