سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)


شخصيّة الامام (عليه السلام) الاجتماعيّة
الظروف والمواقف

من الضروري ، وقبل التحدّث عن دور الامام السجّاد (ع) في حركة الاسلام التاريخية ، أنْ نعيد إلى الاذهان مجدّداً أنّ الامام ـ أيّ إمام من أئمّة أهل البيت (ع) ـ يراعي عندما يخطِّط لمسيرة الحركة الاصلاحية الاسلامية الظروف النفسية والاجتماعية والفكرية والسياسية الّتي تعيشها الاُمّة المسلمة ، إذ أنّ خطط أي إمام لا يُمكِن أنْ تُعَلّقَ في فَراغ ، ولا يمكن أنْ تتجاهَلَ الواقِعَ الاجتماعيّ بما فيه ومَن فيه ، وإنّما تُرسَمُ وتُحدّدُ خِطَطُها وترتيباتُها وتدابيرُها من خلال أحداث الواقع الّذي يعيشه الامام (ع) ، ومن أجل ذلك نرى الائمّة (ع) قد اختلفوا في خُطَطِهم وتوجيهاتهم العلميّة الاصلاحيّة الكبرى ، فلكلِّ إمام منهجُهُ ، ولكلِّ إمام خططُهُ ، ولكلِّ إمام أدواتُهُ ، بل إنّ الامام الواحد قد يمارس عدداً من الاساليب ، ويتبنّى مُختلف الخطط عبر فترة حياته، آخذاً بنظر الاعتبار طبيعة الظروف والتحوّلات الاجتماعية والسياسية وسواها في الاُمّة الاسلامية ، الآمر الّذي ألفيناه عند عليّ بن أبي طالب (ع) ، وولديه الحسن والحسين (ع) ، وما سنجده عند عليّ بن الحسين (ع) الّذي نتحدّث عنه الآن .
فعليّ بن أبي طالب(ع)مرّ بثلاث مراحل في دوره في الحركة الاصلاحية،فمرّة تجدهُ جُنديّاً مُطيعاً بأعلى درجات الطاعة وأسمى معاني الانقياد والانضباط،مُمارِساً القتالَ مرّةً،ومبعوثاً في مهمّة مِن أجلِ الرِّسالةِ حيناً آخر،أو نحو ذلك،وكان ذلك في عهدِ رسول الله (ص).
أمّا في عهد الخلفاء الثلاثة الّذين سبقوه تاريخياً في إدارة دفّة الحياة الاسلامية،فقد اختطَّ(ع) طريقَ الحفاظ على أصالة الشرع الاسلامي،وبذلَ وُسعَهُ لتحـقيقِ أكبر قدر مِنَ الممارسات في السياسة العامّة والمجرى العام لمسار الحياة الاجتماعية،فهو يجمعُ القرآنَ الكريم،ويُرشِدُ الحُـكّامَ،ويَعِظُ المتجاوِزَ ويُحذِّرُ مِنَ الانحرافِ،ويَهدي إلى حيث الرّشاد والحق.
وحين ألقت الاُمّة المسلمة زمام أمرها بين يديه،نهض بالآمر بشكل جديد،وقادَ المسيرةَ وفقاً لمنحنى جديد،فألغى ما وقعَ مِن الانحرافات عن الرِّسالة،وغيّر الولاةَ،ووضعَ برامجَهُ الاصلاحيّة في الحكم والادارة والاقتصاد،وفقاً لما تقتضيه الاصالة الاسلاميّة،وما تتطلّبه طبيعة المسيرة الاصلاحية الحقيقية،ثمّ مارسَ سياسةَ العنفِ معَ المنفلتين عن طاعته كإمام للمسلمين .
وكما كان عليٌّ (ع) كان الحسنُ السِّبطُ (ع) ، فالسِّبطُ في عهدِ أبيهِ غَيرُهُ أيّامَ حُكمه وهو حينَ انقلبت موازين القوى لصالح الحزب الاموي غَيرُهُ ـ في أساليبة التغييريّة ـ في بداية حكمه وكذا الحال في مرحلةِ ما بعد (وثيقة الصّلح ) .
وإذن فإنّ دور أي إمام ، إنّما تُساهِمُ الظّروفُ والاحوالُ العامّةُ في صُنعِهِ ، إن لم نَقُلْ تُحتِّمُهُ . ومِن هُنا فإنّ الامام (ع) لا يختار مسار الحركة التغييريّة الّتي يضطلعُ بأعباءِ قيادَتِها كيفما اتّفق ، وإنّما يُحدِّدُ المسارَ والوجهةَ وفقاً للظّروف الموضوعيّة الّتي تحيط بالحياة العامّة للاُمّة المسلمة ، ولكن على اُسس الاحكام الاسلامية .
ومن نافلةِ القول ، أنْ نشير إلى أنّه بدون هذا الوعي المحدِّدِ لطبيعة الخطط ، الّتي يضعها الائمّة (ع) لتوجيه العملية الاصلاحية وفقاً للظروف والملابسات ، يقع الكثير من الناس في خطأ جسيم ، فهم يطلبون من الامام الحسن (ع) أن يزاول العمل المسلّح اُسوةً بالحسين (ع) مثلاً ، أو يطلبون من الحسين (ع) العكس .
وفي سيرة الائمّة (ع) ، العديدُ مِنَ الادلّة الّتي وضّحوا من خلالها للناس سببَ الاختلاف في أساليبهم في قيادة حركة الاسلام الاصلاحية من إمام لآخر ، فالامام الحسن (ع) قد بيّن مراراً أنّ صلحَهُ مع معاوية كانَ الخطَّ الطبيعيَّ للمسار الاسلامي الصّائب ، وأنّ أي أسلوب سواه إنّما هو تجاوز للمعقول ، كقوله (ع) :
« يا أبا سعيد علّةُ مصالحتي لمعاوية ، علّةُ مصالحةِ رسول الله لبني ضَمْرة وبني أشجعَ ولاهلِ مكّة حين انصرف من الحديبيّة » .
وقوله لبشير الهمداني :
« ما أردتُ بِمُصالحتي إلاّ أنْ أدفعَ عنكُمُ القتلَ » .
والامام الحسين (ع) ، قد أجلى الغموض المحيط بأسباب ثورته المظفّرة ، بقوله : « شاء الله أنْ يراني قتيلاً »، حيث أوضح أنّ الخط السليم لمواجهة الانحراف إنّما هو بالعمل المسلّح الّذي يُفضي إلى استشهادِهِ واستشهادِ أتباعِهِ ، الآمر الّذي يريده الله سبحانه .
والامام السجّاد عليّ بن الحسين (ع) قال له عبّاد البصري ، وهو في طريق مكّة :
«تركتَ الجهادَ وصعوبَتَهُ، وأقبلتَ على الحجّ ولينِهِ و (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم ) فأجابه الامام (ع): (إقرأ ما بعدَها: (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمرونَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ) (49).
ثمّ قال (ع) :
(إذا ظهر هؤلاءِـ يعني المؤمنين حسب مواصفاتهم في الآية ـ لم نُؤْثرْ على الجهاد شيئاً)»(50).
وبهذه الاجابة المركزية يحدِّد الامام السجّاد (ع) بشكل صارم سياسته ولون كفاحه ، ووجهة الحركة الاصلاحية بالذات في عصره ، ومن ثمّ الاسباب الموجبة لذلك المَسار ، فإنّ عدولَهُ عن الكفاح المسلّح والمواجهة الثورية للحكم الاموي ، لم يأت حُبّاً في الحياة ونعيمها كما تَصَوَّرَ عبّادُ البصري ، وإنّما جاء ذلك لانّ مستلزمات العمل العسكري الناجح غير متوفِّرة ، ولانّ النتائج من أي تحدّ للسلطان في تلك الظروف تكون عكسـيّة تماماً ، وهكذا اختطّ الامـام (ع) طريقاً جديداً في العمل الاصلاحي ، وسنطّلع على بعض معالمه فيما يلي من صفحات إنْ شاء الله تعالى .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com