قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
الاُولى ـ استكمال الشوط الرسالي الّذي بدأه الحسين (ع) :
فالحسين (ع) والصفوة الطاهرة من أتباعه قد حقّقوا ما عليهم وأدّوا مسؤولياتهم الرسالية على أتم وجه، بيد أنّ بني اُميّة والضالعين في ركابهم كانوا يدكون تماماً ما للحسين وآل البيت (ع) من مكانة لا تضاهيها مكانة في نفوس المسلمين ، ومن أجل ذلك خطّطوا للتعمية ، وبذلوا كل وسعهم لاثارة الضباب حول القضيّة ، لكي يمتصّوا أيّ ردّ فعل متوقّع ، لا سيما في بلاد الشـام ، حصنهم القوي ، وهكذا سخّروا أجهـزة إعلامهم المُتاحة يومذاك، حتّى أوصلوا الناس إلى حدّ القناعة أنّ الحسين (ع) وصحبه إنّما هم من الخوارج !!، فظفر بهم السلطان ! وقد كان مقدّراً لتلك الدعاية أنْ تنجحَ في الشّام إلى أقصى حدٍّ ممكن ، ممّا كان يفرض القيام بما من شأنه أن يفشل الدعاية الامويّة وأهدافها المسعورة ، ويكشف بحزم عن أهداف ثورة الحسين (ع) ، وعن مكانته بالذات في دنيا المسلمين ، وهكذا كان . فقد تبنّى الامام السجّاد (ع) وكرائم أهل البيت (ع) ، كزينب واُم كلثوم وغيرهما ، سياسة إسقاط الاقنعة الّتي يُغطِّي الامويون وجوهَ سياستهم الكالحةِ الخطـيرة بها وتحميل الاُمّة كذلك مسؤوليتها التاريخية أمام الله والرِّسالة ، ومن هنا فانّ المتتـبِّع يلحظ بشكل لا غبار عليه أنّ الخُطب والتصريحات الّتي أولى بها الامام وعقائل أهل البيت (ع) ، قد انصبّت في العراق على مخاطبة ضمائر الناس كمجموع ، وذلك بسبب أنّ العراقيين يعرفون مَن هو الحسين (ع) ، ولكنّهم لِوَهَن في نفوسِهِم ، وخضوعاً لِعُنصرَيِ الخوف والطّمع، نَكَصوا عن نُصرتِهِ، حتّى أنّ بني اُميّة لم يقولوا بـ «خارجية» الحسين وأصحابه في العراق لعلمهم أنّ هذا اللّون من الدعاية لا يأخذ نصيباً من النجاح في بلد يَعرِفُ الحسين (ع) . ومن هنا كان دور أسارى آل محمّد (ص) !! مُنصَبّاً على إلفات الناس إلى جسامة الخطر الّذي أحاقَ بهم، بعد شهادةِ الامام الحسين (ع)، وإلى حجم الجرم الّذي ارتكبه بنو اُميّة بحقِّ رسالة الله تعالى ، وهذا ما نلمسه في الخُطب كافّة الّتي اُلقيت في الكتل البشرية الهائلة ، الّتي استقبلت أسارى آل محمّد (ص) !! ـ حبّاً أو استطلاعاً أو شماتة ـ . وها نحن نصغي إلى الامام السجّاد(ع)يخطب في جموع أهل الكوفة،في العراق عندما وقفوا ينظرون إلىآل محمّد(ص)مقيّدين في الاغلال،يُساقون إلى بلاد الشّام،مقرّ الخليفة الاموي يزيد: «أيُّها الناس!مَنْ عَرَفني فقد عَرَفني،ومَنْ لم يَعرِفْني فأنا عليُّ بنُ الحسين بن عليّ ابن أبي طالب،أنا ابن مَنِ انتُهِكَتْ حُرمتُهُ،وسُلِبَت نعمتُهُ،وانتُهِبَ مالُهُ،وسُبِيَ عيالُهُ،أنا ابنُ المذبوحِ بشطِّ الفراتِ،مِنْ غيرِ ذَحل ولا تَرات،أنا ابنُ مَنْ قُتِلَ صَبْراً،وكفى بذلك فَخْراً.أيُّها الناسُ! ناشدتُكُمُ اللهَ، هَلْ تعلمونَ أنّكُم كتبتُم إلى أبي وخَدَعْتُموهُ، وأعطيتُموهُ مِن أنفسِكُم العهودَ والميثاقَ والبيعةَ وقاتَلتُموهُ !! فتبّاً لكم لِما قَدّمْتُم لانفُسِكُم، وسَوْأةً لرأيكم ، بأيّةِ عَين تنظرونَ إلى رسول الله ، إذ يقولُ لكُم قَتلْتُمْ عِتْرَتي ، وانْتَهَكْتُم حُرمَتي ، فَلَسْتُم مِن اُمّتي ؟ » (52) . والمضامين ذاتها الّتي اتسمت بها خطبة الامام (ع) وأحاديثه في الكوفة ، كانت جوهر الخطب والاحاديث الّتي أدلّت بها زينب ـ شقيقة الحسين ـ واُمّ كلثوم ـ شقيقته الاُخرى ـ وفاطمة بنت الحسين ، لانبثاقها مِن مِشكاة واحدة ، وفيض واحد . بيد أنّ مضامين الخطب وطبيعة الاحاديث قد تغيّرت في الشام ، فهي وإنْ كانت تهدف إلى التوعية العامّة على أهداف الحسين (ع) ـ كسابقتها ـ وإظهار مظلومية آل الرسول (ص) ، وتكثيف الولاء لهم ، إلاّ أنّ الافكار الّتي اُذيعَت في الكوفة كانت منصبّة على مخاطبة وجدان الناس وضمائرهم ، وتحميلهم المسؤولية كاملة ـ كما ألمحنا ـ الآمر الّذي يختلف في مساره وطبيعته عمّا طُرِحَ من خطب ومناقشات في دمشق ، فإنّ الّذي طُرِحَ منها هناك ، كان منصبّاً على التعريف بالسبايا ذاتهم ، وأنّهم آل الرسول (ص) ، ثمّ فضحَ الحُكمِ الاموي ، وتعريته أمام أهل الشام الّذين أضلّهم عن رؤية الواقع ، فأنت ترى عدّة حوادث ومناقشات جرت بين أهل البيت (ع) وأهل الشام تؤكّد مدى تأثير الدعاية الامويّة في التعمية وإسدال ستار كثيف على ما يجري في الساحة الاسلامية ، وخصوصاً ما يتعلّق بموقف أهل البيت (ع) ـ الممثِّلين الحقيقيين للرِّسالة ـ من الحكم الاموي : دنا شيخ من عليّ السجّاد (ع) عند دخول سبايا آل محمّد (ص) إلى الشام وقال له : « الحمدُ للهِِ الّذي أهلَكَكُم وأمكَنَ الاميرَ منكم ، فأجابه الامام (ع) : (يا شيخ ! أقرأتَ القرآنَ ؟ ) قال الرّجل : بلى ، قال الامام (ع) : ( أقرأتَ : (قُلْ لاَ أَسْأَلَكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي ا لْقُرْبَى ) ؟ وقرأتَ قولَهُ تعالى : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) وقوله : (وَاعْلَمُوا أنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَن للهِِ خُمُسَهُ وَلِلْرَّسُولِ وَلِذِي ا لْقُرْبَى ) ) ؟ قال الشيخ : نعم ، قرأتُ ذلك . قال (ع) : (نحنُ والله القربى في هذه الآيات) . ثمّ قال الامام (ع) : ( أقرأتَ قوله تعالى : (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ) ؟ قال : بلى . فقال الامام : ( نحنُ أهلَ البيتِ الّذين خصّهم الله بالتطهير ) . قال الشيخ : بالله عليكَ أنتُم هم !! ؟ فقال (ع) : ( وحقّ جدّنا إنّا لنحن هم من غير شك ) . فأسف الشيخ على ما مضى من قوله ، وتبرّأ إلى الله من آل اُميّة وحزبهم » (53) . وقد جرت محاورة مشابهة بين رجل آخر وسكينة بنت الحسين . إنّ هذا اللّون من الحوار ، إنّما يشير بجلاء إلى أيّ مَدىً نجح الامويون في تضليل أهل الشّام ، فيما يتعلّق بمأساة الطف وسواها من قضايا الاُمّة المصيرية ، وكيف كانوا يقيمون ستاراً حديدياً للفصل بين الشّام والعالم الاسلامي ، لكي يبقى طوع إرادتهم ورهن إشارتهم . غير أنّ الامام السجّاد(ع)وعقائل أهل البيت(ع)كانوا مدركين لمسؤولياتهم الرسالية والدور الّذي اُنيط بهم خلال وجودهم سبايا في بلاد الشام،فقد كانت كلُّ خطبهم ومحاوراتهم ولقاءاتهم متّسمة بالعمل على كسر طوق الغموض المفروض على حدث السّاعة ، وهو أنّ الاسلام الصحيح الّذي يمثِّله الحسين وآل البيت (ع) يرفضُ الحكمَ الامويَّ الّذي يَنأى في خططه ومهمّاته عن الخط الاسلامي الّذي أراده الله لعباده ، وما أدّى إلى انحراف الامويين من اعتداء صارخ على الاسلام الحنيف ، وممثِّليه الحقيقيين : الحسين (ع) وأهل بيته الابرار (ع) . ومن أجل ذلك وقف الامام السجّاد(ع)في دار الحكم الاموي،وبحضور يزيد بن معاوية وكلّ معاونيه من رؤوس التحريف والضّلال،وألقى بيانَهُ الخالد معرِّياً سياسة الامويين الضّالّة الدمويّة،ومبيِّناً مَنْ هُم السّبايا،وأيَّ مقام رفيع يُمثِّلون في دنيا الاسلام،وقد جاء في بيانه : «أيُّها الناس!اُعطينا ستّاً وفُضِّلنا بِسَبْع،اُعطينا:العلمَ،والحِلمَ،والسّماحةَ،والفصاحةَ،والشّجاعةَ، والمحبّةَ في قلوبِ المؤمنين،وفُضِّلنا:بأنّ مِنّا النّبيَّ المختارَ،والصِّدِّيقَ،والطّيّارَ،وأسدَ الله،وأسدَ رسوله ، ومِنّا سيِّدةَ نساءِ العالمين فاطمةَ البتول، وسِبْطَيْ هذهِ الاُمّة . أيُّها الناسُ ! مَنْ عَرَفني فقد عَرَفني ، ومَنْ لم يَعْرِفني أنبأتُهُ بِحَسَبي ونَسَبي . أيُّها الناسُ ! أنا ابنُ مكّةَ ومِنى ، أنا ابنُ زَمْزَمَ والصَّفا ، أنا ابنُ مَنْ حَمَلَ الرُّكْنَ بأطرافِ الرِّداء ، أنا ابنُ خيرِ مَنِ ائتَزَرَ وارتدى ، وخيرِ مَن طافَ وسَعى وحَجَّ ولبّى ، أنا ابنُ مَن حُمِلَ على البراقِ وبلغَ بهِ جبريلُ سِدرةَ المُنتَهى ، فكانَ قابَ قوسينِ أو أدنى ، أنا ابنُ مَن صلّى بملائكةِ السّماء ، أنا ابنُ مَن أوحى إليه الجليلُ ما أوحى . أنا ابنُ فاطمةَ الزّهراء سيِّدةِ النِّساء ، وابنُ خديجةَ الكُبرى ، أنا ابنُ المُرَمَّلِ بالدماءِ ، أنا ابنُ ذبيحِ كربلاء » (54) . وحينَ بلغَ هذا الموضعَ مِن خطابه استولى الذّعرُ على الحاضرين ، وضجَّ أغلبُهُم بالبكاءِ حين فوجئوا بالحقـيقة ، ممّا اضطرّ يزيدُ أنْ يأمرَ المؤذِّنَ أن يؤذِّن للصّلاة ، ليقطع على الامام (ع) خطبته ، غير أنّ الامام (ع) سكت حتّى قال المؤذِّن : «أشهدُ أنّ محمّداً رسول الله» إلتفت الامام إلى يزيد قائلاً : « هذا الرّسول العزيز الكريم جدُّك أم جدِّي ؟ فان قُلتَ جدّك ، علمَ الحاضرون والناس كلّهم أنّك كاذب ، وإن قلتَ جدِّي ، فَلِمَ قتلتَ أبي ظُلماً وعدواناً ، وانتهبتَ مالَهُ ، وسَبيتَ نساءَه ؟ فويلٌ لكَ يومَ القيامةِ إذا كانَ جدِّي خَصْمَك » (55) . أمّا عقائلُ آل الرسول (ص) فقد مرّغنَ اُنوف بني اُميّة في الوَحْلِ ، وأسقَطْنَ كبرياءهُم عمليّاً أمامَ الاُمّة الّتي يحكمونها ، تجد ذلك في خطبة زينب الكُبرى الّتي ألقتها في مجلس يزيد في دمشق ، وفي بعض المناقشات الحادّة الّتي دارت هناك (56) . وبعد مغادرة الامام السجّاد وأهل البيت (ع) الشّام إلى العراق ، ومن ثمّ إلى المدينة المنوّرة اختطّ الامام (ع) منهجاً جديداً لحركة الاسلام الاصلاحية .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|