اسم الكتاب: الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
الثانية ـ تبنِّي منعطف جديد للحركة الاصلاحيّة :
كانت آخر عملية مارسها الامام السجّاد (ع) لاثارة الرأي والوعي العام الاسلامي، وإطلاعه على محنة الرسالة الّتي تمثّلت في «فاجعة الطف» حين وصوله بعقائل أهل البيت (ع) إلى المدينة المنوّرة، حيث أقام خارجها، ودعا أحد الشعراء أن ينعى الحسين (ع) وصحبه إلى أهل المدينة ، ففعل الرجل ، وهبّ الناس مذعورين والاسى يستولي عليهم، وحين تجمهروا عند الامام (ع) خطبهم موضِّحاً طبيعةَ المأساةِ الّتي ألمّت بأهل بيت الرِّسـالة (ع) ، الممثِّلين الحقيقيين للمنهج الالهي ، ومبيِّناً مظلوميّةَ ذلك البيت الجليل ، وما لاقوهُ مِن وطأةِ الظّلم الاموي وفظاظته (57) . ثمّ أنّه (ع) سار بأهله ، ودخل المدينة وأقام في مسكنه . ومن هنا بدأ يمارس دوراً جديداً وفقاً للظروف المستجدّة في حياة الاُمّة الاسلامية . على أنّ المتتبِّع لطبيعة دور الامام السجّاد (ع) في الحياة الاسلامية بعد عودته إلى المدينة ، يلمح أنّه (ع) قد أفاد من تجربة الامام الحسين (ع) في تقويم الاوضاع العامّة للاُمّة . فانّ تجربة شهيد الاسلام المخلّد وإن كان مخطّطاً لها سابقاً أن تكون هكذا ، بناءً على مقتضيات الرسالة والدعوة ، إلاّ أنّها من جهة اُخرى قد أعطت مؤشِّراً عمليّاً عن أنّ الاُمّة المسلمة في حالة من الركود والتبلّد ، ما جعل الروح الجهادية لديها في حالة غياب إنْ لم نقل معدومة نهائياً ، ومن أجل ذلك فانّ السجّاد (ع) باعتباره إمام الاُمّة بعد أبيه ، والّذي انتهت إليه مرجعيّة الاُمّة الفكرية والاجتماعية المشروعة ، وقـيادة الحركة الاصلاحية في الاُمّة عمليّاً ، لا بدّ أنْ يأخذ تلك الظاهرة بعـين الاعتبار ، ويبني خططه لتسيير حركة الاسلام التاريخية في ضـوئها ، وكان كذلك ، حيث مارس (ع) دوره من خلال العمل على إنماء التيّار الرسالي في الاُمّة ، وتوسيع دائرته في الساحة الاسلامية . وحين شمّرَ الامامُ عَن ساعِدَيِ الجدِّ لبدء ثورة روحية وثقافية في دنيا المسلمين ، فإن ظروفاً موضوعية قد ساهمت على الاقل ـ حتّى حين ـ في إنجاح خططه مبكِّراً ، ويمكن إدراج تلك الظّروف تحت عاملين اثنين ، توافّرا معاً في المجتمع المسلم في عهده (ع) :
|
|