قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|
اسم الكتاب: الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
ثورة أهل المدينة
وتسمّى في كتب التواريخ بوقعة «الحَرَّة» ، وكان وفد من أهل المدينة برئاسـة عبد الله ابن الصـحابي الجليل حنظلة غسيل الملائكة « وكان شريفاً فاضلاً عابداً سـيِّداً » (58) قد ذهبوا إلى مقرّ الخـلافة في الشام ، وقابلوا يزيد بن معـاوية وأقاموا عنده أيّاماً ، فتأثّروا كثيراً لِما رأوا من أعمال الخليفة يزيد ، واستهانتِهِ بالاسلام ، فلمّا عادوا أخبروا أهلَ المدينة بما رأوْهُ من يزيد بأعينهم ، فرأى ( عبد الله بن حنظلة ) أنّ مسؤوليتَهُ الشرعيّة تفرضُ عليه أنْ يثورَ على تلك السّلطة ، فوقف أمام أهل المدينة وقال : « واللهِ ما خرجنا على يزيدَ حتّى خِفنا أنْ نُرمى بالحجارة من السّماء ، إنّه رجل يَنكحُ اُمّهاتِ الاولادِ والبناتِ والاخواتِ ويشربُ الخمرَ ويَدَعُ الصّلاة » (59) . وقال رجل آخر كان في الوفد : « قَدِمنا مِن عند رجل ليسَ له دينٌ ، يشربُ الخمرَ ، ويَضرِبُ بالطّنابيرِ(60)، ويَعزِفُ عندهُ القِيانُ(61)، ويلعبُ بالكلابِ ويسمُرُ عندهُ الحُرّابُ ، وهُمُ اللّصوصُ ، وإنّا نُشْهِدُكُم أنّا قد خَلَعْناه » (62) . اجتمع الثوّار من أهل المدينة وحاصروا الوالي الاموي ودور آل اُميّة في المدينة ، الّذين استنجدوا بالامام عليّ بن الحسين (ع) لكي يَضعوا نساءهُم في بيت الامام حماية لهم مِن الاذى ، ففتح الامام بيته لنساء آل اُميّة وأطفالهم (63) . ولمّا بلغ أمرُ الثورة إلى مسامع يزيد أرسل قائداً من قوّاده الّذين لا يعرفون إلاّ تنفيذ ما يقوله يزيد ، وهو مسلم بن عقبة وزوّده بتعليمات لكيفية التعامل مع أهل مدينة رسول الله (ص) بعد أنْ يقضي على الثورة ، قال له : « اُدعُ القومَ ثلاثاً فإنْ أجابوكَ وإلاّ فقاتِلْهُم ، فإذا اُظهرتَ عليهم ، فأبِحْها ـ أي مدينة رسول الله ـ ثلاثاً ، فما فيها مِن مال أو دابّة أو سلاح أو طعام فهو للجند» (64) ، كما أمره أنْ يُجهزَ على جريحهم ويقتُلَ مُدبِرَهم (65) . وصل جيش يزيد إلى مدينة رسول الله (ص)، وبعد قتال عنيف مع أهلها، استبسل فيه الثائرون دفاعاً عن دينهم ، واستُشْهِدَ أغلبُ المدافعين بمن فيهم عبد الله بن حنظلة ومجموعة من صحابة رسول الله (ص) ، ونفّذ قائد الجيش وهو مسلم بن عقبة أوامرَ سيِّده يزيد بن معاوية وأوعز إلى جنوده باستباحة المدينة ، فهجمَ الجندُ على البيوت وقتلوا الاطفال والنِّساء والشيوخ كما أسروا آخرين ، قال المؤرخ ابن كثير : « أباحَ مسلمُ بن عقبة ـ الّذي يقول فيه السّلف مُسرِفُ بن عقبة ، قبّحه الله من شيخ سوء ما أجهله ـ المدينةَ ثلاثة أيّام كما أمره يزيد ـ لا جزاه الله خيراً ـ وقتل خلقاً من أشرافها وقُرّائها وانتهب أموالاً كثيرة منها ... وجاءته امرأة فقالت : ( أنا مولاتُكَ وابني في الاُسارى ) ، فقال : (عجِّلوه لها ) ، فضُرِبَت عنقه ، وقال : أعطوها رأسَهُ ، ووقعوا على النِّساء حتّى قيل إنّه حَبلتْ ألف امرأة في تلك الايّام من غير زوج ، قال المدائني ، عن هشام بن حسان : وَلدتْ ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحَرَّة من غير زوج ، ورُوي عن الزهري انّه قال : كان القتلى يوم الحَرَّة ، سبعمائة من وجوه الناس من المهاجرين والانصار ، ووجوه الموالي ومِمّن لا أعرفُ مِن حُرٍّ وعَبْد وغيرهم ، عشرة آلاف » (66) . وحدث مرّة أنْ دخلت الجيوش الشامية أحد البيوت ، فلمّا لم يجدوا فيه إلاّ امرأة وطفلاً ، سألوها إنْ كان في البيت شيء ينهبونه ، فقالت انّه ليس لديها مال ، فأخذوا طفلها وضربوا رأسه بالحائط فقتلوه بعد أنْ انتثر دماغه من أثر الضرب بالحائط(67). ثمّ نُصِبَ كرسي لمسلم بن عقبة ، وجيء بالاُسارى من أهل مدينة رسول الله (ص) ، فكان يطلب إلى كل واحد منهم أنْ يبايع ويقول : إنِّني عبدٌ مملوكٌ ليزيد بن معاوية يتحكّم فيَّ وفي دمي وفي مالي وفي أهلي ما يشاء (68) ، وكلُّ مَنِ امتنعَ ولم يُبايعْ بالعبودية ليزيد ، وأصرّ على القول إنّهُ عبدٌ لله سبحانه وتعالى ، قتله (69) . جيء له بزيد بن عبد الله ـ وجدّته اُمّ سلمة زوج رسول الله (ص) ـ مع محمّد بن حذيفة العدوي فطلب إليهما أنْ يبايعا، فقالا: «نحن نبايِعُكَ على كتاب الله وسنّة نبيِّه»، فقال مسلم : «لا والله لا اُقيلُكُم هذا أبداً» ، فقدّمهما فضربَ أعناقَهما . فقال مروان بن الحكم ـ وكان حاضراً ـ : «سُبحانَ الله ، أتقتلُ رجلينِ مِن قريش أتيا لِيُؤمِنا فضربتَ أعناقهما ؟ » فنخَسَ مسلمُ مروانَ بالقضيب في خاصرته ، ثمّ قال له : «وأنتَ والله ، لو قلتَ بمقالتهما ، ما رأيتَ السّماءَ إلاّ بَرْقة(70)» (71) . ثمّ جيء بآخر ، فقال انّه يبايعه على سنّة عمر ، فقال : (اقتلوه) ، فقُتِل (72) . إلاّ انّ ذلك السفّاك احترم الامام عليّ بن الحسين عندما جيء به إليه بِناءً على وصيّة كان قد أوصاهُ بها يزيدُ بن معاوية ، الّذي يبدو أنّه لم يرد أن يجدِّد الوقائع الاليمة الّتي ظلّت في أذهان المسلمين عمّا أوقعه بآل بيت رسول الله (ص) في كربلاء من القتل والاسر . انتهت الايّام الدامية على مدينة رسول الله (ص) ، وخرج جنود الخليفة منها محمّلين بالغنائم ، بعد أنْ قتلوا الآلاف من أهلها ، وروّعوا من بقي منهم ، واعتدوا على أعراض النِّساء والفتيات ، واتّجهوا إلى مكّة ، ولكي يشجِّع قائد الجيش جنوده للتوجّه إلى مكّة ليغنموا الغنائم أيضاً ، قال أمامهم : «اللّهمّ! إنِّي لم أعملْ عملاً قطُّ بعد شهادة لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّداً عبدُهُ ورسولُهُ ، أحبّ إليَّ مِن قتلي أهل المدينة ، ولا أرجى عندي في الآخرة » (73) . ترى ، هل يرجو الّذي قام بكلّ تلك الجرائم شيئاً من رحمة الله ؟ إنّ رسول الله (ص) قال عن مدينته الحبيبة : «مَنْ أخافَ أهلَ المدينةِ أخافَهُ اللهُ ، وعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين»(74). ب ـ ثورة «مكّة» بقيادة عبد الله بن الزُّبير ، الّذي كان ينتظر ما يتمخّض عنه موقف الحسين (ع) ، وقد أفاد كثيراً من النقمة الّتي نجمت عن قتل الحسين (ع) ، فأعلن ثورتَهُ ، وانضمَّ إليه بعضُ الخوارج والفارّون من المدينـة وسـواهم ، بيد أنّ الامويين بادروا إلى محاصرة مكّة المكرّمة بقيادة «الحصين بن نمير السكوني» وضربوا الكعبةَ بالمنجنيق وأحرقوها !! (75) ، ممّا أثار حفيظة المسلمين ، فحظي ابن الزُّبير منهم بمزيد من الالتفاف والتأييد . وفي الوقت الّذي كان فيه الموقف يبلغ ذروة التأزّم ، أعلنَ البيتُ الاموي هلاكَ يزيد ابن معاوية ، فخفَّ الضغط عن ابن الزُّبير ، فبادر إلى استقطاب البصرة ومصر والكوفة، حيث خضعت جميعاً لزعامته، وبشكل طوعي، تعبيراً عن رفضهم للوجود الاموي . ج ـ نشوب أزمة سياسية حادّة حول القيادة بعد يزيد ، إذ أنّ ابنه معاوية لم يمكث خليفة لابيه غير أربعين يوماً ، ثمّ أعلن تنازله عن العرش ، ومات بعدها في ظروف غامضة . فانشقّت القيادات المؤيّدة لبني اُميّة على نفسها إلى كتلتين : كتلة أيّدت زعامة مروان بن الحكم ، وقد مثّل هذا الاتّجاه القبائل اليمانية ، بقيادة حسّان الكلبي، بينما أيّدت قوى القيسيين بقيادة الضحّاك بن قيس الفهري ، عبد الله بن الزُّبير . وقد بادرت القوى اليمانية إلى مبايعة مروان سلطاناً على الاُمّة عام64هـ ،وبذا وقعت معركة «مرج راهط»في دمشق ، كرد فعل لذلك بين القوّتين المتنازعتين،وانتهت بفوز مروان وأتباعه على خصومهم،وهكذا انتصر الفرع المرواني من البيت الاموي واستحوذ على السلطة. د ـ قيام ثورة التوّابين عام (65 هـ ) بقيادة سليمان بن صُرَد الخزاعي ، والتوّابون : جماعة من أهل الكوفة ، بلغ بهم التذمّرُ والاسى لقتل الحسين (ع) حدّاً حملهم على حمل شعار «وجوب التكفير عن ذنبهم ، لعدم نصرتهم الحسين (ع) » ، إمّا بقتل القتلة المجرمين ، أو الموت تحت ذلك الشعار ، وبالفعل غزا اُولئك بلاد الشام ، وتصدّى لهم الامويون بقوّات تفوقهم عدداً خمس مرّات ، فكانت معركة «عين الوردة» (76) الّتي كلّفت الجيش الاموي خسائر ضخمة ، وتمخّضت عن قتل أغلب التوّابين . هـ ـ ثورة المختار الثقفي عام (66 هـ ) وهو زعيم مؤمن طموح ، قاد انتفاضةَ الكوفة فاستولى على الحكم وطرد والي عبد الله بن الزُّبير ، وأبادَ جميعَ قتلة الحسين (ع) الّذين حظوا بحماية سلطة ابن الزُّبير في الكوفة ، وقد تصدّى المختارُ لِغَزو أمويٍّ عات ، فدرأ خطرَهُ وقتلَ قائده عبيدَالله بن زياد وهو الوالي الاموي الّذي كان الاداة الّتي نفّذ بها الامويون جرائمهم في العراق ، كما كان القائد الّذي تولّى إدارة مجزرة كربلاء بحقِّ آل رسول الله (ص) . بيدَ أنّ حُكمَ الثقفي لم يدم طويلاً ، حيث تفـاقم الموقف وازداد سوءاً بينه وبين القوى الزبيريّة الّتي زحفت على الكوفة ، وأسقطتْ حكومةَ المختار ، وقتلَتْه . هذه أهمّ الحوادث الدموية المفجـعة ، والهزّات الاجتماعية العـنيفة الّتي عصفت بالمجتمع المسلم بعد مأساة كربلاء . وازاء تلك الاحداث المريرة كلّها ، التزم الامام السجّاد (ع) استراتيجيّة الابتعاد عن أي موقف يُلفت السلطات أو يثيرها ، ولم ينضو تحت أي لـواء قط ، مهما كان لونه وأهدافه ، لعلمه ابتداء أنّ تلك الاحداث لا تنتهي إلاّ بالشكل الّذي انتهت إليه فيما بعد ، كنتيجة طبيعية لضـخامة القوى الدموية وشراستها والّتي يقـودها البيت الاموي أوّلاً ، ولانفراط عقد اجتماع الاُمّة ، وغياب الرّوح التنظيمية بشكل كلّي بين صفوفها، فلم يقوَ هو ذاته أن يوحِّد صفوفها، كما هو الحال بالنسبة للخلاف المكشوف بين زعامة سليمان الخزاعي ، والمختار الثقفي ، حول تحديد المواقف والاستراتيجية في عملهما لمواجهة الوجود الاموي ، هذا إلى جانب تصاعد التيّار الزُّبيري المضاد لاهل البيت (ع) والامويين معاً ، مضافاً إلى ذلك ، فإن إدراك الامام (ع) لواقع الحال وما ستتمخّض عنه الاحداث ، جعله يقطع بأن أي اشتراك عملي من جانبه مع أيّة جهة رافضة للوجود الاموي، يعني تصفية الممثليّة الحقيقيّة لرسالة الله في الارض، المتمثِّلة فيه وأهل البيت (ع) ، ومن أجل ذلك فقد تصرّف بما من شأنه أنْ ينأى ـ بحسب الظاهر ـ عن الفتن طوال تلك الفترة ، فقد غادر المدينة المنوّرة ، أبان نشوب الصّراع بين الثوّار والوجود الاموي ، حتّى أنّ القائد الاموي تظاهرَ بإجلاله والاحتفاءِ به حين اقتنع بعدم اشتراكه في الثورة (77) . للسبب ذاته لم يُجبِ المختار الثقفي عندما فاتحه بشأن الثورة ـ كما يقول المؤرِّخون(78) ـ وبشكل مكشوف على الاقل . وهكذا ظلّ الامام (ع) مستمسِّكاً بالنهج الاصلاحي والتوعية العامّة الفكريّة ، والتوجيه الروحي والخلقي ، ليس غير ، لعلمه أنّه الطريق الطبيعي والشرعي لحماية رسالة الله تعالى ، وحفظ البقيّة الباقية من أهل البيت (ع) ، مستفيداً في إنجاح خططه الاصلاحية تلك، من انشغال الحكم الاموي وعملائه بالوضع المتدهور والانتفاضات الاسلامية الرّافضة . على أنّ تدهور الاوضاع لم يستمر هكذا على وتيرة واحدة في عصر الامام (ع) ، وانّما توفّر للحكم الاموي أن يستعيدَ هيبَتَهُ ، ويصفِّي كلّ خصومه بشكل تام أيّام عبد الملك ابن مروان ، الّذي أنهى الوجود الزُّبيري عمليّاً ، بعد أن استتبّ في الجزيرة تسع سنوات (79) . على أنّه من نافلة القول أنْ نعيد إلى الاذهان هنا أنّ مواقف السجّاد (ع) تلك لا تعني أنّها أدّت إلى نوع من الوفاق بينه وبين الامويين ، وإنّما ظلّ الخصام بينهما قائماً ، بحجم الخصومة بين الحق والباطل ، وقد ظلّ موقفهم منه متحفِّظاً حذراً طوال حياته (ع) ، كما سنرى في فصل قادم إن شاء الله تعالى .
|
|
|
قسم:
الاول |
قبل |
بعد
| الاخير
| الفهرس
| فهرس عناوين الكتب
|