اسم الكتاب: الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
الامام (عليه السلام) والقواعد الشعبيّة
ففي المجال الاجتماعي أثمرت خطّةُ الامام السجّاد (ع) وآتت اُكُلَها ضعفين ، حيث حَظِيَ بإجلال القطاعات الواسعة من الاُمّة وولائها المعمّق ، والوقائع التاريخية مجمعةٌ على ذلك . قال ابن خلّكان في ترجمته للشاعر الشهير الفرزدق : « وتُنسب إليه ـ أي للفرزدق ـ مَكْرُمة يُرجى له بها الجنّة ، وهي أنّه لمّا حجّ هشام بن عبد الملك في أيّام أبيه ، فطافَ وجَهدَ أنْ يصلَ الحَجَرَ ليستلمه ، فلم يقدر عليه لكثرة الزحام ، فنُصب له منبرٌ وجلس عليه ينظر إلى الناس ، ومعه جماعة من أعيان أهل الشام ، فبينما هو كذلك ، إذ أقبل زين العابدين عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب (رضي الله عنهم) ، وكان مِن أحسنِ الناس وجهاً وأطيَبِهِم أرجاً ، فطاف بالبيت ، فلمّا انتهى إلى الحجر ، تنحّى له الناسُ حتّى استلمَ ، فقال رجل من أهل الشام : (مَن هذا الّذي قد هابَهُ الناس هذه الهيبة ؟ ) فقال هشام : ( لا أعرفه) ، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام . وكان الفرزدق حاضراً فقال : ( أنا أعرفه) . فقال الشامي : (مَن هذا يا أبا فراس ؟ ) فقال : يا سائِلي أينَ حَلَّ الجودُ والكَرَمُ *** عندي جوابٌ إذا طُلاّبُهُ قَدِموا هذا الّذي تعرفُ البطحاءُ وطأتَهُ *** والبيتُ يَعرِفُهُ والحِلُّ والحَرَمُ هذا ابنُ خيرِ عِبادِ اللهِ كُلِّهُمُ *** هذا التّقيُّ النّقيُّ الطّاهِرُ العَلَمُ إذا رأتْهُ قُريشٌ قالَ قائِلُها *** إلى مكارِمِ هذا ينتهي الكَرَمُ مُشتَقَّةٌ مِن رسولِ اللهِ نبعَتُهُ ***طابَتْ عناصِرُهُ والخِيم(80)والشِّيمُ هذا ابنُ فاطمة إنْ كُنتَ جاهِلَهُ *** بِجدِّهِ أنبياءُ اللهِ قَدْ خُتِموا اللهُ شَرَّفَهُ قُدْماً وعَظّمَهُ *** جَرى بذاكَ لهُ في لوحِهِ القَلَمُ فليسَ قولُكَ مَنْ هذا بِضائِرِهِ *** العربُ تَعْرِفُ مَنْ أنْكَرْتَ والعَجَمُ مِنْ مَعْشَر(81)حُبُّهُم دينٌ وبُغْضُهُم *** كُفرٌ وَقُرْبُهُم مَنْجىً ومُعتَصَمُ إن عُدَّ أهلُ التُّقى كانوا أئمّتَهُم *** أو قيلَ مَنْ خيرُ أهلِ الارضِ قيلَ هُمُ أيُّ الخلائِق لَيستْ في رِقابِهِمُ *** لاوّليةِ هذا أوّله نعمُ مَنْ يَعرِفَ الله يعرفْ أوّليةَ ذا *** والدِّينُ مِنْ بيتِ هذا نالَهُ الاُمَم فلمّا سمع هشام هذه القصيدة غَضِبَ وحبسَ الفرزدقَ ، ولكن زين العابدين أنفذ له اثني عشر ألف درهم ، فردّها وقال : مَدَحْتُهُ لله تعالى لا لِلعَـطاء ، فقال ـ زين العابدين ـ : ( إنّا أهلُ بيت إذا وَهَبْنا شيئاً لا نستعيده) ، فقبلها » (82) . وليس غرضنا القصيدة ولا الحادثة ولا الموقف العدائي ، ولكن المهمّ في المسألة أنّ الامام (ع) قد حظي بولاء جماهيري حقيقي واسع النطاق ، بشكل جعل ذلك الولاء يتجسّد حيّاً حتّى في أقدس ساعة ، وفي موقف عبادي مشهود ، فما أن تلتقي الجماهير الكثيفة بإمامها الحق ، حتّى توسعَ له ، لكي يؤدّي مناسكه دون أيّة مضايقة عفوية منها . وإذا كان البُعد الزمني يفصلنا عن تلك الحادثة ، فإنّه ينبغي لنا أنْ ندرك أهميّتها القصوى ، من خلال استعادتنا إلى الاذهان أنّ الاُمّة على الرّغم من إدراكها لعداء الحكم الاموي لاهل البيت (ع) ، وما يترتّب على ذلك العداء من موقف تجاه أنصار أهل البيت (ع) ومؤيِّديهم ، فإنّها تتخذُ ذلك الموقفَ وسواهُ بشكل طبيعي دون تحرّج ، الآمر الّذي يُشيرُ بوضوح إلى مدى التأثير السجّادي وعمقِهِ في القطاعات الواسعة من الاُمّة .
|
|