اسم الكتاب: الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)
3 ـ التبنِّي العملي لمشاكل الجماهير المسلمة :
أئمّة أهل البيت (ع) ، وإنْ كانت عهود الظلم والانحراف قد أقصتهم عن مراكزهم الطبيعية في دنيا المسلمين ، إلاّ أنّهم ظلّوا يتعاملون مع القواعد الشعبية بالوسائل المتاحة والممكنة لديهم ، يعطفون على الجماعات الضعيفة من الاُمّة ، ويُخَفِّفون عنهم الآلامَ والمتاعِبَ بما يمكن، ويرفعونَ المشقّةَ عنهم بالميسورِ مِنَ الامكانات ، ولئن كانت تلك الممارساتُ الّتي يضطلعُ بها أئمّة أهل البيت (ع) موضوعيّةً في ذاتها ، يبتغون من خلالها وجه الله تعالى ، بيد أنّها كانت كذلك سبباً لكسب الجماهير المسحوقة منها على وجه الخصوص . ولقد أبدَى الامام (ع) - كَسِواهُ مِن أئمّة أهل البيت (ع) - اهتماماً متزايداً بالاُمّة ، فرسّخ علاقته بها وعمّق تعامله مع أوسع قطاعاتها ، فكان الاب الرّحيم ، والقائد الحكيم ، الحريص على علاج أدوائها طوال أيّام إمامته (ع) . وقد عشنا طُرُفاً من ممارساته تلك ونشاطاته ، عند دراستنا للبُعْد الاخلاقي من شخصيّته (ع) ، ومن المناسب أن نذكر بعض المصاديق العملية على تبنّيه لمشـاكل الاُمّة الاسلامية . عن أبي جعفر (ع) قال : « إنّه كانَ يعولُ مائةَ بيت مِن فقراءِ المدينة ، وكانَ يُعجِبُهُ أن يحضُرَ طعامَهُ اليتامى والفقراءُ والزَّمنى والمساكينُ الّذين لا حيلة لهم ، وكان يناوِلُهُم بيدهِ ، ومَنْ كان منهم له عيال حمّلَهُ إلئ عياله مِن طعامه » (92) . وعن الزهري : « إنّه كان يستقي لضعفاء جيرانه باللّيل » (93) . عن ابن الاعرابي : « لمّا وجّه يزيد بن معاوية قوّاته لاستباحة أهل المدينة المنوّرة بعد ثورتها المعروفة ، ضمّ عليّ بن الحسين (ع) أربعمائة امرأة إلى اُسرته ، يعولهنّ ويتحمّل عِبءَ نفقاتهنّ ، حتّى انصرف الجيشُ الغازي ، وقد حُكِيَ عنه (ع) نفسُ العمل حين طَرَدَ عبد الله بن الزُّبير بني اُميّة من الحجاز » (94) . الاهتمام بفئة الارقّاء والعمل على كلِّ ما مِن شأنه إعادتهم إلى ركب الانسانية بكـرامة ، فقد رُوِيَ عنه (ع) أنّه يكثر كان مِن شِراء الارقّـاء من أجل تخليصهم من العبوديّة ، ولقد ذكر أهل السِّيَر أنّه قد حرّر أعداداً كبيرة من تلك الفئة (95) ، وقد بلغ من اهتمامه بفئات الاُمّة بشتّى مستوياتها ، أن خاطبه نافع بن جبير يوماً بقوله : « إنّكَ تُجالِسُ أقواماً دوناً ، ظنّاً مِن نافع أنّها منقصةٌ ينبغي الترفّعُ عنها ، غير أنّ الامام (ع) فنّد اعتراضه بقوله : ( إنِّي أجالِسُ مَنْ أنتفعُ بمجالستِهِ في ديني ) » (96) . هذه لمحاتٌ يسيرة مِنِ اهتمامات الامام (ع) بفئات الاُمّة المختلفة ، واندماجه بها ، وعيش مشاكلها ، ووضع الحلول الممكنة لها ، ورفع الحيف عن كاهلها ، ممّا كان له أثر إيجابي فعّال في كسبِ الامام (ع) لقاعدة شعبيّة عريضة .
|
|