سيرة وتاريخ

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب
اسم الكتاب:  الامام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)


سياسة ردّ الفعل

مضت سنوات على إمامة السجّاد (ع) دون أن يتعرّض لقمع سلطات الانحراف الاموي أو تنكيلها ، لأنّهم مقتنعون بأنّ الاضطرابات الّتي نشبت في طول البلاد وعرضها بعد مأساة كربلاء الدامية ، على امتداد عشر سنوات كاملة لم يكن للامام ضِلْع فيها .
وكمثال على ذلك فإنّ يزيد بن معاوية أوصى قائده مسلم بن عقبة الّذي كُلِّف بغزو المدينة المنوّرة واستباحتها بقوله :
« فإذا ظهرتَ عليهم فَأبِحْها ثلاثاً بما فيها مِن مال أو دابّة أو سلاح فهو للجند ، فإذا مضتِ الثّلاثُ فاكفُفْ عن النّاس، وانظرْ عليّ بن الحسين فأكفُفْ عنه ، واستوصِ به خيراً فإنّه لم يدخلْ معَ النّاس » (97) .
كما أنّ عبد الملك بن مروان حين ولّى هشام بن إسماعيل المخزومي على المدينة،أوصاه بالامام(ع)خيراً(98)،وحين تمّ للحجّاج بن يوسف الثقفي تصفية ابن الزُّبير في الحجاز،وسلك مع الناس سياسة القمع والارهاب،الّتي يندر مثيلها في تاريخ الانسان،كتب إليه عبد الملك:
« أمّا بعد ، فَجَنِّبْني دماءَ بني عبد المطلّب ، فإنِّي رأيتُ آلَ أبي سفيان ، لمّا وَلِغوا فيها لم يلبثوا بعدها إلاّ قليلاً ، والسّلام » (99) .
على أنّ تبنِّي الامويين سياسة عدم التصدِّي للامام (ع) طوال عقد من الزّمان لا يعني انّه لم يتعرّض للمضايقة والارهاب والرّقابة والاذى والتوجّس ، فإنّه عند تدهور الاوضاع العامّة خلال ثورة المدينة ، وأثناء اسـتفحال الحركة الزُّبيرية ، قد تعرّض الامام (ع) لكثير من المضايقة كما تشير بعض المصادر التاريخية؛ فمنها: شعوره بالضيق والحذر ، حين ترامت الانبـاء إلى سمعه عن تحرّك القوّات الامويّة باتّجـاه المدينة بقيادة مسلم بن عقبة ، على أثر ثورة أهلها ، فكان يتضرّع إلى الله أنْ يَدْرأَ عنه شَرَّه :
«رَبّ كم مِن نعمة أنعمتَ بها عليَّ قَلَّ لكَ عندَها شُكري،وكم مِن بليّة ابتَلَيْتَني بها قلَّ لكَ عندها صبري،فيا مَن قلَّ عندَ نعمتِهِ شُكري فلم يَحرمْني،ويا مَن قلَّ عندَ بلائِهِ صبري فلم يَخْـذُلْني ، يا ذا المعروف الّذي لا ينقطعُ أبداً ، ويا ذا النعماءِ الّتي لا تُحصى عدداً ، صَلِّ على محمّد وآلِ محمّد ، وادفعْ عنِّي شَرَّهُ ، فإنِّي أدرأُ بِكَ في نحرِهِ ، وأستعيذُ بِكَ مِن شَرِّه»(100).
وقد شعر (ع) بنفس المضايقة حين استطال الوجود الزُّبيري في الجزيرة ، حيث إنّ ابن الزُّبير لا يختلف في معاداته لخط الامامة الّذي يقوده الامام (ع) عن الامويين ، بل إنّه أشدّ خطراً على الحركة الاصلاحية منهم، بسبب انكشاف الحكم الاموي على حقيقته للاُمّة المسلمة بعد شهادة الحسين(ع) ، خلافاً للخط الزُّبيري الّذي لو قُدِّرَ له أنْ ينتصِرَ ، لامتصّ النقمةَ الشعبيةَ على الامويين الّتي خَلَقَها الحسينُ وأهلُ البيت (ع) بدمائهم الزكيّة وحياتهم الغالية ـ لامتصّها لمصلحة حزبه ـ في حين ينفِّذُ البرامجَ والمتبنّياتِ الامويّةَ نفسها ، ويرمي إلى الاهداف ذاتها ، ممّا يشكِّل خطراً أبعدَ وأعمقَ على الرِّسالة وحركة الاسلام التاريخية .
ولقد توجّس الامـام (ع) ، وشعر بالخطر من توسّع حركة ابن الزُّبير حتّى كان يبدو عليه الحزنُ وطولُ التفكير بسببها ، كما يروي صاحبُهُ أبو حمزة الثمالي (101) .
إلاّ أنّ الازمة العامّة قد مرّت بسلام ، ونفض الامام عن كاهله دِثارَ الضيق والحذر الناجم عنها ، واستمرّ يمارس خططَهُ الاصلاحية في الاُمّة بما اُتيحَ له من إمكانات وظروف .
على أنّ الحكم الاموي بدأ يستعيدُ سطوتَهُ ، بعد أن صفّى آخر موقع للثوّار في السنة السابعة من حكم عبد الملك بن مروان ، الّذي تسلّم زمام الاُمور بعد أبيه عام (65 هـ ) ، فعادت الاوضاع إلى سابق عهدها ، وقبض البيت الاموي على السّلطة بِيَد من حديد ، أو هكذا بدا لفترة محدودة على الاقل .
وإذا كانت القوى الاسلامية المخلصـة قد تعرّضت لضربات موجعة خلال الاضطرابات العامّة الّتي زعزعت الكيان الاموي ، منذ عهد يزيد حتّى السنوات الاُولى من حكم عبد الملك بن مروان ، فإنّ تلك الضّربات كانت حصيلة مواقف ثوريّة غالباً ، كحركة التوّابين وثورة المختار الثقفي ، وكان لها أقوى الآثار الجهادية في أعماق وجدان الاُمّة .
بيدَ أنّ استتباب الامن الدموي !!، وعودة الزمام إلى البيت الاموي ، مجدّداً من جهة ، وانتهاء المقاومة الواعية من جهة اُخرى ، لم يكن فاتحة خير واطمئنان لمصلحة الخط الرسالي بشكل من الاشكال ، وإنّما بدأت مرحلة جديدة من تاريخ أتباع أهل البيت (ع) لا تختلف بحال عن سلسلة الكوارث الّتي مرّت بهم في سنوات خلت ، إلاّ من حيث المصاديق ، فقد تبنّى الحكم الاموي بقيادة عبد الملك شعار التصفية للوجود الرسالي ، وفي طليعته القوى ذات التأثير الفاعل فيه ، ونُفِّذت تلك الخطّة من خلال تعيين الجزّار الرهيب الحجّاج بن يوسف الثـقفي والياً على الكوفة ـ عاصمة أهل البيت (ع) ـ الّذي نشرَ في ربوعها الدّمارَ ، وأشاعَ الرُّعبَ والموتَ ، فقتل المؤمنين على التّهمة والظّنّة (102) ، وحسبنا وصفاً لتلك المأساة الرهيبة تحديد الامام محمّد الباقر (ع) لحجمها الدامي بقوله :
« ثمّ جاء الحجّاجُ ، فقتلهم ـ يعني أتباعَ أهل البيت (ع) ـ كلّ قتلة ، وأخذَهُم بكلّ ظِنّة وتُهمة ، حتّى أنّ الرّجل لَيُقالَ له زنديقٌ أو كافِرٌ ، أحبُّ إليهِ مِن أن يُقال له : شيعة عليّ » (103) .
وفقد أتباع أهل البيت (ع) عبر تلك المحنة الكثير من رجالهم الافذاذ ، كسعيدِ بن جُبَير ، وكُمَيْلَ بن زياد ، وسواهما ، حتّى لقد أشار بعض المؤرِّخين إلى أنّ عدد الّذين قتلهم الحجّاج عبر العشرين سنة ، الّتي كان فيها والياً قد بلغ مائةً وعشرين ألفاً قُتِلوا صَبْراً سوى مَنْ قُتِلَ في عساكره وحروبه . ولقد مات ذلك الجزّار الرّهيب وفي سجنه خمسون ألف رجل ، وثلاثون ألف امرأة ، منهنّ ستّة عشر ألفاً مجرّدةً (104) . ممّا يجسِّد حجم المأساة الّتي عانى منها أتباع أهل البيت (ع) وما تحمّلوه من تقتيل وتشريد وسجن وتعذيب في الله تعالى ومن أجل الاسلام الاصيل .
وعلى الرّغم من أنّ الامام السجّاد (ع) لم يُظهِر بشكل سافر أيَّ نشاط سياسي أو مسلّح مُعاد للسلطات الامويّة ، لا في أيّام الاضطرابات العامّة الّتي نشبت عبرَ السنوات العشر الّتي أعقبت ثورة الحسين (ع) ـ كما لاحظنا مُسبقاً ـ ولا في العهد الّذي تلا ، إلاّ انّه (ع) لم ينج من الارهاب والتهديد والمحاصرة مع ذلك ، لانّ الجهات الامويّة تعلم بأنّه الممثل الحقيقي للمنهج الالهي ، وأنّه يشكِّل خطراً عمليّاً على التيّار التحريفي حتّى في حالة نشاطه الفكري الّذي لم يكن محظوراً يومها على أحد .
ولقد كان الامام مرصوداً من قبل السلطات الامويّة الّتي تتابع خطواته ، وتُحاط علماً بنشاطاته ، حتّى الخاصّة منها كما تشير الوثائق التاريخية إلى ذلك: عن يزيد بن حاتم قال :
« كان لعبد الملك بن مروان عين بالمدينة يكتب إليه ما يحدث فيها ، وإنّ عليّ بن الحسين (ع) أعتقَ جاريةً له ثمّ تزوّجها ، فكتب العين إلى عبد الملك ، فكتب عبد الملك إلى عليّ بن الحسين (ع) : أمّا بعد ، فقد بلغني تزويجُكَ مولاتَكَ ، وقد علمتُ أنّه كان في أكفّائك مِن قريش مَن تمجّدُ به في الصّهر،وتَستنجِبُهُ في الولد،فلا لنفسِكَ نظرتَ ولا على وُلدِكَ أبقيتَ ، والسّلام.
فكتبَ إليه عليّ بن الحسـين(ع) :أمّا بعد ، فقد بلغني كتابُكَ،تُعَنِّفُني بتزويجي مولاتي،وتزعم أنّه قد كان في نساء قريش مَن أتمجّد به في الصّهر،وأستنجِبُهُ في الولد،وأنّه ليس فوقَ رسول الله(ص)مُرتقى في مجد،ولا مُستزادٌ في كَرَم،وإنّما كانت ملكَ يميني،خرجَتْ منِّي أراد الله عزّ وجلّ منِّي بأمر التمستُ بهِ ثوابَهُ،ثمّ ارتجعتُها على سنّته،ومَنْ كان زكيّاً في دين الله،فليس يُخِلُّ به شيء مِن أمره،وقد رفعَ اللهُ بالاسلامِ الخسيسةَ،وتمّمَ به النقيصةَ،وأذهبَ اللّؤْمَ،فلا لُؤْمَ على امرئ مُسلم ، انّما اللّؤْمُ لُؤْمُ الجاهليّة ، والسّلام(105) )»(106).
وعن زرارة :
« إنّ عليّ بن الحسين (ع) تزوّج اُمّ ولد(107)عمّه الحسن (ع) ، وزوّج اُمّه(108) مولاه ، فلمّا بلغ ذلك عبد الملك بن مروان كتب إليه : يا عليّ بن الحسين ! كأ نّك لا تعرف مَوْضِعَكَ مِن قومِك، وقَدَرَك عندَ الناس، تزوّجتَ مولاةً، وزوّجتَ مولاك باُمِّك.
فكتبَ إليه عليّ بن الحسـين (ع) يقول : ( فهمتُ كتابَكَ ، ولَنا اُسوةٌ برسول الله (ص) ، فقد زوّجَ زينبَ بنتَ عمّه زيداً مولاه ، وتزوّج مولاتَهُ صفيّة بنت حُيَي بن أخطب) » (109) .
وعلى الرّغم من أنّ عبد الملك بن مروان قد حاول تجنّب دماء بني عبد المطلّب كما يشير كتابه إلى الحجاج الثقفي ، إلاّ أنّه سرعان ما تبرّم من وجود الامام السجّاد (ع) في المدينة المنوّرة بسبب تنامي خطّه المعارض في الاُمّة ، من خلال وسائله الفكرية والعملية الّتي سبق أن أشرنا إليها ، فتوّج ابنُ مروان تَبَرُّمَهُ ذاك بإصدار أمر اعتقاله (ع) ، وإرساله مثقلاً بالحديد إلى دمشق لارهابه ، وإرغامه على التخلّي عن مهمّته الرِّسالية في دنيا المسلمين ، وقد كانت تلك خطّة عبد الملك فيما يبدو ، ليتسنّى له فصله عن قواعده الشعبية ، وتلامذته في المدينة ، غير أنّ القوّة الروحية الّتي يتمتّع بها الامام (ع) وكرامته عند الله تعالى ، حالت دون تنفيذ الخطّة الامويّة ، فعاد الامام (ع) إلى حرم الرسول (ص) بسلام .
على أنّ الموقف قد تأزّم بعد موت عبد الملك ، حيث تسلّم الوليد ابنه زمام الآمر بعده ، في وقت قد صُفِّيتْ فيه المعارضةُ أو كادت ، ولم يبقَ غير الامام السجّاد (ع) متابعاً خطواته الاصلاحية في الاُمّة : تثقيفاً ، وإرشاداً ، وأمراً بمعروف ونهياً عن منكر، الآمر الّذي أقضّ مضاجع قادة الحكم الاموي ذي الاهداف التحريفية للرِّسالة الالهيّة وأثار مخاوفهم وحقدهم ، وقد أدركوا أنّ إيقاف مسيرة الامام (ع) تلك ، لا يمكن بإرهابه ، فقد جرّبوا ذلك في عهد عبد الملك ، كما لا يتم بتعريض شيعته للقتل والارهاب ـ كما جرى في الكوفة ـ فإنّ تجربتهم في هذا النوع لم تحقِّق هدفهم النهائي القاضي بقتل روح المقاومة الجهادية لصالح المنهج الالهي ، وخط المعارضة للظلم والارهاب والاستعلاء .
ومن هنا فإن خططهم اتّجهت لتصفيةالامام(ع)ذاته،وهكذا كان،فقد اغتاله سليمان ابن عبد الملك في عهد الوليد من خلال سمّ دسّه إليه،وبذلك أسدل الستار على عصر ذلك الامام العظيم (ع).
بيدَ أنّ أفكارَهُ وأهدافَهُ بقيتْ حيّةً نابضةً بالحـياةِ ، متدفِّقةً بالخـيرِ والخصبِ والنّـماء ، تُسيِّرُ التاريخَ الانساني ، حاملةً المشعلَ المتفجِّر بالفضيلة والهُدى .
فسلامٌ عليه وعلى الائمّة الهُداة الميامين من آبائه وأبنائه ، وعلى جميعِ حَمَلَةِ الرِّسالة الاسلامية والمُستَشْهَدين مِن أجلها .

قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | الفهرس | فهرس عناوين الكتب

 © حقوق الطبع محفوظة للبلاغ
Copyright © 2000 alblagh ORG. All rights reserved. info@balagh.com