اسم الكتاب: الأمام محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام)
ثانياً : البُعد الاجتماعي في شخصيته (عليه السلام) :
ونريد بها أساليب التعامل وكيفية التفاعل الّتي سلكها الأمام الباقر (ع) مع الاُمّة في عصره . فلقد ألمحنا مراراً إلى أنّ الائمّة من أهل البيت (ع) نسخة مكرّرة في الفكر والعمل، بيدَ أنّ المصاديق والمضامين تختلف لاختلاف الحوادث والاوضاع والتحدِّيات. وها نحن أوّلاً نطرح بعض الانشطة الاجتماعية الّتي تفاعل الأمام (ع) من خلالها مع الجماهير الّتي عاش بين ظهر ابيها : أ ـ عن الأمام الصادق (ع) ، قال : « دخلتُ على أبي يوماً وهو يتصدّق على فقراء المدينة بثمانيةِ آلاف دينار ، وأعْتَقَ أهلَ بيت بلغوا أحدَ عشرَ مملوكاً » (23) . ب ـ عن الحسن بن كثير ، قال : «شكوتُ إلى أبي جعفر محمّد بن عليّ (ع) الحاجةَ وجَفاءَ الاخوان ، فقال : ( بِئْسَ الاخُ أخٌ يَرعاكَ غَنِيّاً ويَقْطَعُكَ فقـيراً )، ثمّ أمر غلامه فأخرج كيساً فيه سبعمائةُ دِرهم فقال : ( استنفِقْ هذا فإذا نَفَدَتْ فأعلِمْني ) » (24) . ج ـ عن عمرو بن دينار وعبد الله بن عبيد ، قالا : « ما لقينا أبا جعفر محمّد بن عليّ (ع) إلاّ وحمل إلينا النّفقة والصِّلة والكسوة فقال: ( هذه مُعدّة لكم قبلَ أنْ تَلْقَوْني ) » (25) . د ـ عن سليمان بن قرم ، قال : « كان أبو جعفر محمّد بن عليّ (ع) يُجيزنا بالخمسمائة إلى الستمائة إلى الآلف درهم وكان لا يملّ مِن صلةِ إخوانِهِ وقاصِديهِ ومُؤمِّليه وراجيه » (26) . هـ ـ قالت سلمى مولاته : « كان يدخل عليه إخوانُهُ فلا يخرجونَ من عندِهِ حتّى يُطعِمَهُمُ الطّعامَ الطّيِّب ويكسوهم الثِّياب الحسنة، ويَهَبَ لهم الدراهِمَ ، فأقول له في ذلك ليقلَّ منه ، فيقول : ( يا سلمى ! ما حسنةُ الدُّنيا إلاّ صِلَةُ الاخوان والمعارف ) ، وكان يجـيز بالخمسمائة والستمائة إلى الآلف . وكان لا يملّ من مجالسته إخوانه ، وقال : ( إعرفِ المودّةَ لك في قلب أخيك بما لَهُ في قلبك ) . وكان لا يُسمع من داره : يا سائل ! بورك فيك ، ولا يا سائل : خذ هذا ، وكان يقول : ( سمُّوهم بأحسنِ أسمائهم ) » (27) . هذه بعض مظاهر تعاملـه (ع) مع قطاعات الاُمّة الواسعة ، على أنّ القيمة الموضوعية لممارسته تلك قد لا تتجسّد بشكل جلي أمام القارئ الكريم ، إلاّ إذا أعدنا إلى الاذهان ، أنّ الأمام (ع) لم يكن في موضع اقتصادي يُحسد عليه ، فقد كان كما وصفه الأمام الصادق (ع) : « كان أبي أقلَّ أهلِ بيتِهِ مالاً وأعظمَهُم مؤونةً » (28) . فهو إنّما يمارِس تلك المسؤوليات ، ويتحمّل تلك التبعات لا من مركز مالي مرتفع، وإنّما من مركز متواضع ، ولكنّه مع ذلك لا ينكُصُ عن تحمّل الاعباء الاجتماعية أبداً وإنّما يمارِسُ دورَهُ من أجلِ التخفيف عن كاهل الاُمّة الّتي يرهَقُها الظلمُ الاجتماعي الّذي تصبّه السياسة المنحرفة يوم ذاك ، لا سيما على أتباع أهل البيت (ع) . وما أعظم الشعار الّذي كان يرفعه (ع) بهذا الصدد،نقلاً عن جدِّه رسول الله(ص) :«أشدّ الاعمال ثلاثة:مواساةُ الاخوان في المال،وإنصافُ الناس من نفسك،وذكرُ الله على كلِّ حال»(29). ولقد كان (ع) حريصاً على تعليم أتباعه من المؤمنين أرقى نماذج التعامل مع الناس ، وهذه بعض مفاهيمه بهذا الصدد : « ثلاثةٌ من مكارم الدُّنيا والآخرة : أنْ تعفوَ عمّن ظلمك ، وتَصِلَ مَنْ قَطعَكَ ، وتحلمَ إذا جُهِلَ عليك » (30) . « ما مِن عبد يمتنعُ مِن معونةِ أخيهِ المسلم والسّعي لهُ في حاجته ، قُضِيَتْ أو لَم تُقْضَ إلاّ ابتُلي بالسّعي في حاجَةِ مَنْ يأثم عليه ولا يُؤجَر ، وما مِن عبد يبخلُ بنفقة يُنفقُها فيما يُرضي الله إلاّ ابتُلي بأنْ يُنفِقَ أضعافَها فيما أسخطَ الله » (31) . ومن أسمى معاني أخلاقه (ع) أنّ نصرانياً اعتدى عليه بأفحشِ القول ، حيث خاطبه : « أنتَ بَقَرٌ ، قال الأمام : ( أنا باقِرٌ ) ، قالَ : أنتَ ابنُ الطبّاخة ، قالَ : ( ذاكً حِرْفَتُها ) ، قالَ : أنتَ ابنُ السّوداء الزنجية البذية ، قالَ (ع) : ( إن كُنتَ صَدَقتَ غفرَ اللهُ لها وإنْ كُنتَ كَذبتَ غفرَ اللهُ لك ) . فلم يكن من النصراني إلاّ أنْ يثوبَ إلى رُشدِهِ بعدَ إدراك فضل الأمام (ع) وسموّ شخصيّته ، وعظمة الرِّسالة الّتي يتبنّاها ، فيعلنُ إسلامَهُ بين يَدي الأمام (ع) » (32) .
|
|